إيدن

26/10/2016 - 10:25:02

تميزت حقبة رئيس الوزراء البريطاني المحافظ الأسبق أنطوني إيدن، الذي احتل منصبه بين استقالة ونستون شرشل عام ١٩٥٥ وتبوأ هارولد ماكملان رئاسة الحكومة عام ١٩٥٧، بالتناول العنيف والشديد من قبل كتاب السير والمحللين السياسيين منذ وفاته عام ١٩٧٧، وحتى الآن، ورغم رقته وثقافته وأناقته، إضافة إلى مناصرته فكرة التعاون الدولي بين الحربين، إلا أن الاستفتاء الذي أجرته محطة الـ BBC عام ١٩٩٩، أظهر أن أنطوني إيدن كان أسوأ رئيس وزراء بريطاني في القرن العشرين.


بيد أنه مع ذلك كان إيدن يتمتع في الثلاثينيّات بشهرة سياسية شعبية واسعة، ففي عامي ١٩٣٩ و١٩٤٠ كان على قمة لائحة المرشحين لرئاسة الوزارة المقبلة في حال سقوط حكومة تشمبرلين وحتى بعد انتصار حزب العمال عام ١٩٤٥، كان إيدن الرجل الأكثر تقبلا من الناخبين لقيادة حكومة ما بعد الحرب وأفضل حتى من ونستون شرشل.


ولكن، حينما يستفتى رئيس وزراء باعتباره أسوأ رئيس وزراء في القرن العشرين، فإن ذلك بالتأكيد يعني وجود كارثة عالمية كبيرة، وفي حالة إيدن كانت تلك الكارثة هي أزمة قناة السويس عام ١٩٥٦.


في يوليو (تموز) عام ١٩٥٦، سحب وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس بشكل مهين العرض الأميركي لمساعدة مصر في بناء السد العالي في أسوان، وفي الحال حذت بريطانيا حذو أمريكا، وبعد أسبوع على ذلك أممّ الرئيس المصري جمال عبد الناصر شركة قناة السويس التي يمر عبرها حوالي ثمانين في المائة من نفط أوربا الغربية، وكانت هذه الشركة تملكها بريطانيا وفرنسا منذ القرن التاسع عشر.


وأثناء ما كانت تجري مفاوضات مع مصر، ثم مع المجتمع الدولي عبر مجلس الأمن وقوى أخرى التجأ إيدن أخيرا إلى خدعة مشكوك في أخلاقيتها وهي أن تقوم بريطانيا وفرنسا بالتواطؤ سرا مع إسرائيل ودفعها بشن هجوم على مصر تقوم على إثره الجيوش البريطانية والفرنسية بالانزال في منطقة قناة السويس في «عملية بوليسية» لعزل القوات المتحاربة. وفي الواقع كانت تلك الخدعة، خدعة محكمة لإجبار مصر على التخلي عما قامت به بالقوة. ولعل التاريخ السياسي البريطاني مفعم بمثل هذه الأمثلة ليس فقط ما يتصل بحكومة المحافظين وإنما أيضا بالحكومات العمالية، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل ولم يكتب لها النجاح وتكبد إيدن ما أصاب الخطة من عار وإخفاق.


بدأ الاجتياح الانكلو ـ فرنسي في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) بعد هجوم مسبق من قبل إسرائيل على مصر في التاسع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام ١٩٥٦، وكان القصف الجوي البريطاني قد بدأ من الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، إما الإنزال المظلي للقوات الانكلو ـ فرنسية فقد بدأ في الخامس من نوفمبر (تشرين الثانى)


وقد تحالف إيدن مع إسرائيل وفرنسا تتعلق بالاتفاق المسبق على أن تقوم إسرائيل بالهجوم على مصر حتى تستطيع بريطانيا وفرنسا التدخل لـ «فصل القوات المتحاربة وحماية قناة السويس» وأن تقوم بريطانيا بإبطال تأثير القوة الجوية المصرية لأجل توفير الحماية للقوات الإسرائيلية.


وقد تم التثبت من الحقائق والوقائع الأساسية التي تشير إلى تأكيد الهجوم قبل فترة من بدئه وذلك بفضل من دونالد لوغان، سكرتير وزير الخارجية البريطاني آنذاك سلوين لويد الشديد التدقيق الذي قام بتسجيل مذكرات خاصة بالرحلة التي رافق خلالها لويد إلى بلده «سيطره» بالقرب من باريس أواخر أكتوبر (تشرين الأول) لتثبيت الخطة مع القادة الإسرائيليين، خاصة مع بن جوريون، دايان وبيريس، كذلك استطاع لوغان التسلل إلى النسخ الإسرائيلية والفرنسية للوثائق التي تم التوقيع عليها بعد بضعة أيام من قبل ممثلي بريطانيا، فرنسا وإسرائيل. أما النسخ البريطانية فقد أتلفت في الحال بأمر من إيدن.


في الحقيقة، كانت أزمة السويس أزمة مثيرة للجدل داخل المجتمع البريطاني، وظل إيدن متشبثا بموقفه حتى أثناء خطاب استقالته المسهب في نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٥٦، حيث قال عن نفسه: «رجل سلام، يعمل من أجل السلام، يكافح من أجل السلام، يفاوض من أجل السلام».


ثم إنه تقلد منصب وزير الخارجية خلال رئاسة شرشل زمن الحرب فى عام ١٩٤٠ وخلال فترة السلم من عام ١٩٥١ وحتى عام ١٩٥٥، وقد تفاوض إيدن مع جمال عبد الناصر على انسحاب بريطانيا من قناة السويس.


وأُجبر إيدن من خلال ضغوط داخلية ومعارضة خارجية على التنازل وحدث الانهيار الذي قاد إلى «تمزق بالجملة لكل ما تبقى من إرث الإمبراطورية البريطانية» كما أن الرئيس الفرنسي ديجول كان مستاء جدا من موقف بريطانيا التخلي عن فرنسا بأمر من الأمريكيين ما أدى إلى معاقبة حكومة هارولد ماكملان حينما استخدم الفيتو ضد بريطانيا في الانضمام إلى السوق الأوربية المشتركة.


يشير الكاتب إلى أن إيدن اضطر إلى الكذب أمام البرلمان حول التحالف الانكلو ـ فرنسي مع إسرائيل ويورد بعض ما جاء في رسائل خاصة نشرها وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس تتعلق بمواقف بعض الشخصيات من الأزمة والتي تقول إن الادميرال لورد مونتباكن الذي قاد القوات البحرية كان شبه مقتنع بفشل الحملة وأن فالتر مانكتون وزير الدفاع كان على علم بالموضوع ولم يعارض في مجلس الوزراء استخدام القوة ضد مصر، لكنه حاول في ما بعد أن يبعد نفسه عن الموضوع ما أمكنه ذلك، أما السياسيان المحافظان راب بتلر وهارولد ماكملان فقد ركزا على مسألة سقوط إيدن لكي يتسنى لهما بعد ذلك تسلق سلم السلطة.