شعب مصر

26/10/2016 - 10:17:48

بقلم : رضوان آدم

وقعت حركة التاريخ، فى غرام المصريين، من أول نظرة. لم ترتعش وهى تنقش أولى أغنيات الحياة، على جدران المعابد. لم تنشّز، وهى تتلو تعاويذ الهرم الشاهق، وتؤدّي أناشيد الحصاد مع الصَبَايَا، والصِبْيَة، الذين يضحكون تارة، ويلعبون تارة أخرى مع جدتهم الشمس، التي صبّت أشعتها على الكون، وصنعت شعب مصر: أول جملة صحيحة في الدفاتر المقروءة.


الغرام كالأمواج: يعلو، وينزل. كأوراق البردى: يدوّن لّمْعة الانتصار، ويتحسس ضربة الانكسار التي علّمَت على ظهر المصريين، قرونا وقرونا، حتى إذا صرخت الآلام، تدخلت حركة التاريخ، وانحازت إلى شعب مصر، كاسرة قواعد التوقع، والشروط الذاتية، والموضوعيّة، لدور الجماهير.


تقول الدفاتر، إنّ «وابور التاريخ»، توقف في محطات استثنائيّة، يلوّح للمصريين، الذين يخبزون مصيرهم بأياديهم، في المغارب الحالكة. الخبزة، لا تتجهّز من دون مقارص طينيّة، وقرابين. لم يعزّ شعب مصر، أرواح أبنائه، مرّة. في صفحات مهمّة ضمّتها الدفاتر، نقرأ صفحة مهيبة، عنوانها «المقاومة الشعبيّة ضد العدوان الثلاثي».


في ١٦ نوفمبر ١٨٦٩، كان أجداد المصريين (حفاة وعراة وجعانين) قد حفروا بالسُّخرة، قناة السويس (خيراتها للمحتلين الأجانب) بعد أن سقط منهم قرابة الـ ١٢٠ ألف روح. في المساء، وبينما كان الخديو إسماعيل، يشرب الشمبانيا، مع ملوك وملكات العالم، في احتفال أسطوري، كانت حركة التاريخ، تدكّن خطوتها التالية (تأميم القناة) وتناولها للأحفاد في الموعد (يوليو ١٩٥٦)، فيتلقفون الهدية، ويحررون القناة، ويُديرونها، وقبل هذا، يجبرون بخاطر الأجداد.


لحظة (٥٦) كانت مركزيّة، وواسعة. لوحتها الشعبيّة، ضمّت الألوان والأطياف كلها. الجميع كان يزرع ويحصد في الميدان. تأميم القناة، كان نافذة على تحوّل رهيب، داخل مصر، وخارجها. الشعب الذي أُحتلّ قرونا ثقيلة، يدرّب نفسه على امتلاك القرار، ويمتلكه. المَلَكيّة الساذجة، والاستعمار، لن يظهرا في الكوابيس مجددًا. الحركة المفاجئة، كانت مقدمة لحركات اجتماعيّة، وسياسيّة متوالية ستقع: مصر جديدة، ولدت تحت دانات المدافع، وأزيز الطائرات، وصافرات الغارات. أغنية المقاومة التي تلاها الأطفال، والنساء، والرجال، هزمت حاملات الطائرات، والبوارج الإنجليزيّة، والطائرات الفرنسية، والصهيونيّة. صدّتها بصدر مفتوح، وبندقيّة بسيطة، وصورة جماعيّة، يلتقطها التاريخ، بعينين غمّازتين، مُنحازتين، لشعب، هوايته الرئيسية: صناعة الزمن.