٥٦ من الرومانسية الي السياسة

26/10/2016 - 9:38:43

بقلم - أمينة شفيق

فى صيف شهر يوليو عام ١٩٥٢ كنت فى الإسكندرية وتحديدا على شاطئ المندرة، حيث كنت ضيفة على أسرة خالتى لقضاء بعض الوقت على الشاطئ بعد أن ظهرت نتيجة نقلى من الصف الرابع الثانوى إلى الخامس فى مدرسة العباسية الثانوية للبنات.. حينذاك كانت المرحلة الثانوية تلى الابتدائية لنحصل بعد دراسة خمس سنوات على الشهادة التوجيهية، التى تؤهلنا للدراسة الجامعية.


وعندما غادر الملك المخلوع قصر رأس التين ليبحر على المحروسة «الحرية لاحقا» إلى منفاه لم أنتبه إلا لخبر واحد فى نشرة الساعة الثامنة والنصف مساء « فتح القصور الملكية للشعب» بمعنى أنه بات فى استطاعتنا، نحن الشعب، زيارة هذه القصور المحصنة بأسوار عالية وحرس مسلح.


ولما كنا فى شاطئ المندرة، فقد تجمعت فتيات الأسرة مباشرة لزيارة قصر المنتزه القريب من شاطئنا، حيث كانت تقضى ناريمان الملكة والزوجة الثانية للملك، والتى أنجبت له ولى العهد فترة الصيف. وكانت صبايا الأسرة، وأنا منهن، شغوفات لرؤية غرفة نوم الملكة الشابة. يااااه! سرنا وسط الحدائق الممتدة لقصر المنتزه نغنى «صافينى مرة» لمطرب جديد اسمه عبد الحليم حافظ.


صبية فى السابعة عشرة من عمرها، ككل الصبايا الحالمات الرومانسيات، تحلم بالجامعة التى تؤهلها للعمل.. ماذا ستعمل وأين؟ إجابتان كانتا لا تزالان فى علم الغيب لسؤالين مطروحين فى ذهني.. كل الذى أتذكره أننى كنت متابعة فى أحيان للأحاديث الإذاعية للأستاذة الدكتورة سهير القلماوى وكتابات الأستاذة أمينة السعيد.. كما أننى كنت أعرف أن أسرتى كانت تدفع بى إلى التعليم لأتخرج فى الجامعة وأصبح أول فتاة جامعية تلتحق بعمل فى الأسرة.


كانت أسرتى فى ذلك الوقت من «الأسر الممتدة» المنتمية للطبقة الوسطى الصغيرة التى تنعم بمجرد الستر. فلم أكن أعيش مع والداى وإنما مع جدى لوالدتي. ولا أتذكر أننى سمعت أحد أفراد هذه «الأسرة الممتدة» يتكلم أو يتحدث فى السياسة، كما أننى لم أتعود على مجرد دخول الصحف إلى بيتنا.. اللهم فى يوم ٢٦ يناير من نفس عام ٥٢ عندما دخلت منزلنا كمية هائلة من الجبن الرومى أحضرها شخص لا نعرفه ليبيعها من ضمن ما نهب فى حالة الفوضى والحرائق.. يومها ولأننا كنا نعيش فى إحدى ضواحى القاهرة البعيدة نسبيا، علمنا بأخبار حريق القاهرة.. بعد أسبوع فطلبت من أسرتى أن أتجه إلى «وسط البلد» لمشاهدة آثار الحريق.. يومها لاحظت أن الحياة فيها أمور أخرى غير الأسرة والمدرسة.


لقد كانت القاهرة حزينة تدمع عيناها بدموع سوداء.


انتهى الصيف وجاء الخريف وفتحت المدارس وبدأت أعد نفسى للسنة الأخيرة فى التعليم الثانوى، التى كانت تختلف قليلا عن سابقتها. فالإذاعة المصرية بدأت تتجه نحو أحاديث وأخبار وأناشيد تختلف عن تلك التى كنا نتابعها قديما.. كان بعضها لطيفا فى حين كان البعض الآخر ثقيلا على أذني.. كنت كثيرا ما أردد أغنية « فدادين خمسة، خمس فدادين» لمحمد قنديل ثم بتنا نردد فى طابور الصباح نشيد «بالاتحاد والنظام والعمل» لليلى مراد ولكن التى شدتنى أكثر كانت قصيدة «مصر تتحدث عن نفسها» لأم كلثوم وشعر حافظ إبراهيم. وانتهى العام الدراسى ٥٢٥٣ وكنت قد قررت أن أكون كأمينة السعيد.. قررت أن أدرس صحافة، ولكن المشكلة أن الجامعات المصرية لم تكن، حتى ذلك الوقت، قد خصصت كلية أو أقساما لدراسة الصحافة.. فوجدت بنفسى أمام الجامعة الأمريكية فى القاهرة لأحقق أمنيتي.. وفى ذات الوقت قررت أن أحاول تدبير البعض من نفقاتى الشخصية حتى لا يقع كل الحمل المادى على هذه الأسرة التى لا تملك إلا الستر.. لذا وجدت نفسى فى النصف الثانى من عام ٥٣ عام التحاقى بالجامعة أمام دار أخبار اليوم وأتجه إلى مكتب الأستاذ موسى صبرى أطلب منه إتاحة فرصة لتدريبى فى مجلته «الجيل الجديد».. ورحب الرجل.


عرفت من خلال تدريبي، الذى تحول إلى عمل بمكافأة مقابل كل تحقيق صحفى ينشر، أن بجانب الإذاعة توجد الصحف والمجلات المصرية والأجنبية.. بدأت أشترى الصحف المصرية وأتابع المطبوعات الإنجليزية فى مكتبة الجامعة.. ولم يكن سهلا أن أجمع بين الدراسة والتدريب ثم العمل، ولكنه لم يكن مستحيلا، وفى أحيان كان تعطينى حركتى بين الجامعة وشارع الصحافة إحساسا بالتمايز على زملائى فى الجامعة بسبب نشر اسمى المتكرر فى مجلة الجيل الجديد.


واستمر نمط الحياة يتنقل بى من الجامعة فى ميدان التحرير إلى المجلة فى شارع الصحافة طوال الأعوام الثانى فالثالث فالرابع الدراسية.. كان كل شيء ينبئ بأنى سأتخرج ليستمر عملى فى المجلة لكن مع تغيير طرأ على وهو أنى بدأت انتقل شيئا فشيئا من الموضوعات الاجتماعية الخفيفة إلى تلك الأعمق.. ولكنى لم أكن أعرف أن العام الدراسى الرابع، الذى يحمل تاريخ ٥٦٥٧ سيكون عاما مختلفا تماما.


لم يأت عام ١٩٥٦ ككل الأعوام التى تأتى علينا، نحن المصريين، فهو العام الذى استمر فيه الجدل حول مشروع كان عبد الناصر يدخل من أجله فى مفاوضات ومحادثات دولية، وهو ما كنا نعرفه بالسد العالى، وما كان الغرب يعرفه بسد أسوان.. تابعنا جميعا حواراته مع البنك الدولى وخطبه التى كان يشير فيها إلى أهمية السد العالى من أجل توفير المياه والكهرباء لمضاعفة الدخل القومى فى عشرة أعوام. وكنت بالقطع من المتابعين لكل الأحداث الجارية بحكم عملى ووجودى فى مؤسسة صحفية.. فلم أعد تلك الصبية الرومانسية التى تشتاق لزيارة غرفة نوم ناريمان، بل أصبحت من الصحفيات الباحثات عن أخبارها لأنها كانت قد انفصلت عن الملك وعادت إلى القاهرة.


وبجانب الحديث المتكرر عن السد العالي، كنا قد بدأنا نقرأ فى الصحف عن أحداث وعن شخصيات لم تكن صحافة ولاإذاعة ما قبل ٥٢ تذكرها. كانت الأمور تتغير فى دولة صغيرة تسعى للتحرر من الاستعمار وتتحول بالتدريج إلى مركز هام للأخبار.. دار جدل حول مؤتمر باندونج وحول صفقة السلاح التشيكية وحول توقيع مفاوضات الجلاء عام ١٩٥٤. ولما كنت من قراء الصحف الأجنبية فى مكتبة الجامعة فقد عرفت الأمور من جانبيها الخارجى والداخلي.. ولكن ظل عام ١٩٥٦ عاما مميزا.


فى الثامن عشر من شهر يونيه أجلى الجنود البريطانيين عن القاعدة فى منطقة القنال وفى ٢٦ يوليو التالى أعلن عبد الناصر عن تأميم القناة.. فى ذلك الوقت لم يكن عبد الناصر بطلا قوميا وإنما كان له معارضوه الكثر أصحاب المصلحة فى بقاء النظام القديم. خاصة أن العلاقات المصرية الغربية بدأت تتراجع فى حين بدأت مصر تكون علاقات جديدة مع الهند والصين ومع الدول الإشتراكية ومع قادة أفارقة يقودون حركات تحرر بلدانهم.. بدأنا نسمع أسماء غير أيزنهاور وتشرشل وإيدن لنكتب عن نكروما وسيكوتورى وسوكارنو وموديبو كيتا وحتى وصلنا إلى شخصية مجهولة ولكن صاعدة فى ذلك الزمان اسمها نيلسون مانديلا.


الذى عايشته جيدا هو ذلك اليوم الذى أمم فيه عبد الناصر القناة. فى هذا اليوم وفى ذلك العام ١٩٥٦ ارتفعت أسهم جمال عبر الناصر إلى السماء فى مصر وبين الشعوب العربية وفى صفوف الأحرار حيثما كانوا فى الغرب وفى الشرق، فى الجنوب وفى الشمال. وباتت صور وأخبار عبد الناصر تنشر فى صحف العالم على أنه تارة محرر لوطنه وتارة على أنه أعلن الحرب على الغرب المالك للقناة أو أنه الرجل الذى يشعل حركات التحرر الوطنية فى المنطقة العربية أو غيرها من المناطق.


لم يكن لي، حتى ذلك الوقت، موقف سياسى محدد كمصريين وكمصريات كثر، لكن مع سماعى الإعلان عن التأميم وجدت نفسى كغيرى من المصريين والمصريات أنحاز لهذا الموقف ولهذا الرجل. أحسست بأنى فخورة بمصريتي. باتت مصر الصغيرة بلدا كبيرا.


عندما أعود الآن، وبعد خبراتى السياسية، لهذا العام وأحاول تحليل أحداثه فإننى أستطيع أن أسجل بكل أريحية أن عام ١٩٥٦ كان العام الذى وضع فيه عبد الناصر أولى لبنات أفول حقبة الاستعمار القديم لتنطوى صفحة هذه الحقبة بعد ذلك بسنوات قليلة.


.......


ولما كنت فى الإجازة الجامعية الصيفية فقد ركزت نشاطى فى النصف الثانى من هذا العام فى شارع الصحافة وفى متابعاتى لما يجرى فى منطقة القناة بدءا من انسحاب المرشدين الأجانب وتطوع المرشدين السوفييت وبدء قيادة المصريين للإدارة وحركة سير السفن. كانت فترة من أخصب فترات العمل السياسي، ليس بسبب تلك الأحداث الجارية فى منطقة القناة أو مجلس الأمن فحسب وإنما لنمو زخم سياسى فى صفوف الشعب المصرى جعله شعبا سياسيا من الدرجة الأولى. كان الحديث السياسى لا ينقطع فى المقاهى والأندية وفى وسائل المواصلات. كانت توجد معارضة تخاف من دخولنا الحرب مع الغرب كما تخاف على مصالحها معه، لكنها كانت معارضة مكبوتة ساكنة بينما كان الالتفاف حول جمال عبد الناصر يزداد.


تميزت هذه المرحلة بتأثيرات الحرب الباردة بين الغرب الرأسمالى والشرق الإشتراكى على حركة الشعوب الصغيرة التى استطاعت أن تستفيد من التناقض السياسى الموجود على الساحة العالمية.


كما تمايزت بقدرة الشعوب الصغيرة على المناورة السياسية لاستكمال استقلالها السياسى والبدء فى الاستجابة لمطالبها الاجتماعية التى حرمت منها إبان فترة الاستعمار. ومن هنا استطاعت هذه الشعوب من خلال قياداتها أن تخترق الخطوط وبدأت فى التكتل فى حركة عدم الانحياز أو فى الساحة الواسعة لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولا شك أن مصر كانت قيادة هامة فى هذه الحركة وأنشطتها. لذا لم يكن من المستغرب أن تلتف شعوب العالم النامى حول مصر فى تصديها للعدوان الثلاثى على مصر. خاصة وأن هذه الشعوب بقادتها وحكوماتها كانت تشعر أنها تعمل من أجل مستقبلها السياسى وفى الظهير المساند لها كتلة سياسية بقيادة الاتحاد السوفيتي. كان للاتحاد السوفيتى مصالحه فى توسيع مساحة المعارضة الجماعية الكبيرة للغرب الرأسمالى ولكنه فى ذات الوقت وازن بين هدف هذه الشعوب الأسمى وبين مصالحه كمعسكر سياسى اقتصادى عسكري.


وكما ذكرنا كانت توجد معارضة داخلية لعبد الناصر وكانت هذه المعارضة الكامنة تتربص به وتراهن على الإمكانيات التى يملكها الغرب لهزيمة هذا «البكباشى ابن موظف البريد» إذا استمر فى عناده للسيطرة على مقدرات القناة. وكانت هذه المعارضة تختلف فيما بينها حول الطريقة التى سيهزم بها الغرب هذا المصرى المتمرد خاصة وأن القاعدة البريطانية فى القنال كانت قد اخليت ولم يعد على ارض مصر جندى واحد غير مصري.


عندما وقع العدوان الثلاثى على بور سعيد نشطت هذه المعارضة فيما بينها ولكنها لم تتحرك فى الشارع المصري.. لم تجرؤ على التحرك فى الشارع. لقد كان الزخم السياسى قد وصل إلى الذروة ومعه وصل التأييد العالمى لمصر إلى مكانة غير مسبوقة فى التاريخ الحديث. فتحت المعسكرات البريطانية المغلقة وتم تصفيتها ونظمت المقاومة الشعبية فى مدينة بورسعيد ونظمت المظاهرات المنددة بالحرب فى روما وباريس ولندن وتحرك العمال العرب مقاطعين تفريغ السفن المملوكة للدول المهاجمة. تعدى الزخم السياسى المصرى الحدود وبات جزءا لا يتجزأ من الحالة الثورية فى بلدان العالم الثالث وشعوب حركات التحرر الوطني.


وقع العدوان فى نهاية شهر أكتوبر وتم الانسحاب فى نهاية ديسمبر فى عام ١٩٥٦. فى هذه الفترة نضج الوجدان الشعبى المصرى وخرج من المعركة وقد كسب القناة كما حصل على وعد ببناء السد العالى من الاتحاد السوفيتي.


لا نستطيع القول ان مصر كسبت عسكريا ولكنها بالتأكيد فازت سياسيا لأنها امتلكت قيادة وطنية وظروفا عالمية مواتية. والهام أنها امتلكت الإرادة لتحقيق حلمها فى النمو.وإذا عدنا وقيمنا هذه المرحلة وما تبعها من مراحل بموضوعية وبلا انحياز غير موضوعى لجمال عبد الناصر فإنى أضع عبد الناصر فى مكانة الزعيم الوطنى الذى آمن بالتنمية وبكسر حلقات الفقر والجهل التى يعانى منها شعبه. آمن باستقلال مصر وبتنمية شعبها. ولكنه كزعيم كان فى استطاعته استكمال حلقات تقدم اعظم إذا ما كان قد اقتنع باحتياج المجتمع لمساحة ديمقراطية يستطيع بها، كأداة تحرك سياسي، الحفاظ على كل المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية التى تمت خلال ثماني عشرة عاما، اسمها الحقبة الناصرية. فى هذه الحالة كان يستطيع تقديم المثال لكل الزعماء الذين قادوا بلادهم تجاه التحرر الوطنى ثم سقطوا فى ساحة الديمقراطية.


جاء عام ١٩٥٦ وأنا صبية قريبة من الرومانسية ثم انتهى العام وأنا منخرطة فى السياسة. لقد أعادت المقاومة الشعبية فى بورسعيد تشكيل وجداني. زاد إحساسى بوطنى وبمواطنيه.لم أكن الوحيدة، بل كانت حالة عامة.. أبحث عنها الآن.. وبتنا نغنى مع عبد الحليم حافظ أغنية «قلنا حنبنى ودحنا بنينا السد العالي».