١٩٥٦: من يذكر تلك الأيام ؟!

26/10/2016 - 10:44:49

  فرنسا شاركت فى العدوان الثلاثى لمعاقبة مصر على دعمها للثورة الجزائرية فرنسا شاركت فى العدوان الثلاثى لمعاقبة مصر على دعمها للثورة الجزائرية

بقلم: يوسف القعيد

كنت فى الثانية عشرة من عمرى، عندما وقع العدوان الثلاثى الغادر على مصر. وعندما أكتب هذا الكلام الآن بعد كل هذه السنوات. أحاول العودة إلى ذلك الزمن القديم جداً. لأن مشكلة الكتابة عن الماضى بعد أن تمر عليه فترة من الوقت. أن الإنسان يضيف إليه وعى الحاضر. فلا يبقى الماضى ماضياً. لكنه يصبح ماضيا معاصرا. أنا الآن أبذل محاولة شديدة الصعوبة أن أعود إلى الوراء كل هذه السنوات التى مرت وأدون بالوعى الذى كان موجوداً لحظتها.


كنت فى قريتى. وفى القرية كان الراديو هو سيد الأذن المصرية. ولم يكن قد انتشر مثل هذه الأيام. كان فى قريتنا راديو وحيد فى دوار العمدة. وكان يعمل بالبطارية القديمة التى عاصرناها بعد ذلك ورأيناها فى السيارات. كانت بطارية أكبر بكثير. وكان يتم شحنها فى البندر القريب. حيث يحملها شخص يركب حماراً ويذهب إلى هناك لشحن البطارية والعودة بها. ولم تكن بطارية جافة مثل البطاريات التى رأيناها بعد ذلك. ولكنها كانت بطارية سائلة.


من كان يريد أن يسمع الراديو، عليه أن يذهب بالقرب من دوار العمدة. كنا أطفالاً ولم يكن من حقنا الاقتراب من باب الدوار. ولا حتى من شباكه البحرى المطل على مدخل البلد. لذلك كان الليل أكثر أماناً من أجل الاستماع للراديو. هذا الكائن الغريب الذى غزا قريتنا وحول حياتها بين يوم وليلة. لأن الليل يأتى بظلامه الدامس، ولم تكن إضاءة القرية قد وصلت إلينا بعد بناء السد العالى. أما النهار، فضوؤه يفضح الإنسان. لذلك ما أقل الأوقات التى استمعنا فيها إلى هذا الكائن الفريد الذى اسمه الراديو.


تبقى المارشات العسكرية والبيانات الصادرة من القاهرة هى ما وصلنا من المعركة فى بور سعيد. جرت هذه المعركة فى جو سياسى لم نعشه بعدها. حتى مع الانتصارات الكبرى التى جاءت بعد ذلك. كانت بور سعيد هى المعركة السياسية والعسكرية الأولى لثوار يوليو فى مواجهة ثلاثى إنجلترا، فرنسا، وتابعهما العدو الإسرائيلى.


ما زلت أذكر الأوصاف الهادرة التى استمعنا إليها بعد ذلك من أحمد سعيد فى إذاعة صوت العرب. التى انصبت على العدو الإسرائيلى، حيث وصفه برأس كوبرى الاستعمار والطابور الخامس، والعدو الحقيقى الذى يكمن بيننا. علماً بأنه جزء من الأعداء الكبار. الاستعماريون القدامى الذين رحلوا ولم يرحلوا. رحلوا من مصر وظلوا فى بعض الأقطار العربية يقاومون الرحيل عنها.


بالنسبة لمشاركة فرنسا فى العدوان على مصر. كان هناك سبب يخصها. سمعته يقال وقتها. وإن كان بدرجة أقل من أخبار القتال. كانت ثورة الجزائر قد انطلقت وقرر عبد الناصر أن يقف مع الثوار فى مواجهة الاستعمار الفرنسى.


صدرت بعد ذلك كتب كثيرة عن الدور المصرى العظيم فى نصرة ثورة الجزائر. وهى مذكرات كتبها ضباط عظام فى المخابرات العامة المصرية - التى كانت وليدة فى ذلك الوقت – عندما ذهبوا بالأسلحة والذخيرة والعتاد لمساعدة ثوار الجزائر.


رأت فرنسا أن وقوف مصر مع ثوار الجزائر ضدها موقف لا بد أن يكون له رد فعل أو تأديب ما. ولذلك – ولأسباب أخرى كثيرة متداخلة – كانت جزءاً من العدوان الثلاثى على مصر الذى هزمته مصر عسكرياً وسياسياً. وإن كنا فيما بعد قد قررنا حرمان مصر من الانتصار العسكرى. والاكتفاء بالانتصار السياسى.


هذه المجموعات التى تناصب روح مصر العداء موجودة فى كل زمان ومكان. وقد نال بور سعيد وأمجادها قدر كبير من هذا الدور الذى ما زال مستمراً حتى الآن. قالوا إن بور سعيد انتصار سياسى وهزيمة عسكرية. وتسلل هذا الكلام إلينا عبر إذاعات معادية ومضادة، عرفت فيما بعد أنها كانت تبث من مكان ما فى أوربا.


ومن الشائعات المضادة التى قيلت فى قريتنا وقتها أن بعض المواطنين حاولوا دخول بور سعيد للمشاركة فى القتال. ولم يكن الطريق أمامهم سهلاً. ولم تكن مشاركتهم ممكنة. لأن الحروب تقوم بها الجيوش النظامية فى مواجهة الجيوش النظامية. وهو كلام توسع جرحى الثورة فى ترديده. وكانت هناك حكايات كثيرة. لم أكن أملك سوى الاستماع لها.


لكن بعد ذلك وبعد أن انفض غبار المعركة، سمعنا كثيرا من الحكايات – التى لا أول لها ولا آخر – عن المشاركة الشعبية فى المعركة ضد العدوان الثلاثى. وأن الجماهير زحفت إلى بور سعيد من كل الاتجاهات. وصلت إليها براً. ومن خلال البحيرات التى تحيط بور سعيد، وكانت مسلحة، ولعبت دوراً أساسياً فى هزيمة العدوان. وهذه الحكاية أكدت لى بعد ذلك أن جرحى الثورة لم يكونوا موتى الثورة. وأن جراحهم لم تمنعهم من العمل ضد الثورة. من يومها وربما حتى الآن.


الأغانى الجميلة والمذهلة التى غناها المطربون عن معركة بور سعيد، ربما تمت بعد المعركة. وما زلت أذكر أغنية الجميلة شادية:


- أمانة عليك أمانة/ يا مسافر بور سعيد/ تبوسلى كل إيد/ دافعت عن بور سعيد.


وغيرها كثير من الأغانى البديعة التى بدأ العمل فيها وتسجيلها خلال المعركة. وخرجت للدنيا فى الأيام الأخيرة منها. ثم أصبحت علامة من علامات الروح المصرية المناضلة فيما بعد. وحتى سبعينيات القرن الماضى عندما حكم مصر من ساروا على طريق عبد الناصر، ولكن بأستيكة لمحو كل منجزات عبد الناصر العظيمة. ومن ضمنها معركة بور سعيد الكبرى.


لا أجدنى فى حاجة للتذكير بمعركة بناء السد العالى. وبقرض البنك الدولى. ويمكن لمن يريد أن يجد تفاصيل هذه المعركة أن يعود لكتابات المؤرخين والأعمال الأدبية والفنية المكتوبة عن المعركة، التى نشرت وما زالت تنشر. وقد فاجأنى الدكتور هيثم الحاج على، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الأسبوع الماضى عندما قدم لى رواية لعباس أحمد، عن معركة بور سعيد. يشترك فيها النص الروائى مع اليوميات لتحاول استعادة ما جرى فى تلك الأيام.


الغناء المصرى كان فى مقدمة تسجيل ما جرى. من خلال فنٍ راقٍ جميل. ومن يستمع لأغنية عبد الحليم حافظ: حكاية شعب. التى غنى فيها:


- راح على البنك اللى بيساعد ويدى/ قالوا حاسب/ قالوا مالكمش عندى.


ويكمل عبد الحليم حافظ حكاية شعب مصر العظيم. التى استلهمها واستوحاها جمال عبد الناصر فى قراره الذى يعلو كثيراً على أن يقال عنه قرار تاريخى. فهو أكبر من التاريخ. وصانع التاريخ. وملهم التاريخ. ومبدع التاريخ:


- كانت الصرخة القوية/ من ميدان فى إسكندرية/ صرخة أطلقها جمال/ إحنا أممنا القنال/ ضربة كانت من معلم/ خلى الاستعمار يبلم/ والحصار الاقتصادى.


أرجو من الأجيال الطالعة أن تصدق أننى كتبت هذه الأغانى من الذاكرة بعد كل هذه السنوات، وأرجو من الأجيال القديمة والمتوسطة والطالعة أن تقارن بين ما يجرى مع مصر اليوم وما جرى معها فى ١٩٥٦، لأن التاريخ يعيد نفسه، صحيح أنه لا يعيدها بنفس التفاصيل الصغيرة التى جرت من قبل، لكنه الحصار الذى كان والحصار الذى أتوقع أن يأتى مع قادم الأيام.


على أن العدوان الثلاثى دخل تاريخ مصر والوطن العربى والأمة الإسلامية وربما العالم الثالث تحت مسمى بور سعيد. والمعركة سميت بمعركة بور سعيد. والانتصار كان انتصار بور سعيد، الذى لخص انتصار المصريين جميعاً، وبور سعيد مدينة تقع عند شمال قناة السويس، عند التقائها بالبحر الأبيض المتوسط. وحملت اسم سعيد باشا، أحد أنجال محمد على، والذى بدأ المفاوضات مع ديليسبس لحفر قناة السويس.


ورغم المسمى القديم الذى يحمل اسم أحد أنجال محمد على باشا، إلا أن المدينة تكتسب تاريخ ميلاد جديد لها وهو العدوان الثلاثى عليها. وأول ما فكرنا فيه فى قريتى كان أبناء القرية الذين رحلوا إلى بور سعيد تذكرناهم لحظتها، وتساءلنا عن مصائرهم، وتوقعنا عودتهم للقرية.


كانت وسائل التواصل شبه نادرة. فضلاً عن أن تعبير وسائل التواصل حديث للغاية، عرفناه مؤخراً جداً. لم يكن فى قريتنا سوى تليفون دوار العمدة، وهو تليفون حكومى يتصل مباشرة بالنقطة الثابتة ثم المركز وأخيراً مديرية الأمن فى دمنهور. من باب الدقة أقول أنه كان هناك تليفون وحيد فى دوار عائلة أخرى غنية. وكان يتبع تليفونات كفر الزيات. رغم أن قريتى تتبع مركز إيتاى البارود. إلا أن كفر الزيات كانت أقرب إلينا – مكانياً – من إيتاى البارود.


لذلك كان الاطمئنان على أبناء القرية الذين تغربوا يتم بوسائل شديدة البدائية. فاغتراب المصريين عن قراهم قديم. وعندما أستعيد حكايات الاغتراب أجدها تعود إلى حفر قناة السويس فى القرن التاسع عشر. عندما كانوا يأخذون الفلاحين وقت الفجر وهم فى الطريق إلى المساجد لتأدية صلاة الفجر. وربما كان موضوع الاغتراب والغربة عن القرية النبتة الأولى التى خرجت منها روايتى – اللاحقة – وجع البعاد.


على أن بور سعيد حكاية أخرى. فمع تقدم الزمن وبينما كنا نغنى كل عام لبور سعيد، ونتذكر مجد الأيام الماضية. إذ بسنوات الانفتاح الاقتصادى الذى أطل على مصر بعد حرب السادس من أكتوبر. وكانت المرة الأولى بالتاريخ التى يخرج من رحم حرب تحرير كبرى، ما سمى بعد ذلك بالانفتاح الاقتصادى.


جرح الانفتاح أصاب مصر كلها. لكن قلب مصر الذى سال دماً بسبب الانفتاح كان مدينة بور سعيد. سافرت إليها ضمن من سافروا. وعدت يرن فى خاطرى إحساس بأن مصر تطل على زمن إن دخلته لن تستطيع الخروج منه أبداً. وإن قُدِّر لها الخروج. فستكون الخسائر غير عادية، بل وربما مخيفة.


التهم الزمن الانفتاحى الأمجاد القديمة. وأصبحت بور سعيد مدينة رمزاً لفكرة الانفتاح الاقتصادى، التى أطلق عليها أحمد بهاء الدين – وهو من أندر أصحاب الأقلام فى تاريخ الكتابة الصحفية المصرية – الانفتاح «سداح مداح». وكانت المدينة الباسلة التى ضحت فى زمن عبد الناصر العظيم، هى نفسها المدينة التى دفعت الثمن غالياً في حكم من جاءوا بعده.


أخشى أن تكون هناك رغبة فى الانتقام من بور سعيد. بدأت منتصف سبعينيات القرن الماضى. وأن يدفعوا ثمن ما أقدموا عليه من بطولات باسم مصر كلها من قبل. فالمدينة تعانى من قدر يعاندها. مع أنها يمكن أن تكون بوابة مصر إلى العالم. عندما عدت لأوراقى أبحث عن أية أوراق تنتمى لسنة ١٩٥٦، فوجئت بوثيقة تخص نجيب محفوظ، عبارة عن التقرير السرى المقدم عنه فى سنة ١٩٥٦، حصلت عليها من المخرج التسجيلى الجميل: هاشم النحاس. وكان قد حصل على ملف خدمة نجيب محفوظ منه، عندما قدم أول فيلم تسجيلى عن نجيب محفوظ.


لا يربط بين الوثيقة وبين ما كتبت من قبل سوى السنة وحدها. وهكذا يفاجئنا التاريخ بأمور ما كنا نتصور أنها يمكن أن تجتمع معاً. لكن سنة ١٩٥٦ قدمت لنا الكثير من المفاجآت. ولعل إحداها هذا التقرير السرى المقدم عن الموظف: نجيب محفوظ. عندما طالعته أحسست أننى أعود لـ ١٩٥٦، ولكن من طريق آخر. وإن كان يكشف الكثير عن معدن شعب مصر العظيم.