عندما تحولت الأناشيد إلى مدافع وقذائف: ١٠٠ أغنية خلدت كفاح الجيش والشعب فى الملحمة

26/10/2016 - 10:47:09

  عبدالناصر مع أم كلثوم وفرقتها الموسيقية عبدالناصر مع أم كلثوم وفرقتها الموسيقية

بقلم: محمد دياب

“لو استطعنا إرسال عشرين طائرة كى تسكت هذا الصوت لما ترددنا فى إرسالها» هكذا صرح أنطونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا لإذاعة البى بى سى، قاصدا صوت المطربة فايدة كامل فى نشيد «دع سمائي»، ويكفى هذا التصريح فخرا وعزا للدور إلى لعبته الأغنية الوطنية خلال حرب العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦، فى شحذ همم الجنود والتعبئة العامة للجهاد فى بورسعيد بين المواطنين المدنيين، كانت الأغنية شريكة حقيقة فى الحرب .


تعد الأناشيد الثورية، التى قدمت خلال العدوان الثلاثى واحدة من ثلاث فورات كبرى للأناشيد الوطنية الحماسية فى مصر فى القرن العشرين: الفورة الأولى كانت مع ثورة ١٩١٩ التى شهدت ميلاد الأغنية الوطنية المصرية بعد سنوات طوال من الإرهاصات غير المكتملة، ثم أناشيد حرب ١٩٥٦، الثالثة قد تبدو صادمة للبعض وهى تلك الأناشيد التى قدمت خلال حرب ١٩٦٧ ويعود السبب فى ذلك كون معظمها لا يزال مجهولا ومنسيا إلى اليوم، وكذلك الغالب الأعظم من أناشيد حرب العدوان الثلاثى، التى سنلقى عليها الضوء هنا، أما أغانى حرب أكتوبر فقد خلا معظمها من الأناشيد الحماسية .


أكثر من مائة أغنية قدمت خلال العدوان الثلاثى على مصر قدم نصفها تقريبا فى ستة أيام حسب ما نشرت صحف ومجلات تلك الأيام، لا يزال الكثير منها حاضرا فى الوجدان لعل أبرزها كان نشيد «دع سمائي» الذى يعد حقا بمثابة درة التاج، وكلك نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي»، ونشيد «أنا النيل مقبرة للغزاة»، ونشيد «يا أغلى اسم فى الوجود» لإسماعيل الحبروك ومحمد الموجي، ونشيد”والله زمان ياسلاحي”، وقد اختير الأخير نشيدا وطنيا لمصر منذ ١٩٦٠، واختير نشيد «الله أكبر» نشيدا وطنيا للجمهورية الليبية منذ ثورة الفاتح ١٩٦٩ عوضا عن نشيد ليبيا الذى كان وضعه الموسيقار محمد عبد الوهاب عام ١٩٥٤، وشهدت تلك الفورة من الأناشيد ظهور أول أغنيات عن قناة السويس منذ أعلن عبد الناصر تأميمها فى السادس والعشرين من يوليو ١٩٥٦، لم يغن المصريون للقناة من قبل لأنهم حفروها بالسخرة وخيرها لم يكن لهم، وذلك ظهور أكبر عدد من الأغانى عن مدينة بورسعيد الباسلة، التى تصدت للعدوان.


كلنا جميعا إلى المعركة


كانت نشيد المطرب إبراهيم حمودة «الى المعركة سمنضى جميعا إلى المعركة» هو اول عمل وطنى يخرج من رحم الحرب، بدأ العدوان الثلاثى عند غروب يوم الاثنين ٢٩ أكتوبر باجتياز القوات الاسرائيلية حدودنا الشرقية، وفى الخامسة والنصف من مساء اليوم التالى أطلقت صفارات الانذار فى القاهرة لتعلن الإذاعة عن اشتباكات بين القوات المعتدية والجيش المصرى، وفى صباح اليوم التالى الأربعاء ٣١ أكتوبر وهو اليوم الذى بدأت فيه طائرات القوات البريطانية والفرنسية المعتدية بهجمات على المطارات والمدن المصرية، دخل محمد حسن الشجاعى مراقب الموسيقى والغناء فى الإذاعة مكتبه فى مبنى الإذاعة القديم فى شارع الشريفين وسط القاهرة، وبدأ تليفونيا باستدعاء جميع الشعراء والملحنين والمطربين والمطربات وحتى إفراد الكورس إلى مبنى الإذاعة، للمشاركة فى المعركة غنائيا، وبعد وقت قصير غص مبنى الإذاعة بعشرات من الملحنين والشعراء والمطربين، ودخل الشاعر محمد على أحمد إلى مكتب الشجاعى وقدم له ورقة كتب عليها نشيد «إلى المعركة» قرأه الشجاعى وخرج من مكتبه ليبحث عن ملحن يعطيه القصيدة ووقعت عيناه على محمد الموجى فدفع إليه بالنشيد وقال له :» أحنا عايزين النشيد ده يلحن فى أسرع وقت ممكن «، وحسب مانشرت مجلة «روز اليوسف» بتاريخ التاسع عشر من نوفمبر ١٩٥٦ تحت عنوان «٤٨ نشيدا فى ستة أيام” ، غادر الموجى إلى نقابة الموسيقيين وهناك التقى بالمطرب إبراهيم حمودة، فأخذه من يده ودخلا إلى إحدى غرف النقابة، واكتمل اللحن فى ظرف ساعتين وسارع الملحن ومعه المطرب والمجموعة من أفراد الكورس وذهبا إلى الإذاعة لتسجيل النشيد، وتذكر المجلة انه فى ذلك اليوم استطاعت الإذاعة ان تسجل عشرة أناشيد أخرى سجلت وأذيعت فى اليوم نفسه، هى :” إضرب» تأليف حيرم الغمراوى لحن محمد الشاطبى غناء شفيق جلال، و« يالا ياخويا يالا ياعمي» تأليف سمير محبوب لحن بليغ حمدى غناء المجموعة التى سجلت أيضا نشيدين هما « أرض العروبة» تأليف إمام الصفطاوى لحن رياض البندك و”نشيد الفدا” تأليف أحمد فؤاد شومان لحن على فراج، وسجلت نجاة الصغيرة أغنية «الجنة هيه بلادنا وجهنم هيه حدودنا» لصلاح جاهين وكمال الطويل، وسجل عبد الغنى السيد «الأرض دى أرضنا» للسيد زيادة ولحن عزت الجاهلى، وسجل محمد عبد المطلب «كلنا فدائيون» لإسماعيل الحبروك وأحمد صبرة، وسجل محمد قنديل «على خط النار» لسيد ذكرى وعبد الرؤف عيسى وسجل سيد إسماعيل «أدى الوقت» من تأليف عبد الفتاح الشرقاوى ولحن على إسماعيل، وسجلت فايدة كامل رائعتها نشيد « حتى النهاية» لإسماعيل الحبروك ولحن يوسف شوقى التى تقول فيها :” هضرب لاخر نقطة فى دمى زى ابويا ماقالها لعمى / دى مصر جوا عنية ومدفعى فى ايديا/ حالفين ماحد يفوت يانموت ياهو يموت» .


التسجيل تحت خطر ضرب الإذاعة


فى الأيام التالية استمر عملية تسجيل الأناشيد فى مبنى الإذاعة تحت الغارات الجوية التى كانت تتعرض لها القاهرة مع إطلاق صفارات الإنذار التى كانت تدوى فى سماء القاهرة وكان الإذاعة تطفئ أنوارها فيما يستمر الموسيقيين أحيانا فى تسجيل الأعمال وهم يقرأون النوت الموسيقية على ضوء الشموع، وحدث خلال تسجيل نشيد الفدا إن أطلقت صافرات الإنذار وأطفئت أنوار الإذاعة ودخل أحد السعاه فى الإذاعة الاستديو يطلب من الموسيقار على فراج أن يغادر الاستديو هو والموسيقيون ليختبئوا فى جراج الإذاعة حتى تنتهى الغارة لكنهم أصروا على البقاء فى الاستديو حتى انتهاء الغارة وما إن انتهت الغارة حتى شرعوا فى تسجيل النشيد بحماس شديد .


وحدث أن أرادت كوكب الشرق تسجيل نشيدها الجديد «والله زمان ياسلاحي» كلمات صلاح جاهين ولحن كمال الطويل، فى الإذاعة فنصحوها بتسجيله فى استديو مصر، وذلك بعد تهديد بريطانيا بضرب مبنى الإذاعة وخوفا على حياة أم كلثوم لأنها ثروة قومية فقالت لهم «أسجل أغنيتى فى الإذاعة وأموت ولا يقال أم كلثوم هربت».


فى الثانى من نوفمبر ١٩٥٦ صدر عن القوات المصرية البلاغ رقم ١٤ وجاء فيه: «فى الساعة الحادية عشرة ونصف صباحاً حدثت غارة جوية على قرية مصرية فى أبى زعبل وكذلك على أجهزة إرسال محطة الإذاعة المصرية ما سبّب عطلاً فيها وبعض الخسائر الأخرى التى لم تحدد بعد»، قامت الطائرات الفرنسية والبريطانية بتدمير هوائيات الإرسال الرئيسية للإذاعة المصرية فى منطقة صحراء أبى زعبل شمال القاهرة، وذلك ليقطعوا البث الإذاعى قبل أن يلقى الرئيس عبد الناصر خطبته الشهيرة من فوق منبر الجامع الأزهر بعد خطبة الجمعة من ظهر ذلك اليوم، فتوقفت الإذاعة المصرية عن الإرسال، وتوالت البرقات من جميع الإذاعات العربية تناشد الإذاعة المصرية بإرسال الأخبار والبيانات المطلوب إذاعتها كى تذاع من هناك، وفى اليوم التالى خرج صوت الإذاعى السورى الهادى البكار من إذاعة دمشق، وهو يقول: “هنا القاهرة من دمشق، هنا مصر من سورية، لبيك لبيك يا مصر”.


وفى القاهرة قامت الإذاعة بوضع ميكروفونات فوق سيارات انطلقت تجوب شوارع القاهرة وأحيائها وهى تذيع من خلال أشرطة أغان وأناشيد المعركة.


كان الغناء يتفاعل يوميا مع ما يحدث على الأرض بشكل ديناميكى مذهل، تحولت أكثر من جملة وردت على لسان عبد الناصر فى خطابه فى الأزهر إلى أكثر من أغنية قال عبد الناصر «لن نركع ولن نستسلم وسنقاتل”، فاقتبس الشاعر فؤاد كامل المهندس جملته تلك وتكب أغنية «لن نخضع أبدا سنقاتل» التى لحنها رياض السنباطى وغنتها ليلى مراد، الذى لحن أيضا لفايدة كامل «أبدا لن تركع إعلامي» من شعر إبراهيم الترزى، وكتب الشاعر محمد الفيتورى ولحن الدكتور يوسف شوقى وغنى محمد سلمان «ياوطنى العظيم لن ينحنى جبينك الظافر للعاصبين / ياوطنى العظيم لن يرجعوا لأرضك الحرة مستعمرين”، أيضا استلهم صلاح جاهين هتافات الجماهير فى الجامع الأزهر بعد خطاب عبد الناصر وهى تقول «هنحارب هنحارب»، وكتب أغنيته الشهيرة «هنحارب هنحارب كل الناس هتحارب» التى لحنها سيد مكاوى وغنتها المجموعة ولا تزال حاضرة فى الأذهان إلى اليوم، وفى الطار نفسه، كتب على مهدى ولحن بليغ حمدى وغنت هدى سلطان «هنقاتل هنقاتل”.


ويبدو أن الجملة هذه ظلت حاضرة فى الوجدان الشعبي، عاد الشعب يذكر بها ناصر مجددا بعد خطاب النكسة الشهير فى التاسع من يونيه ١٩٦٧ عندما زحفت الجماهير من كل صوب تجاه منزل ناصر لترفض تنحيه عن الحكم وهى تهتف “هنحارب هنحارب” .


الشاعر محمود حسن إسماعيل أيضا أخر جملة «كانت مصر دائما مقبرة للغزاة”، التى وردت على لسان ناصر فى خطابه فى الأزهر وحولها إلى قصيدة وطنية خالدة لحنها رياض السنباطى وغنتها نجاح سلام بعنوان «يد الله”، تقول كلماتها: «أنا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب نارى تبيد الطغاة/ أنا الموت فى كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه / يد الله فى يدنا أجمعين تصب الهلاك على المعتدين».


ياللى نازل بالبراشوت


فى الثانى من نوفمبر ١٩٥٦ هبط المظليين الفرنسيين والبريطانيين على مدينة بورسعيد التى استبسل شعبها فى التصدى للعدوان والدفاع عن مدينتهم، تفاعل الفنانون مع ما يحدث وخرجت أغنيات كثيرة تسجل ما يحدث على أرض بور سعيد وتعمل على تعبئة الجماهير فخرج إلى النور «نشيد التعبئة» أو تحية بورسعيد غناء كارم محمود تأليف محمد على أحمد ولحن محمود الشريف، ونشيد «شيل السلاح» غناء إبراهيم حمودة تأليف محمد على أحمد ولحن مرسى الحريرى، ونشيد «الشعب كله فدائيون» لبيرم التونسى وأحمد صدقى غناء عبد الغنى السيد، ونشيد «كلنا فدائيون» تأليف إسماعيل الحبروك لحن عبد العظيم محمد غناء محمد عبد المطلب، ونشيد «للكفاح» شعر محمود حسن إسماعيل لحن عبد العظيم عبد الحق غناء المجموعة، و«نشيد البراشوات» غناء المجموعة كلمات على التركى لحن عزت الجاهلى الذى تقول كلماته :» ياللى هتنزل بالبراشوت ياما ولسه تشوفوا الموت/ فى بورسعيد موتناكم فى بور فؤاد دبحناكم فى الجبانة قلبناكم / وف كل حته مصيركوا الموت ياللى هتنزلوا بالبراشوت «.


كما خرجت إلى النور عشرات الأغنيات التى تمجد المدينة الباسلة سواء خلال العدوان أو بعد انسحاب القوات المعتدية ولا يتسع المجال لذكرها جميعا من بينها: «نشيد بورسعيد» غناء عباس البليدى لحن عبد العظيم محمد تقول كلماته الحماسية « بورسعيد كل حتة فى بورسعيد المعارك فى الشوارع بالمدافع والحديد/ اللى نازل من السما يلقى قضاه / واللى جاى من البحر هيقابل رداه / دبحوهم فى الشوارع واصطادوهم بالمدافع / اللى نازل واللى طالع ادبحوهم علموهم بالمدافع والحديد».


قدم فريد الأطرش من ألحانه وتوزيع مدحت عاصم أنشودة «بور سعيد»، وغنى كارم محمود نشيد «بورسعيد الخالدة» شعر نجيب سرور ولحن محمود كامل تقول بعض أبياته: «صبرتى صبرك الخالد وفوقك نار وتحتك نار/ بإيدك والتاريخ شاهد بنيتى قبر الاستعمار / وكل الدنيا تحلف بك وتهتف لك / تعيش الثورة والثوار وعاشت بورسعيد حرة»، وغنت نجاح سلام نشيد « يابورسعيد» شعر سليمان دحابرة ولحن الموسيقار اللبنانى عفيف رضوان يقول مطلعها : «بور سعيد عاشت بورسعيد يابورسعيد سماؤك نار تذيب الحديد/ وأرضك قبر يرد المزيد وشعبك صلب قوى عنيد «، عفيف رضوان لحن وغنى ايضا من شعر أحمد شفيق كامل نشيد تقول كلماته :» من بيت لبيت من شبر لشبر فى الدار والغيط واقفه لهم مصر مش مش هنسلم وإحنا طريقنا النصر»، وغنت نجاة على «قسما بشعبك بورسعيد» شعر محمد التهامى لحن عزت الجاهلى، وغنت المجموعة «فى بور سعيد» شعر أحمد حلمى لحن خليل المصرى، وغنى كارم محمد «يارتنى من بورسعيد أن عشت اسمى بطل وان مت اسمى شهيد» كلمات إسماعيل الحبروك لحن زكريا أحمد، وغنت مديحة عبد الحليم «كفاح بورسعيد» كلمات امام الصفطاوى لحن يوسف شوقى .


أما الأغنية التى بقيت فى الذاكرة من بين هذه الأعمال خرجت لم تخرج فى قالب نشيد حماسى بل فى طقطوقة شعبية عذبه كتبها إسماعيل الحبروك ولحنها محمد الموجى وغنتها شادية بعد انسحاب القوات المعتدية تقول:”أمانة عليك أمانة يا مسافر بورسعيد أمانة عليك أمانة لتبوس لى كل إيد حاربت فى بورسعيد».


كان للأم دور فى غناء المعركة غنت أحلام من كلمات عبد الفتاح مصطفى ولحن أحمد صدقى “ندراك لليوم ده يا ولدى تحمينى وتحرس بلدى / سافر مع ألف سلامة يوم ما أوفى الندر ده عيد/ ياشوفك هنا بكرامة يا تروح الجنة شهيد»، وغنت سعاد مكاوى من كلمات إبراهيم رجب ولحن عبد العظيم محمد «يافرحتى بولدى شال السلاح فى ايديه/ والعزم كان فى عنية /ينطق ويتكلم / وفى بورسعيد بلدى داس الحديد والنار/ وبعزمة الأحرار حارب ولا سلم “، وكانت مجلة «صباح الخير» نشرت خبرا وقتها يقول أن ام كلثوم تستعد لتسجيل أغنية عنوانها «أم الشهيد» من شعر صلاح جاهين ولحن كمال الطويل غير أنه لم تخرج أغنية بهذا المضمون إلى النور بكل اسف .


دع سمائى والله اكبر فوق كيد المعتدي


كانت المطربة الراحلة فايدة كامل مع المطربة اللبنانية نجاح سلام أكثر من قدم أعمالا وأناشيدا خلال المعركة وكان نشيد «دع سمائي» هو درة التاج لأغانى العدوان الثلاثى مع نشيد «الله اكبر فوق كيد المعتدي»، النشيد الأول عثرت عليه فايدة كامل فى ديوان للشاعر كمال عبد الحليم الذى كان زميلا لها فى جامعة القاهرة فى كلية الحقوق، كان قصيدة اسمها «كوريا» كتبها عن الحرب الكورية مطلع خمسينات القرن الماضى وكان يبدأ ببيت :» هذه أرضى أنا وأبى ضحى هنا وأبى قال لنا مزقوا أعداءنا»، وأخذت فايدة كامل تبحث عن الشاعر حتى التقته صدفه فى كشك مدبولى فى ميدان طلعت حرب وهى فى طريقها لمبنى الإذاعة القريب، فأخذته من يده إلى مكتب محمد حسن الشجاعى وهناك كلف على إسماعيل بتلحين النشيد وبطلب من الشجاعى قام الشاعر بإضافة الأبيات الأولى إلى القصيدة التى تقول :» دع سمائى فسمائى محرقة/ دع قنالى فمياهى مغرقة/ واحذر الأرض فأرضى صاعقة»، حسب ماذكر الشاعر مصطفى عبد الرحمن فى كتابه «أناشيد لها تاريخ»، ليخد هذا النشيد ذكرى العدوان الثلاثى ويصبح عنوانا للمعركة .


اما نشيد «الله اكبر» فجاءت فكرته كما روى ملحنه محمود الشريف، أنه كان يسكن وقت العدوان فى المنيل وشاهد من شرفه منزله نارا تبدو كالجحيم آتيه من خلف جبل المقطم ناجمة عن غارات للطائرات العدو، ووجد يدية تنقر على البيانو وهو يردد كلمات «الله اكبر على العدو المعتدي/ الله اكبر يابلادى كبري/ قولوا معى الله الله اكبر» لتخرج الكلمات مع لحنها من وجدانه، واتصل فورا بصديقه الشاعر عبد الله شمس الدين واملا عليه كاتبه وطلب منه استكمال النشيد، وعاد شمس الدين واملاه ما كتبه فى اليوم التالي، وشرع الشريف فى تلحينه وذهب من فوره إلى محمد حسن الشجاعى مع الموزع عطية شرارة واعطاه النشيد/ فقال له الشجاعى “روح سجل فورا”، لكن الشريف لم يجد اى مطرب ليغنيه لأن الجميع كان منشغلا بتسجيل أعمال، فأخذ يجوب مكاتب وأروقة الإذاعة وكلما وجد منشدا من أعضاء كورس الإذاعة اصطحبه معه وكون كورسا صغيرا وخلال البروفات كان سعاة الإذاعة يسمعون هتاف الله اكبر فيذهبون إلى الاستديو فيطلب منهم الشريف الانضمام إلى أفراد الكورس لغناء النشيد معهم وهكذا خرج هذا النشيد العظيم إلى النور .


أغانى النصر وعودة السلام


خلدت الأغنية الوطنية فى العدوان تلاحم الجيش والشعب فى الدفاع عن الوطن ودحر المعتدين، لعل أشهر هذه الأغانى كانت أغنية عبد الحليم حافظ الذى لم يتمكن من المشاركة فى المعركة غنائيا لوجوده وقتها خارج مصر فى الكويت، ولما عاد سجل أغنيته « الله يا بلدنا الله على جيشك والشعب معاه» من كلمات أنور عبد الله ولحن محمد عبد الوهاب، وغنت نجاة الصغيرة «بلادنا انتصرت شعبا وجيشا» شعر كمال عبد الحليم لحن عبد الحميد عبد الرحمن، وقدمت المطربة أحلام قصيدة «مصر تخاطب جيشها « شعر مصطفى عبد الرحمن لحن أحمد حسن، وغنت المطربة شهرزاد «الشعب ويا الجيش» تأليف حيرم الغمراوى لحن على فراج، ومن شعر محمود حسن إسماعيل ولحن حسين جنيد غنت المجموعة قصيدة «جيش وشعب».


فى الثانى والعشرين من ديسمبر تمت عمليه انسحاب القوات المعتدية من منطقة القناة واعتبر اليوم التالى الثالث والعشرين من ديسمبر ١٩٥٦ عيدا للنصر وعيدا قوميا لمحافظة بورسعيد ، من اشهر الأعمال التى خرجت فرحة بانتصار مصرفى معركتها، أغنية نجاح سلام «اليوم يوم النصر» تقول كلماتها :» اليوم يوم النصر عصرنا قلب الاعدا عصر/ فجر جديد وعهد جديد وكل العرب تأيد مصر / عبد الناصر ياجمال للغرب بتعطى امثال / قالوا السد العالى زال قلن أممنا القنال» من الحان عفيف رضوان وفى مصادر اخرى محمد سلمان، وصورت نجاح الأغنية فى فيلم «الكمساريات الفاتنات» عام ١٩٥٧ من اخراج حسن الصيفى .


ولحن وغنى محمد عبد الوهاب “يا إلهى انتصرنا بقدرتك» من كلمات حسين السيد، وكان قبلها قدم أغنية «يابلادى إحنا خلاص على وش نهار» من كلمات عباس أحمد، وقدم أيضا « تحت القنابل وفوق البارود»، وقدم عبد الحليم حافظ قصيدة «أنى ملكت فى يدى زمامى وانتصر النور على الظلام / وهتفت حمامة السلام إنى ملكت فى يدى زمامي» شعر مأمون الشناوى لحن كمال الطويل عبد الحليم عاد وغنى فى عيد النصر فى العام التالى أغنية «تحت راية بورسعيد» كلمات عبد الفتاح مصطفى لحن محمد الموجى، وغنت المجموعة «أهتفى يامصر» تأليف وتلحين مدحت عاصم، وغنت المجموعة أيضا «انتصرنا انتصرنا» تلحين مرسى الحريرى، وقدم محمود شكوكو منولوج « الانسحاب» تأليف ابن النيل تلحين محمود الشريف .


حمامة السلام حلقت فوق أكثر من جنجرة غنت نجاة الصغيرة «حمام النيل» كلمات كمال منصور لحن محمود الشريف الذى قدم أغنية أخرى بديعة للمطربة أحلام من شعر صلاح جاهين هى “ياحمام البر سقف”، ولحن السنباطى من كلمات حيرم الغمراوى وغناء المجموعة «حوم ياحمام»، وقدمت المطربة المجاهدة فايدة كامل أغنية “عاد السلام يانيل “ كلمات حيرم الغمراوى ولحن محمود الشريف، واخيرا وليس آخرا بالتأكيد غنت كوكب الشرق « صوت السلام هو اللى ساد واللى حكم “ من كلمات بيرم التونسى لحن رياض السنباطى، وقول فيها :» تلات أمم يا بورسعيد متقسمة / بدبابات وطيارات تملا السما / الأولة داخلة البلاد مستعمرة /والتانية بعد الانكسار متجبرة /والتالتة على العرب متأجرة / هدموا البيوت قتلوا النفوس/ وإنما إحنا هزمنا عزهم فى الشرق كله ومجدهم».


أما آخر أغنية قدمت عن العدوان الثلاثى، كتبها عبد الرحمن الأبنودى وخرجت إلى النور بعد كتابتها بنحو عشرة أعوام وهى “الفنارة”، التى لحنها عبد العظيم محمد وغناها عبد الحليم حافظ فى عيد الجلاء عام ١٩٦٦ تختصر الأغنية فى صورة تعبيرية حكاية العدوان وقيامة بورسعيد من بعد العدوان، تقول كلماتها: «يافنارة لفى المينا خلى السفينة تعدي/ وإن سألوكى البحارة اتعاجبى واقفى وردي/ دى كنالنا ودى أراضينا / اتفضل شوف يا أخينا/ لفى ووريه يافنارة/ ياسفاين فوتى فوتى فى كنالنا الحرة الرايقة / ولو أن الدم الأحمر على خد الموجة الزرقة / والليل والنار والغارة وعيال الناس فى الحارة/ وبنية بتبقى يتيمة وعمارة بتبقى حجارة / لو واحد من البحارة / عايز يعرف لفى ووريه يافنارة / فى مكان القنابل بتميل السنابل/ فى مكان الزوابع بتدور المصانع / بنعلى المبانى ونغنى الأغانى / قتلوا الشمس مرة وجينا الشمس تانى / خلى البحار يملا عيونه من نور بلدي/ خلى البحار يفرد صدره لنسمة بلدي/ ويشوف الضحكة فى عين ولدى / الضحكة شوارع مرصوفة أنا ضحكة ابنى موصوفة”.