العدوان الثلاثى ١٩٥٦ أمى وصلاح جاهين ويوسف إدريس

26/10/2016 - 10:49:38

  صلاح جاهين وسيد مكاوى فى سنوات الإبداع فى الستينات صلاح جاهين وسيد مكاوى فى سنوات الإبداع فى الستينات

بقلم: د. محمد فتحى

القارئ يعرف بالطبع جاهين وإدريس لهذا لا بأس من البدء بتعريفه على أمى.


أمى كانت من الرعيل الأول، الذى ارتاد التعليم فى مدارس المعلمات، وحين تزوجت تخلت عن وظيفتها فى التدريس لتتفرغ لتربيتنا.. والمهم هنا أن والدها كان يباهى بها كأول من يرتاد التعليم من أخواتها، وكان يوقفها فوق منضدة لتلقى «أشعارها الخاصة»! على كل زوار المنزل، ولا شك أنه كان لذلك تأثيره على أخوتها الذين ارتادوا التعليم بعدها، فكان منهم الشاعر كمال عبدالحليم والكاتب والناشر إبراهيم عبدالحليم.


ولعل علاقة أمى بجاهين وإدريس تنجلى إذا عرفنا الصلات الوثيقة، التى ربطتهما بأخويها.. فخالى كمال هرب من البوليس السياسى للملك فاروق (منتصف الأربعينيات) فى بيت يوسف إدريس، وهو مازال طالبا، وقرر إدريس بعد ذلك أن الشاعر كمال عبدالحليم علمه الكثير، خلال هذه الفترة عن الأدب والاشتراكية.. وكان كمال أول من قدم جاهين كشاعر.. هذا كما أن إبراهيم عبدالحليم هو ناشر أول دوواين صلاح جاهين «موال عشان القنال وكلمة سلام»، ومجموعة «البطل» ليوسف إدريس عن حرب ٥٦..


ولأن كمال كان أيامها أعزب كان يعيش فى بيتنا فترات.. من هنا كان جاهين وإدريس بين أعمامى الحقيقيين لا المجازيين، بالضبط كما كان الحلايمة خيلاني.. ومن هنا ساهمت قصائد موال عشان القنال وقصص مجموعة البطل، ومقدماتهما، فى علاقتنا الفنية جميعا بعبدالناصر وحرب ٥٦، التى بدأت بتأميمه قناة السويس، ذلك أن أمى «الشاعرة» كانت تستغل كل إمكانات المعلمات التربوية، ومنها الشعر والقصص و... فى تربيتنا، وفى هذا الصدد بدأ الأمر بخطاب تأميم قناة السويس، الذى اجتهدت أمى فى أن تشرح لى خفاياه، وحدثتنى على حفظه صم، ومع ذلك بت أقلد صوت عبدالناصر فى إلقائه بولع طفولي.


وعبر وقائع التربية قرأت معى أمى مأثرة جاهين حينها «موال علشان القنال».


فحينما أمم عبدالناصر القناة بادر خالى بإصدار العمل الفنى الرائع، الذى كتبه عمى صلاح جاهين، «موال عشان القنال» وفى هذا العمل يحكى عمى جاهين ما حدث بعد التأميم من مواقف الدول المختلفة الطامعة فى القناة.. ويتابع قصتها فى قلوب المصريين، وكيف ضحوا من أجل حفرها، وحمايتها من المغتصب الغاشم.. وبدأ جاهين ديوانه: يجعل كلامى فانوس وسط الفرح قايد/ يجعل كلامى على السامعين.. بفوايد/ يجعل كلامى ولا ناقص ولا زايد/ إحنا فى وقت البنا ما احناش فى وقت كلام/ يجعل كلامى حجارة.. ومونه وحدايد».


وتحمست أمى لكلام عمو جاهين لا لأن الحدث كان نقلة جوهرية فى الثورة المصرية فقط، بل لأن المطربة أحلام بلدياتنا، وكانت تعمل مع أمي. ولعل علاقتهما هى ما قادت أحلام إلى غناء بعض كلمات «موال عشان القنال»: «يا حمام البر سقف/ طير وهفهف/ حوم ورفرف».. وحوى برنامج التربية من ديوان عمى جاهين، مع أغنية أحلام طبعا، «ياسايق الغليون»: يا سايق الغليون/ عدِّى القنال عدِّي/ وقبل ما تعدي/خد مننا وادي/ ده اللى فحت بحر القنال.. جدي/ دى أرضنا.. وأرضنا لينا/ ضرب الرصاص للى يعادينا/ دى أرضنا وترابها أجدادنا/ ضرب الرصاص للى يعاندنا/ النخلة للطالع/ والأرض للزارع/ وبكرة للصانع/ والكون اهو سامع/ يا سايق الغليون».


وكما صار التأميم، وكما صارت القناة جزءا من الحياة فى بيتنا صارت الحرب من بعدهما.


وقد بدأت علاقتنا بالحرب «فنيا» حين استيقظنا غداة العدوان الثلاثى على يوميات جريدة «الأخبار»، التى كتب فيها الشاعر الكبير كامل الشناوى عن استحالة أن يكون له يوميات، فى ظروف الحرب، غير قصيدة كمال عبدالحليم (دع سمائي):


دع سمـائـى فسمـائـى مُحــــــــــــــرقهْ / دع قنـاتـى فـمـيـاهى مُغرِقهْ/ واحذر الأرض فأرضـى صـاعقــــــــة/ هـذه أرضـى أنـا وأبـى مات هـنا/ وأبى قال لنــــــا مزقــــوا أعـداءنـــا/ أنا شعبٌ وفدائى وثورة/ ودم يصنع للإنسان فجره/ لن ترانى نازفا آخر قطرة/ وستبقى مصر حرة».. قرأت فايدة كامل (وهى بالمناسبة من دائرة خيلانى وأعمامى وعماتى وخالاتى فقد كان فى ديوان خالى كمال الأول «إصرار» قصيدة تخصها)، قرأت فايدة كلمات «دع سمائي» التى نشرها كامل الشناوى فى يومياته، ورفعت سماعة الهاتف، وطلبت من على إسماعيل قراءتها وتلحينها، ليصدح صوتها بها فورا!


واستمرت وقائع الحرب فى بيتنا، على حجر أمى، مع حكاية عمو صلاح جاهين وعمو سيد مكاوى ونشيد حنحارب.. انتهى عمو صلاح من كتابة مطلع النشيد: «هنحارب هنحارب كل الناس هتحارب»، رفع سماعة التليفون، وقرأه لعمو سيد حتى يبدأ فى التلحين، واتفقا على الحركة، واللقاء فورا فى الإذاعة، لإكمال اللحن مع اكتمال الكلمات، وتسجيل الأغنية.. ومع استعار القتال أعلنت حالة الطورائ، قبل وصول الكورال الذى سيؤدى النشيد لمبنى الإذاعة، التى أغلقت أبوابها على من فيها.. لكن عمو صلاح أصر على أن يكتمل غناء النشيد ويذاع للتو، فما كان إلا أن تم تجميع كل العاملين فى مبنى الإذاعة وتم أداء النشيد بهم ككورال!! ليذاع فى التو واللحظة!


ومع تطور الحرب بهرتنى كطفل حكايات أعمامى الكثر، الذين تسللوا لمدينة بورسعيد المحتلة، لإصدار جريدة تحت عنوان «الانتصار»، والمشاركة فى المقاومة الشعبية وقيادتها.


والتفت ساعتها كطفل لما خص به عمو جاهين الأطفال فى «موال عشان القنال»، وجعلتنى أمى أحفظة، فما لبثت أن نزلت إلى الشارع ورحت أشارك فى الحرب، مثل أعمامي، بترديد كلام جاهين مع أطفال الشارع الآخرين: يا ولاد حارتنا توت/ هاتوا قوام نبوت/ يموّت البرغوت/ إيدن خلاص حايموت/ حايموت من الخضة/ أبو شنب فضة/ تفّيت على شنبه/ قام الشنب صدّى/ صدى بقى خردة/ يا مصر يا وردة/ شـال الحــمــام/ حط الحــمــام/ على كل إيد فرده.


بن جوريون هبهب ليه/ والمدعو جيموليه/ والمخفى مستر إيدين/ أبو رجلين عايزين أيه/ أنا من رأيى نشترى حله نهديها لبريطانيا/ وحزام لفرنسا الهبلة/ ترقص ع الحسرة المرة.


وكنت مع هؤلاء الأطفال نلعب لعبة الحرب بين المصريين والإنجليز، ولا أدرى كيف وصل الأمر لعمى يوسف إدريس، حتى فوجئت بأمى تقرأ لى قصته «هى لعبة؟» المنشورة فى جريدة «المساء» (١٦/١١/٥٦، ثم فى مجموعة «البطل» التى نشرها خالى إبراهيم إبريل ٥٧).


يتعارك طفلان ويتدخل أهليهما للتحقيق فى الأمر فيظهر أن الأطفال قسموا أنفسهم فريقين: المصريين والإنجليز، وراحوا يتعاركون فى «لعبة الحرب»، بحيث تكون القناة من نصيب من يفوز.. لكن طفلا من الفريق الذى هزم، يرفض التسليم وفق الاتفاقات الأولى، لأن ترك القناة لفريق الإنجليز مستحيل.


تتصافى الأسرتان، فالأمر فى النهاية لعب عيال.. وينصرف كل أب مع ولده.. الأول يلوم ابنه ويعنفه للموافقة على لعب دور الإنجليز، ويطلب منه أن يعاهده على ألا يكررها ثانيا.. والثانى يمتدح رفض ابنه شروط اللعبة.. عفارم. أوعى تكون فكرت لحظة فى التسليم!


عيب يابا.. هى لعبة؟