شهادة “ آنتونى ناتنج “ فى ذكرى العدوان الثلاثى على مصر ١٩٥٦

26/10/2016 - 10:35:57

  هكذا اتكلم معى أنتونى ناتنج هكذا اتكلم معى أنتونى ناتنج

بقلم: سناء السعيد

شهر أكتوبر الجارى يستدعى لنا ذكرى مرور ٦٠ عام على العدوان الثلاثى على مصر ١٩٥٦.. العدوان الذى لن ينساه أحد.. الحرب الملعونة التى شنتها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إثر قيام الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس فى ٢٦ يوليو ٥٦.


سيناريو العدوان رسمه الغرب المريض بالاتفاق مع الكيان الصهيونى.. ورسم المخطط على النحو التالى: إن تقوم إسرائيل بمهاجمة سيناء حتى إذا تصدى لها الجيش المصرى فعندئذ تقوم بريطانيا وفرنسا بالتدخل وإنزال قواتهما فى منطقة القناة ومحاصرة الجيش المصرى.. تم هذا بالفعل على أرض الواقع عندما هاجمت إسرائيل سيناء وتصدى لها الجيش المصرى. وعندها تدخلت بريطانيا وفرنسا بإصدار إنذار بوقف الحرب وانسحاب الجيش المصرى والإسرائيلى لمسافة عشرة كيلومتر من ضفتى القناة.. وكان هذا يعنى فقدان مصر لسيطرتها على القناة..


وعندما رفضت مصر تنفيذ ذلك قامت بريطانيا وفرنسا بإنزال قواتهما فى بورسعيد ومنطقة قناة السويس.. أما طوق الإنقاذ فجاء من الاتحاد السوفييتى، الذى أصدر إنذارا بضرب لندن وباريس وواشنطن وتل أبيب بالصواريخ الذرية.. وهنا أمرت أمريكا بريطانيا وفرنسا بالانسحاب الفورى.. وانتهت الحرب.. خرج عبدالناصر منتصرا سياسيا.. بيد أن العدوان الآثم حقق بعض أهدافه من خلال نشر قوات طوارئ دولية فى سيناء وإعادة فتح مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية.


كان العدوان الثلاثى على مصر نقطة تحول فى تاريخ منطقة الشرق الأوسط.. إذ أنهى قبضة الاستعمار الفرنسى البريطانى على المنطقة، وفتح المجال أمام أمريكا والاتحاد السوفييتى للدخول فيها كقوتين عظميين ليحققا مصالحهما الذاتية فى هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية بكنوزها المطمورة فى باطن أرضها وما يحيط بها من مياه دافئة، فضلا عن توسطها قلب العالم.. عوامل ثلاثة حركت العدوان ضد مصر، فبريطانيا كانت معبأة بالغضب بعد توقيع اتفاقية الجلاء بين ناصر، و”آنتونى ناتنج”وزير الدولة للشؤون الخارجية فى حكومة آنتونى إيدن.. وفى ١٨ يونيه ٥٦ غادر البلاد آخر جندى بريطانى قبل الميعاد الرسمى بخمسة أيام. وهى الاتفاقية التى حقق معها ناصر حلم عمره الذى جاهد من أجله.. بالإضافة إلى تأميم قناة السويس، الذى منع بريطانيا من التربح من القناة التى كانت تديرها قبل التأميم.. أما فرنسا فلقد اتهمت مصر بدعم الثورة الجزائرية ورأت بأنه إذا انهار نظام الحكم فى مصر فإن النصر فى الجزائر سيكون حليف فرنسا.. لا سيما أنه عندما جاء وزير خارجيتها إلى القاهرة وحاول إقناع ناصر بالتوقف عن تأييد الثورة الجزائرية.. ناصر رد عليه قائلا: (إن معنى هذا أن أتخلى عن قوميتى العربية).. أما إسرائيل فكانت تريد انتزاع الطرف الجنوبى لشبه جزيرة سيناء. ومن ثم بدأ عدوانها على سيناء بعد ظهر يوم ٢٩ أكتوبر ٥٦ تبعه تدخل المحور البريطانى الفرنسى تحت زعم حماية المرفق الدولى من أخطار الحرب المشتعلة. وانتهى القتال بعد منتصف ليلة ٦ / ٧ نوفمبر لصدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النيران ورضوخ كافة الأطراف المتحاربة له.


ذكرى العدوان الثلاثى الغاشم تستدعى لى اليوم آنتونى ناتنج، وهو أحد الشخصيات السياسية البارزة، التى لعبت دورا هاما فى السياسة البريطانية. كان سياسيا صاعدا وشغل منصب وزير الدولة للشئون الخارجية فى حكومة أنتونى إيدن. بيد أنه استقال من منصبه احتجاجا على تورط بلاده فى العدوان الثلاثى على مصر ٥٦. وفى لقائى معه فى لندن عام ٧٧ حدثنى عن هذه الحرب، التى أطلق عليها وصف المؤامرة السرية، التى جمعت بين “أنتونى إيدن” رئيس الوزراء البريطانى، و”جى موليه” رئيس وزراء فرنسا، و”ديفيد بن جوريون” رئيس وزراء إسرائيل.. ثم عرج بالحديث عن عبدالناصر الزعيم البطل الذى رأى فيه تجسيدا للكرامة والعزة والوطنية.. ولهذا أثار إعجابه. وازداد إعجابا به عندما اقترب منه وجمعت بينهما صداقة حميمة بدأت منذ ٥٤ وحتى وفاة ناصر فى مطلع السبعينيات.. ولهذا وثق “ناتنج” إعجابه بعبدالناصر فى كتابه “ناصر” الذى يعد أهم الكتب الموضوعية، التى تحدثت عن الرئيس البطل، وفيه تناول سيرة زعيم تجاوز تأثيره حدود بلاده.


يحدثنى “ناتنج” باعجاب عن شخصية ناصر الكارزمية الرائعة فيقول: (كان ناصر رجلا فذا خلق إحساسا بالكرامة والعزة والوطنية.. إنجازاته كثيرة منها بناء السد العالى ومنها قراره الحاسم الباتر بتأميم قناة السويس.. ويكفى أنه أحبط محاولة بريطانيا وفرنسا الرامية إلى القضاء عليه، وعلى ثورته وهو ماجعله بطلا قوميا لكل قومى عربى من المحيط إلى الخليج).. ويرى “ناتنج” أن حرب ٤٨ قد أقنعت ناصر بأن العرب لا يستطيعون تحقيق استقلالهم إلا بالوحدة، كما يرى أن ثورة يوليو بقيادته كانت حقيقية، ونجحت وبسرعة فى تغيير المجتمع نحو الأفضل.. عامل آخر يتطرق إليه “ناتنج” كان سببا فى إعجابه بشخص عبد الناصر إلا وهى قراراته الحازمة، ففى أثناء مفاوضات السد العالى وجد ناصر المماطلة فى الرد على اقتراحاته بشأن شروط البنك الدولى. وعندئذ رأى أنه إذا تراجع الأمريكيون عن تعهداتهم فى عرض تمويل السد العالى فإنه سوف يحصل على النقد الأجنبى اللازم لبناء السد بتأميم القناة وتحويل عائدها الضخم إلى الخزينة المصرية. ويردف “ناتنج” قائلا: (لقد عقد ناصر بذلك العزم على اتخاذ خطوة التأميم كجزء متمم لاسدال الستار على النفوذ الأجنبى الذى عانت مصر منه طويلا). نعم إنه قرار التأميم الذى نزل على “إيدن” كالصاعقة ومن ثم دفعه ليشارك فى العدوان الثلاثى الآثم حقدا على مصر.


تجلى لى نبل “ناتنج” الانسان الذى قلما نجد نموذجا مثله فى إلتزامه بالمبدأ وحرصه على الحفاظ على الصداقة حتى لو أدى هذا إلى التضحية بالمنصب.ولهذا شعرت بالحزن على رحيله فى فبراير ١٩٩٩. لقد عاش ممزقا بين الولاء للمبدأ والولاء للأصدقاء والمقربين.


ويأتى كتابه “نهاية درس” ليعرض فيه معارضته لأزمة السويس وهى المعارضة التى وضعته فى موقف محرج أمام مجلس العموم البريطانى. وفى عام ٦٩ منع من دخول إسرائيل بسبب خطاب كان قد ألقاه على الطلبة فى بيروت قال فيه: (أن مسألة فلسطين لا يمكن أن تحل إلا بالقوة، وأن الأمر متروك للفدائيين الفلسطينيين ليصلوا إلى حل). بل إن “إيدن” قال له بغضب: (لن أسمح لك بإغراق هذا البلد فى الحرب فقط من أجل تلبية المطالب المعادية لإسرائيل داخل وزارة الخارجية).


مواقفه القوية تستدعى له الانسان الذى بث فيه عدم الاستكانة والخضوع وحثه على إعلاء المبدأ إلا وهو “ونستون تشرشل” ويتذكر” ناتنج” عندما كان عضوا مستجدا فى مجلس العموم ورأى أن يذهب لمقابلة الزعيم البريطانى” ونستون تشرشل”.. يومها نصحه الزعيم بأن يستغل كل طاقته ليعزز جناحه ويصبح قويا كى يصل إلى الفضاء العالى. وأردف تشرشل قائلا: (لا تسمح لنفسك تحت أى ظرف بطلب الأمان فى قفص ببغاء تنطق برطانة ما يدربونك عليه)، ولم يلبث تشرشل أن نظر فى عينيه بعد هذه النصيحة وصاح فى معرض التأكيد على المبدأ: (نسر إذا استطعت.. ببغاء أبدا مهما تحملت).كلمات ذات ثقل ظل “آنتونى ناتنج” مسكونا بها. ولكن ولأنه اتبع نصيحة تشرشل ظل لسنوات منبوذا سياسيا ولم يملك إلا أن يقسم وقته بين كتابة السير والتاريخ فى لندن. أيا كان.. يكفيه أنه الرجل الذى عانق المبدأ وأمعن فى الولاء له.