معنى الانتصار

26/10/2016 - 9:41:09

بقلم: حلمى النمنم وزير الثقافة

ستون عامًا مضت على حرب السويس، كما تعرف فى الأدبيات الغربية، حرب بورسعيد فى أدبياتنا نحن، وبالأدق العدوان الثلاثى على مصر، كانت الحرب نتيجة ولم تكن مقصودة لذاتها، سبقتها عدة أسباب وعوامل، أما السبب الأهم، فكان إقدام مصر ممثلة فى الرئيس جمال عبد الناصر على إعلان تأميم قناة السويس، مساء ٢٦ يوليو ١٩٥٦، وهكذا فإن العدوان الثلاثى وقرار التأميم حزمة واحدة، لا يمكن فصل أى منهما عن الآخر.


وفى الأمرين معًا، تأميم القناة ومواجهة العدوان الثلاثي، كانت مصر الفائزة والمنتصرة، والأمر المؤكد أن مصر قبل سنة ١٩٥٦، غيرها بعد ١٩٥٦، كما أن موازين القوى العالمية قبلها ليست هى بعدها، ومن المهم لنا، كمصريين، الآن أن نتذكر لحظة ١٩٥٦، لا للتفاخر والتباهي، وإن كان ذلك حقا لنا، ولكن لنثق فى أنفسنا وفى ذاتنا الوطنية أكثر، ونتذكر بعض الحقائق من حولنا. نحتاج الثقة لأن المصريين تعرضوا لحرب نفسية طويلة، اشتدت فى السنوات الأخيرة، حتى بات الهلع يصيب الكثيرين من بعض التنظيمات أو الكيانات الإرهابية حينًا، أو التنظيمات السياسية المفتعلة حينًا آخر، حتى لو كانت تنظيمات فى العالم الافتراضي، بل بات بعضنا يفزع من ميلشيات الفيسبوك، مصر بالمصريين أقوى وأكبر، ومصر بعالمها ومحيطها العربى والإنسانى أقدر وأقدر.


لم يكن جمال عبد الناصر ورفاقه أصحاب فكرة تأميم القناة، كانت الفكرة حلمًا ومطلبًا لكثير من المصريين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وبعد الاحتلال البريطانى مباشرة، مثلت القناة جرحًا وطنيًا غائرًا فى الضمير المصرى منذ هزيمة عرابي، طلعت حرب دعا سنة ١٨٩٨ إلى «تمصير القناة»، وبعد الحرب العالمية الثانية، بات «تأميم القناة» مطلبًا من مطالب القوى الوطنية المصرية، يأتى بعد مطلب الاستقلال التام مباشرة، عبد الناصر ومن معه من الضباط والسياسيين الأحرار، قرروا تحويل هذا الحلم إلى فعل وقرار يتخذ على الأرض، ومورست ضغوط على مصر كى لا تتمكن من إدارة القناة، حيث تم سحب المرشدين الأجانب، كى تبدو مصر عاجزة عن تشغيل هذا المرفق، وتتراجع عن قرارها، وعلى الفور عمل المرشدين المصريين، الذين تم تدريبهم، بعضهم كان من سلاح البحرية المصرية، والبعض الآخر كانوا من العاملين بالقناة، وأمكن الاستعانة بمرشدين من اليونان ومن يوغوسلافيا السابقة، هؤلاء قبلوا العمل والتعاون مع مصر، حبًا فى مصر بالتأكيد، ورفضًا للغطرسة الاستعمارية، ممثلة– آنذاك- فى بريطانيا وفرنسا.


ولما وقع العدوان الثلاثى، كان الشعب المصرى هو صاحب البطولة، فقد صمد المصريون فى بورسعيد وتحملوا الغارات التى شنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وكان العالم العربى ظهيرًا قويًا لمصر وللمصريين، خاصة فى سوريا ولبنان والأردن وبلاد الخليج، فضلًا عن الأشقاء فى السودان وفى ليبيا، وكل البلاد العربية، هذه المساندة، كانت زادًا معنويًا كبيرًا لنا، يضاف إلى ذلك الأحرار فى العالم كله، حتى داخل بريطانيا وفرنسا ذاتها، وبعد صمود المصريين وبسالة أبناء مصر فى بورسعيد، تحركت الأمم المتحدة وتدخل الرئيس الأمريكى بقوة، مهددًا الدول المعتدية، إن لم تتوقف، وتدخل كذلك رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى بولجانين، وأصدر إنذاره الشهير إلى إسرائيل ومن معها، وانتصرت مصر، أكرر انتصرت مصر.


قبل ١٩٥٦، كانت بريطانيا وفرنسا هما القويان الأعظم، وعلى أرض مصر أشهر تراجعهما التام، فيما عرف باسم قطع ذيل الأسد البريطاني، وتقدمت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكانت إسرائيل منذ حرب ١٩٤٨، تصور نفسها للعالم على أنها دولة صغيرة وليدة، تريد الحياة، لكن العرب من حولها والمصريون خاصة، يريدون تدميرها ويسعون إلى إزالتها من الوجود، ولم يكن ذلك صحيحًا، وتلك قضية أخرى، لكن العالم صدق مزاعم «بن جوريون»، وفى العدوان الثلاثى اكتشف العالم أن إسرائيل بمشاركتها العدوان ومهاجمة سيناء، دولة استعمارية وعدوانية، لقيامها بالاعتداء على مصر والمدنيين المصريين.


فتح انتصار مصر وصمود المصريين فى ١٩٥٦ الباب واسعًا لتحرر كثيرا من الشعوب والبلدان فى عالمنا العربى وفى إفريقيا، وتراجع الاستعمار القديم، كانت البداية فى الجزائر التى استمرت ثورتها العظيمة وانتهت باستقلال الجزائر الشقيقة، بعد مليون شهيد قدمهم الشعب الجزائرى، وهكذا وهكذا، لا أريد أن أسترسل عن الأوضاع فى مصر، وكذلك فى البلاد العربية المحيطة بنا، حيث تركت لحظة ١٩٥٦ أثرًا ودفعت إلى تغيير ما، فى معظم البلاد العربية تقريبًا، سواء بالنسبة للنظم السياسية، أو الأوضاع الاجتماعية فى كل منها، فقد سبق لكثير من الكتاب والباحثين أن تناولوا هذه الجوانب بالتحليل والرصد.


تأميم القناة وصمود مصر أمام العدوان الثلاثى، ليس تجربة وطنية مصرية وعربية فقط، هى فى التحليل النهائي، تجربة إنسانية، تؤكد أن الشعب إذا صمم على إنجاز فعله، وأن امتلاك القيادة القوة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح فى اللحظة المناسبة، عنصر مهم فى العمل السياسى والوطنى، وأن أى قرار مهما كانت قوته وعظمته، لايمر ولا ينجح دون سند شعبى وطنى قوى.


فى لحظة العدوان الثلاثى، هناك من حسبوا الأمر كله بمعايير وضوابط المناصب السياسية، والمكاسب الخاصة، فتصوروها لحظة للقفز على السلطة واسترجاع ما فات أو ما حلموا به، وسرعان ما ذهبوا إلى الإنجليز، يتفاوضون معهم، ويرتبون أمورهم، ويحدد كل منهم «الكرسى»، الذى يريد الجلوس عليه فى ظلال الإنجليز، حتى أن المستشار سليمان حافظ، ذهب إلى الرئيس عبد الناصر يطلب منه الاستقالة حتى يأتى من يستجيب للبريطانيين، ويتفاوض معهم، لا نعرف كيف كان رد عبد الناصر، لكن المؤكد على الأرض، أنه صمم على المقاومة وخوض المعركة إلى النهاية.


فات هؤلاء جميعًا أن الخصومة السياسية شىء، والوقوف مع العدو وهو يدمر البلاد شيء آخر، أراد هؤلاء تكرار درس عرابى وتوفيق، سنة ١٨٨٢، لكن التاريخ ليس قابلًا للتكرار بنفس السيناريو، كانت حساباتهم جد مهترئة، فالشأن الوطنى يعلو على تلك الأغراض والمطامع الصغيرة، والذى حدث أن لفظهم الجميع، وجلسوا فيما بعد خارج التاريخ وخارج الواقع.


ومن المهم أن نتذكر ذلك الآن، ونعيد التذكير به، لأن المشهد تكرر وإن كان بشكل آخر، فى منطقتنا العربية خلال السنوات الأخيرة، تحديدًا فى العراق سنة ٢٠٠٣، ثم فى ليبيا سنة ٢٠١١.


ومن المهم أن نعى نحن معنى الانتصار، هنا- الآن، فى مصر لأمر يتعلق بمعركة ١٩٥٦ ذاتها، ذلك أن الإحن والمكايدات السياسية عندنا، تفعل الأفاعيل، والبعض منا لم يفصلوا بين كراهيتهم لعبد الناصر ومن معه، وما تحقق من إنجاز لمصر وللمصريين جميعًا، فى إطار الكراهية والأحقاد السياسية اندفع من يريد إقناعنا أن مصر لم تنتصر فى ١٩٥٦، وأننا لو تركنا القناة بلا تأميم لكان أفضل لنا، وأن الإنجليز كانوا سيسلمونها لنا سنة ١٩٦٨ – حبًا وكرامة– رغم أن الشعب المصرى خاض سنة ١٩١٠ معركة قاسية لأن إنجلترا أرادت مد امتياز القناة حتى سنة ٢٠٠٨، وهكذا فى إطار حرب نفسية منظمة، تم تصوير ١٩٥٦لكثير من المصريين، كما لو كانت كارثة كبرى، وذهب هؤلاء يبحثون فى أمر تحركات المشير عامر وقراراته أثناء الحرب، رغم أن حرب ١٩٥٦ كانت فى شق كبير منها عدوان على مدن القناة، الغارات شٌنت على أحياء وشوارع بورسعيد، ولم تشن – فقط – على جبهة القنال فى سيناء.


نتائج أى معركة لا تحسب بتحرك هنا أو عملية هناك، إنها تحسب بالنتيجة النهائية، بريطانيا خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، رغم أن مدينة لندن، كانت قد دٌكت تمامًا من الطيران الألمانى، وفرنسا تم تحريرها من ألمانيا رغم حجم الدمار والخراب الذى لحق بعاصمة النور، وارتفاع أعداد الضحايا.


والجزائر حصلت على الاستقلال رغم المليون شهيد، الحرب تٌقاس بالنتيجة النهائية، ومدى تحقيق الهدف منها، وبهذا المعنى: انتصرنا.. انتصرنا.


لاحظ – من فضلك – أن حملة مشابهة فى إطار الإحن السياسية والثقافية، شٌنت على حرب الاستنزاف، واعتبرها بعض الكتاب والمؤرخين كارثة كبرى، رغم أنها فى عديد من المراجع العلمية حرب أثبتت قدرة المقاتل المصرى على المواجهة، وشنت حرب نفسية أخرى على معركة أكتوبر العظيمة، وطرحت حولها تساؤلات بيزنطية، مثل لمن ينسب العبور إلى عبد الناصر فى قبره، أو السادات فى قصره..؟، رغم أن قرار الحرب وقعه السادات، وأن الانتصار كان نتيجة تراكم عمليات جرت منذ يونيه ١٩٦٧، ومثل هل كانت حرب تحريك أم تحرير؟، وهو التساؤل الذى استهوى العقيد القذافى فترة، وردده كثيرون خلفه، باختصار لحظات المجد والإنجاز الحقيقى لدى هذا الشعب، تتعرض لأفاعيل الإحن والمكايدات الصغيرة، التى تقدم رسالة سلبية للرأى العام عن انتصارات وإنجازات تحققت بالفعل، حققها المصريون بعرقهم وتصميمهم وتحملهم.


وكما جرى أثناء العدوان الثلاثى، حيث ذهب البعض إلى الإنجليز يتفقون معهم ويرتبون أوضاعهم، نجد – الآن -ومنذ سنوات من جرى وهتف لدى بعض القوى الأجنبية، يرتب الأوضاع معها هنا، حتى وجدنا مظاهرة تهتف فى أغسطس ٢٠١٣، نظمتها جماعة الإخوان (الإرهابية)، يوم عيد الأضحى، وبعد صلاة العيد مباشرة، «واحد.. اثنين.. الأسطول السادس فين».


وفى النهاية.. من ١٩٥٦ إلى ١٩٧٣، وبينهما حرب الاستنزاف، إلى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه، فإن أى قوة أو تنظيم أو جماعة، بل إمبراطورية كبرى، لا يمكن أن تهزم إرادة شعب، خاصة إذا كان هذا الشعب، صاحب وصانع الحضارات العظيمة فى التاريخ.