١٠٠ فنان يتظاهرون فى عابدين ضد العدوان الثلاثى ورمسيس يونان يستقيل

26/10/2016 - 10:42:51

بقلم: أسامة عفيفى

كلما حلت ذكرى تأميم القناة والعدوان الثلاثى تحشد الإذاعات والقنوات التلفزيونية الشهود الأحياء للحديث عن الملحمة والزخم الشعبي الذي صنعها وصاحبها، والملحمة الفنية التي تشكلت من رحم المعركة، وكذلك الفنانون والكُتاب والشعراء الذين توافدوا على الإذاعة لتسجيل أغانيهم ليصنعوا الملحمة الفنية التي صاغها نجوم الغناء في ذلك العصر كأم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي ومحمود الشريف وفريد وعبد الحليم ونجاة وشادية وصباح ومحمد فوزي وأحمد صدقي صلاح جاهين ومرسي جميل عزيز وحسين السيد وأحمد شفيق كامل وغيرهم وغيرهم ، جنباً إلى جنب المسرحيين والسينمائيين لينتجوا أكبر وأهم ملحمة فنية في تاريخنا الحديث، ورغم أهمية ذلك وضرورة التذكير به للحفاظ على الذاكرة الوطنية لا يلتفت أحد للدور الذي قام به الفنانون التشكيليون في المعركة ولا إسهامهم الفذ في نسج ملحمة مواجهة العدوان، لدرجة أن البعض قد يتصور أن التشكيليين المصريين لم يلتحموا بشعبهم ولم يكن لهم دور بالمرة.


وسبب ذلك في رأي أن هناك تهميشا متعمدا للفنون التشكيلية في حياتنا الثقافيه تبدأ من الصورة الذهنية النمطية للفنان التشكيلي التي رسختها بعض الأفلام الهابطة والتي يظهر فيها الفنان منكوش الشعر رث الثياب وكأنه ملتاث عقليا.


فضلا عن إهمال النقاد وكتاب الفن والمؤسسات الثقافية الرسمية وكليات الفنون لتوثيق تاريخنا الفني وتسجيله، لدرجة أن الباحث لا يستطيع التعرف على هذا التاريخ ناصع الوطنية كاملا في كتاب أو حتي في عدة كتب اللهم إلا إشارات مبثوثة في هذا الكتاب أو ذاك لا تسمن ولا تغني من جوع, ولقد اضطررت للرجوع إلى الدوريات والصحف التي واكبت الحدث في حينه كي أحصل على القليل جدا من تفاصيل هذا الدور المجهول والمعتم عليه في معركة التأميم حتي متاحفنا الفنية لا تبرز لوحات الرواد التي رسموها عن المعركة ولا توجد على شبكة الإنترنت أي معلومات عنها أو صور لها, رغم وجود الكثير منها في المخازن.


ولم تعرض في معرض جماعي استعادي في المناسبات القومية ليراها أبناء الجيل الجديد ليتعرفوا على آبائهم الفنانين وإلى أي مدي كانوا مرتبطين بنبض شعبهم ومعاركه، وللأمانة التاريخية نظمت وزارة الثقافة معرضا واحدا أشرف على تنظيمه الفنان والناقد الراحل أحمد فؤاد سليم في الاحتفال بمرور نصف قرن على ثورة يوليو وضم لوحات الرواد المواكبة للثورة منذ قيامها وحتي حرب أكتوبر وبالتالي خرجت من المخازن كنوز فنية رأيناها للمرة الأولي ومن بينها طبعا لوحات الفنانين التي رسمت في مواجهة العدوان الثلاثي لتدخل المخازن مرة أخري ويعود المتحف لإبراز لوحات العدميين والسورياليين والتجريديين وكأنها هي ميراث التشكيل المصري الوحيد.


ولعل من أهم المواقف الفنية الوطنية في مواجهة العدوان الثلاثي موقف الفنان رميسيس يونان الذي رفض العدوان وهو في باريس وأدانه في الصحف الفرنسية وتصادم مع إدارة الإذاعة الفرنسية التي كان يعمل بها ليقدم استقالته التي لم تقبلها الإدارة لتقوم بفصله هي بأسلوب غير متحضر، ورغم أن رمسيس يونان كان معارضا لعبد الناصر وثورة يوليو إلا أنه رفض أن يقيم في بلد يحارب بلده، وقرر أن يعود للوطن رغم أن أصدقاءه نصحوه أن ينتقل إلى اسبانيا أو إيطاليا، لكنه أصرّ أن يعود إلى مصر ليشارك شعبه في التصدي للعدوان رغم ما قد يتعرض له من احتمال اعتقاله كمعارض للنظام.


وعند عودته كلف عبد الناصر فتحي رضوان وزير الإرشاد القومي آنذاك أن يعين فورا في عمل دائم تكريما له وتقديرا لموقفه الوطني فتم تعيينه في مصلحة الاستعلامات كمترجم، ثم عينه بعد ذلك يوسف السباعي كمستشار فني في اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا ليحصل بعد ذلك على منحة التفرغ وبعيدا عن تفاصيل هذا الحدث الذي تعرض للكثير من التزوير والتأويل، إلا أن موقف رمسيس يونان هذا كان له صداه على مستوي العالم لأن الرجل كان معروفا على المستوى الدولي كعضو في السريالية العالمية والدولية الاشتراكية وصديق شخصي لسارتر وكامو وألبير قصيري وأراجون وسنجور وسلفادور دالي وجاكومتي وبيكاسو وميرو وبول كلي وفناني أمريكا اللاتينية وغيرهم من كبار فناني العالم الأحرار الذين نبهتهم استقالته لخطورة المنهج الاستعماري الذي تنتهجه دول العدان على مصر.


ورغم أن استقالة رمسيس يونان لم تكن الوحيدة، حيث استقال أيضا عدد من العاملين في الـ”بي بي سي” على رأسهم الفنان الراحل محمود مرسي الذي كان يعمل مخرجا إذاعيا هناك، إلا أن استقالة رمسيس بالذات كان لها صداها العالمي لشهرته الدولية كما أسلفت.


وإذا كانت لاستقالته صدي خارجي مهم، فلقد كان لموقف التشكيليين المصري من العدوان صدي شعبي وداخلي أهم.


فكما توافد المطربون والملحنون والمخرجون والكُتاب على الإذاعة والمسرح واستديوهات السينما ليواجهوا بفنونهم العدوان، توافد الفنانون التشكيليون على أتيليه القاهرة الذي كان يرأس مجلس إدارته المعماري والموسيقي أبو بكر خيرت ويضم في مجلس إدارته راغب عياد ومحمد صدقي الجباخنجي... اجتمع عدد ضخم من التشكيليين وتناقشوا جميعا في الدور الذي ينبغي أن يقوم به الفنانون، واقترح كمال الملاخ أن ينظم معرضا كبيرا في ميدان عابدين في سرادق ضخم قريبا من سكان الأحياء الشعبية كالناصرية والسيدة وباب الخلق، واقترح جمال السجيني أن ينظم معرضين، واحد في الأتيليه، والآخر في سرادق عابدين وينطلق الفنانون المشاركون من الأتيليه في مسيرة بعد افتتاح معرض الأتيليه وهم يعلقون لوحاتهم على صدورهم لافتتاح معرض عابدين وبعد ذلك يعلقون لوحاتهم التي كانت على صدورهم على واجهات محلات المنطقة وفتارينها من وسط البلد حتي محلات عابدين على أن تدعي وكالات الأنباء العالمية لتسجيل الحدث ويؤكد رشدي إسكندر في كتابه «٥٠ سنة من الفن» أن الأتيليه واجه مشكلة في تمويل تكاليف نصب سرادق عابدين فتقدم المعلم محمد أحمد فؤاد صاحب أحد مقاهي عابدين والشهير باسم الباشا القهوجي ليعلن تحمله نفقات السرادق لمدة ١٠ أيام والمعروف أن الباشا القهوجي كان من ظرفاء عصره ومن أهم الزجالين الشعبيين رغم عدم إلمامه بالقراءة والكتابة وكان من المقربين لبيرم التونسي وزكريا أحمد.


وفي ٤ ديسمبر ١٩٥٦ افتتح معرض الأتيليه وخرجت مسيرة ضخمة تضم ١٠٠ فنان تشكيلي منهم جمال السجيني الذي ألقي بيانا في الأتيليه لوكالات الأنباء وتصدر المسير إلى عابدين راغب عياد ومحمد حسن وانجي أفلاطون وجاذبية سري والسجيني وبيكارو عبد الهادي الجزار وكمال الملاخ وأبو بكر خيرت والجباخنجي وحامد ندا وغيرهم، وكان الجميع يحملون لوحاتهم على صدورهم في مشهد جليل احتجاجا على بشاعة العدوان وعند وصولهم إلى عابدين تنافس أصحاب المحلات على عرض اللوحات والتماثيل في محلاتهم وقامت هيئة الاستعلامات بتسجيل المسيرة والمعرض في نشرة الجريدة الناطقة لتعرضه فيما بعد في جميع دور العرض وفي سفاراتنا ومراكزنا الثقافية بالخارج، ولا أدري أين هذا الفيلم الذي يعد وثيقة تاريخية وفنية غاية في الأهمية.


وبعد معرض عابدين بأيام افتتح خريجو الفنون الجميلة معرضهم في مقر الجمعية بشارع رمسيس الذي ضم أعمال طلاب الفنون الجميلة وعددا من الفنانين بلغوا ١٠٠ فنان يقدمون بلوحاتهم وإبداعاتهم موقفا فنيا ووطنيا ضد العدوان.


وبعده بأسبوع اتفق فنانو دار المساء للصحافة والنشر وعلي رأسهم طوغان ومصطفي حسين وحسن فؤاد والفنانون الصحفيون بالجريدة على تنظيم معرض لرسوماتهم في حديقة مسرح الأزبكية ضم لوحات لكبار فناني الرسم الصحفي آنذاك، واستمر لمدة شهر شاهده جمهور المسرح الذي كان يحتشد يوميا لمشاهدة العروض المجانية المناهضة للعدوان وكان أحمد حمروش مدير الفرقة قد فتح أبواب مسرح الأزبكية مجانا للجمهور ونظم حفلين “ماتنيه” يوميا بسبب الغارات الليلية عرض خلالهما عددا من المسرحيات التي تواجه العدوان منها «حياة الخيانة” لنعمان عاشور وإخراج نبيل الألفي و”صوت مصر” لأفريد فرج وإخراج حمدي غيث و”مش حانسلم” لمحمد عبد الرحمن خليل واخراج فتوح نشاطي.


شكلت المعارض الثلاثة حالة من الزخم الفني والحضور التشكيلي الوطني لرموز الفن التشكيلي المصري منذ بداية العدوان وارتبطت بالناس في الشارع والأحياء الشعبية محطمة سياج النخبوية الذي فرض على الحركة التشكيلية المصرية منذ بدايتها ليصبح الفن للشعب وفي قلب معارك الشعب، ورغم أهمية هذه المعارض مازالت خارج الذاكرة الثقافية المدونة وتحتاج إلى مزيد من الجهد العلمي والتاريخي لتوثيقها بصريا ومعلوماتيا وهو ماتحرض عليه تلك السطور لعل بعض الباحثين الوطنيين الشبان يتفرغ لتوثيقها توثيقا علميا يليق بجلالها ومكانتها الفنية في سياق تاريخنا الفني المعاصر, خصوصا أن مؤرخا كبيرا كرشدي اسكندر يري في تقديمه لمعرض سرادق عابدين: «أن معركة بورسعيد تعتبر نقطة تحول في تاريخ الفن في مصر لأنها المرة الأولي التي تشهد مصر قيام معرض يضم أعمالا فنية مهمة لفنانين مرموقين كبار بلغ عددهم ١٠٠ فنان في حي شعبي لكسر الحاجز بين الجماهير والفن التشكيلي.


الأهم في رأي كاتب هذه السطور هو أين هذه الأعمال وهل مازالت موجودة في متاحفنا؟ وأين فيلم الجريدة الناطقة الذي وثقها؟ ومتي نكتب تاريخنا الفني بأيدينا بدلا من ترهات الخواجات وسماسرة الفن متعددي الجنسية التي تفسر تاريخنا الفني على هواها ووفق أغراضها المريبة.


أسئلة كثيرة يثيرها هذا المعرض المجهول الذي واكب أهم معاركنا الوطنية، فما زالت الذاكرة البصرية لا تعرف فيما يخص قناة السويس سوي لوحتين، هما افتتاح القناة لمحمود سعيد وحفر القناة لعبد الهادي الجزار، فأين إبداعات المقاومة التي صاحبت تأميم القناة هذا هو السؤال!!!