رحل جمال قطب الذى شاهد العالم انتصار بورسعيد فى لوحاته

26/10/2016 - 10:41:34

بقلم: طارق سعدالدين

بعد تاريخ طويل وحافل بالإنجازات فى الرسم الصحفى، وأغلفة كتب كبار الأدباء العرب وعلى رأسهم نجيب محفوظ، ورسم البورتريه، واللوحات الملحمية، والنقد الفنى، وتدريس الفنون، وإنشاء المتاحف التى تخلد تراث بعض دول الخليج. رحل الأسبوع الماضى الفنان الكبير جمال قطب، المدير الفنى الأسبق لدار الهلال وأحد أشهر من رسموا أغلفة مجلاتها كالمصور والاثنين والكواكب والهلال وروايات الهلال من بداية الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات، وكانت رسوماته عن حربى ١٩٥٦- ١٩٧٣من أقوى وأصدق الأعمال الفنية تعبيراً عنها، حتى إن هيئة الاستعلامات كلفته بتسجيل معارك الثورة فى كتاب بعنوان (انتصار بورسعيد) تمت ترجمته إلى العديد من اللغات ليراها العالم.


فى إحدى القرى القريبة من طنطا ولد جمال قطب فى أول أكتوبر ١٩٣٠، اكتشف مدرسوه فى المدرسة الابتدائية موهبته فى الرسم فشجعوه، وعندما دخل مدرسة طنطا الثانوية، وجد فى مكتبتها أعداداً ضخمة من المجلات الأوربية والأمريكية التى تهتم بفن الغلاف والرسوم التى تصاحب الموضوعات، ومن خلال هذه المجلات عرف لأول مرة العالم السحرى لرسوم المجلات وأصبح يقضى ساعات طويلة فى تأملها.


شجعه مدرسو الرسم فى المدرسة على تنمية موهبته فقد كانوا من خريجى الفنون الجميلة ويمكنهم الحكم على الموهبة الحقيقية، ويعرفون كيف يوجهونها ويساعدونها على النمو والنضج، ناظر المدرسة من جانبه طلب منه أن يلتحق بالقسم الداخلى فى المدرسة بعدما عرف أنه يأتى مسافراً كل يوم من قرية بعيدة، وحتى يجد وقتاً لممارسة الرسم، كان أساتذته الحقيقيون فى هذه المرحلة هما «الأمريكى نورمان روكويل والإيطالى والتر مولينو» وذلك من خلال متابعته لأعمالهما التى تنشر فى المجلات العالمية، والتى كان يدخر المال لشرائها من على سور الأزبكية.


أنهى دراسته الثانوية بتفوق والتحق بكلية الهندسة قسم عمارة، ولكن الفن كان حبه وهوسه فترك الكلية قبل أن ينهى عامه الأول فيها، وذهب للاختبار فى كلية الفنون ونجح وكان أساتذته هم حسين بيكار والحسين فوزى وجمال السجينى، اختار الالتحاق بقسم الحفر لأن الحسين فوزى كان يرسم فى الصحافة وكان هذا عشقه، وفى قسم الحفر درس فن الغلاف والرسوم المصاحبة للكتابة أو الرسوم التوضيحية التى تحيل الدراما المقروءة إلى لوحات بصرية، دراسته لما يحبه وموهبته جعلاه الأول على دفعته فى كل سنوات الدراسة.


عندما كان يدرس فى السنة الأولى بكلية الفنون أعلنت دار الهلال عن مسابقة للرسامين للعمل فى مجلاتها، دخل المسابقة فكان ترتيبه الأول على المتقدمين وبعضهم كانوا من المعيدين بالكلية، ودخل عالم الصحافة مع أستاذيه الحسين فوزى وحسين بيكار، ورسم أغلفة (المصور) وعشر مجلات أخرى كانت تصدر عن دار الهلال، وبعد توقف الحسين فوزى عن الرسم أصبح هو رسام المؤسسة الأول.


عمله فى الصحافة ونجاحه لم ينسياه أساتذته الذين كانت أعمالهم التى رآها فى مكتبة مدرسة طنطا الثانوية لأول مرة سبب عشقه لعالم الرسم الصحفى السحرى، إنهما الأمريكى نورمان روكويل والإيطالى والتر مولينو فقرر شد الرحال والسفر إليهما ليتعلم منهما، فى أمريكا التقى روكويل، وكان أستاذاً للبورتريه، ورساماً للرؤساء والزعماء فتعلم منه تكنيك البورتريه، فلأنه كان يرسم الرؤساء المشغولين الذين ليس لديهم وقت، كان يرسم اسكتشات كثيرة ويختار من بينها أحسن زاوية، كانت مجلة (بوست) تحتكر أعماله، وفى نهاية كل عام يجمع كل رسوماته فى ألبوم واحد، ثم سافر جمال قطب إلى إيطاليا حيث أستاذه الثانى والتر مولينو، وكان مشهوراً برسم الأحداث الساخنة، وكان له تلاميذ كثيرون، تعلم جمال قطب منه الحركة فى اللوحة التى قد تصل إلى حد المأساة، ومن الأستاذين العالميين كون قطب أسلوبه الخاص الذى يمزج بين البورتريه القوى واللوحات الملحمية التى تسجل الحروب والأحداث الساخنة، وأصبحت الصحف والمجلات وأغلفة الكتب هى معرضه اليومى الذى يعرض فيه أعماله، والتى تحول الدراما المكتوبة إلى صور بصرية.


اختارته (دار مصر) ليكون مشرفاً فنياً لها، وكانت هىّ الدار التى تنشر أعمال كبار الأدباء والكتاب كنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، وأصبح هو أول من يقرأ كتابات هؤلاء الكتاب بخطهم ليرسم أغلفة كتبهم والرسوم الداخلية المعبرة عن القصص والروايات، وقد تعاقدت معه كبرى دور النشر اللبنانية ليرسم لها أغلفة كتبها ورسومها الداخلية.


ثقافة جمال قطب وتمكنه من التعبير بالعربية والإنجليزية مكناه من تأليف عدد من الكتب الموسوعية بلغة بسيطة قوية معبرة، وهذه الكتب هى (الفن والحرب)، (ملهمات المشاهير) الذى فاز بجائزة معرض القاهرة للكتاب عام ١٩٩٤، (روائع الفن العالمى)، كما سجل انتصارات الثورة المصرية ومعاركها لوحات ضمها كتاب (انتصار بورسعيد) الذى ترجمته الهيئة العامة للاستعلامات بعدة لغات ليوزع فى العالم كله.


قام بتدريس تاريخ الفن والتذوق الفنى فى كلية الفنون الجميلة ومعاهد أكاديمية الفنون فى مصر، كما درسها فى الجامعة القطرية التى عمل بها خبيراً فنياً، كما أسهم بكتاباته فى النقد الفنى وتاريخ الفن فى عدد من الصحف والمجلات العالمية والعربية كالهيرالد تريبيون الأمريكية، والحرس الوطنى السعودية والدوحة القطري، إلى جانب عدد من المجلات والصحف المصرية والعربية.


كما أسس متاحف لتراث وتاريخ كل من المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين والإمارات.