من قصص يوسف إدريس أيام حرب ٥٦

26/10/2016 - 10:50:57

بقلم: د. محمد فتحى

- صح – نشرت فى جريدة «المساء» ٦/١٠/٦٥- ثم فى مجموعة «البطل» (إبريل ١٩٥٧)


صبى فقير مهزول رث الثياب، عثرت قدمه وهو يسير فى شوارع حى أرستقراطى بقطعة حجر أبيض، فأدرك أنه يمكن أن يكتب بها على الجدران النظيفة الملساء.. ومضى يعمل لمدة طويلة حتى سال عرقه وتشنجت أصابع يده الصغيرة كالكماشة على الحجر، ولما انتهى كان قد كتب جملة واحدة: «أممنا الشعب الكنال»، وبعد أن ابتعد وألقى نظرة على ماأبدعت يده اقترب من جديد وأخذ يصلح من شأنها، حتى رضى عنها، ففرك يده وتراجع ينظر إليها، وعلت وجهه ابتسامة وعض شفته السفلى، وأخرج من فمه نقيقا، ثم عاد إلى الحائط، ورسم علامة «صح» بذيل مرح طويل، علامة الرضاء.


- البطل ٣/١١/٥٦- مجموعة «البطل» (إبريل ١٩٥٧)


الراوى يتلقى تليفونا من غريب، ويعرف خلال المكالمة أنه الشقيق الأصغر الخجول لصديق من بلدته، ويتذكر أنه كثيرا ما كان يحدثهم فى لجلجة وخجل عن أحواله فى التجنيد.. لكنه هذه المرة يتحدث فى انطلاق وزهو عن إسقاطه طائرة معتدية بنيران رشاشه، ولما أعطوه إجازة ساعة مكافأة له لم يجد إلا رقم الراوي- معرفته- ليتلفن له ويبلغه بالخبر.


- الجرح- الجمهورية ٢٤/١/٥٧- مجموعة «البطل» (إبريل ١٩٥٧)


الناس يتدفقون عبر جسد الوطن للذهاب عبر بحيرة المنزلة إلى أرض المعركة فى بورسعيد المحاصرة، والراوى فى قارب مع آخرين ومعهم أم متلهفة للذهاب لرؤية ابنها المحارب الجريح. تبدى عدم تصديقها بذهابهم إلى المعركة كما يبدى الصياد عدم اقتناعه بأنهم فدائية.. لأنه وفق تعبيره: «كل ليلة عمال أحول فى ناس زيكو كده.. صفوف ورا صفوف عماله تروح على هناك.. هو هناك أيه؟ مولد؟». المهم أنهم يصلون المطرية فى الفجر، تلوح كئيبة كناموسية غامقة مسدلة على مجروح.. وعلى ضوء الشمس البازغة بدت ملايين السحنات التى رآها على طول الطريق وكأنها وجه عملاق كبير مصنوع من ملايين الوجوه (مصر)، أصيب بجرح (بورسعيد) فجاء هؤلاء يتحسسون الجرح.