شعب الجيش وجيش الشعب

26/10/2016 - 9:32:02

بقلم: د. جابر نصار رئيس جامعة القاهرة

الحديث عن الجيش المصري وبطولاته قديما وحديثاً لا ينفك أبداً عن الحديث عن الشعب المصري، وذلك لأنه منذ عرف الشعب المصري الجندية وشرف الالتحاق بالجيش المصري جندياً مقاتلاً أو قائداً عظيماً حظى الجيش المصري بتقدير عظيم في نفوس المصريين الذين اعتبروا الجندية شرفا وتفانيا في خدمة الدولة المصرية والشعب المصري. جيش من سواد الشعب كان وسيظل بعمق انتمائه إلى هذا الوطن وعظيم ولائه لهذا الشعب وفياً لوحدة ترابه وسلامة أراضيه ومصالح شعبه.


لم يكن الجيش المصري العظيم منذ الأزل إلا حامياً للديار حاملاً أرواح جنوده وقيادته على أكف الشهادة فداء للوطن وحماية للأرض والعرض، تغنى التاريخ ببطولاته وسطر فيها سطوراً مجيدة.


ولذلك حق أن يكون الجيش المصري شعباً يحمل السلاح يحمي جيشاً هو الشعب، الذي لا يحمل السلاح فكان هذا من ذاك، واختلط هذا بذاك حتى صار الاندماج في الرؤى والعقيدة، فإذا ما أراد الشعب يوماً التنمية والحياة بكرامة، كان الجيش سباقاً لكي يخوض غمار التنمية وينشر الخير بين ربوع الوطن يشق الطرق ويقيم المشروعات التنموية في كل أرجاء الوطن.


وإذا ما واجه الوطن اعتداء أو تحديا ينال منه، تجده في الصف الأول يذود عن الأرض ويحمي العرض ويقدم التضحيات.


الجيش المصري هو الشعب والشعب المصري هو الجيش، تداخل واندماج خلقه التاريخ والجغرافيا.


إن هذا الاندماج والتداخل بين الجيش والشعب كان من أهم محطاته التاريخية مواجهة العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥٦، وقت أن تكالبت قوى الشر على مصر الدولة الوليدة، التي ولدت عملاقة بعد ثورة يوليو الذي قادها جيش مصر، وأراد بها أن تكون دولة قوية مؤثرة في محيطها العربي والأفريقي، خلقت لكي تكون زعيمة قوية قادرة تجمع ولا تفرق، تؤسس لعالم جديد تتحرر فيه الدول من الاستعمار والتبعية والتهميش، وينال فيها الإنسان كرامته.


خاض المصريون شعباً وجيشاً صناعة التحديث في مصر الدولة التي أرهقتها ملكية عابثة ونظام مجتمعي فئوي وقاس، تأسس على جهل منتشر وأمراض متفشية، تنال من شعبها، وفقر مدقع للغالبية الغالبة من شعبها، ونظام سياسي فلكلوري يتدثر بقشور ديمقراطية لا أثر لها في واقع الناس وحياتهم، وبضع أسر وأفراد يتداولون السلطة والمال والجاه فيما بينهم قسمة لا ينال منها وفيها الشعب شيئاً .


هذا النظام الوليد جاء بصرخة مدوية في فضاء ملبد بأطماع المستعمر، وجد هذا المستعمر فيه خطراً حقيقياً عليه، وعلى وجوده ليس فقط في مصر والعالم العربي ولكن في كل بقاع الأرض.


تجرأت مصر الدولة على هذا الاستعمار، وأرادت أن تكسر شوكته وتخرج عن نفوذه وطوعه، وتتخذ سياسات مستقلة وتحلم بدولة قوية مستقلة واقتصاد قومي يكون ناتجه للمصريين ولصالح تنميتهم، وهو الأمر الذي زاد من عداء هذه القوى الاستعمارية.


وبدء الحصار الاقتصادي والسياسي وسياسات التحجيم، ولأن مصر وقتها كانت تعيش حالة نادرة في محيطها، وتحظى بزعامة تاريخية، وهي زعامة عبد الناصر الذي يمكن أن تختلف معه كثيرا أو قليلاً، إنما لا يمكن أن تنسى أو تتناسى أنه كان رمزاً للعزة الوطنية والجرأة والاستقلال الوطني، ضيقوا عليه وحاربوه، أرادوا أن يكسروه فكان قراره العظيم بتأميم القناة، البقرة الحلوب التي أرادها المستعمر حقاً خالصاً له، يخترق بها سيادة الدولة الوليدة ويكسر كرامتها بممارسات استعمارية بغيضة.


فعلها جمال حبيب الملايين، واتخذ القرار التاريخي، وكان الرد هو العدوان، عدوان رفع الغطاء عن كل المنافقين، وظهرت عداواتهم وبغضهم وكرههم لهذه الدولة الوليدة، وهذه الجمهورية التي مثلت أملاً ليس للمصريين فقط بل لكل مقهور ومظلوم في العالم أجمع، جمهورية جديدة بات تأثيرها يمتد من مصر إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والهند إلى كل بقاع الدنيا، نعم هذا هو نور مصر ودورها عبر التاريخ، رسالتها الحضارية التي حملها المصريون عبر التاريخ منذ خلق الله الأرض ومن عليها.


هذه الرسالة التي كان الجيش والشعب الضلع الأهم فيها بتماسكهما وتداخلهما، فهما واحد وحلمهما واحد، ومن ثم كانت المعركة دائماً معركة شعب وجيش، هكذا كانت معركة العدوان الثلاثي، ثلاثي بأبعاده الجغرافية إنجلترا وفرنسا وإسرائيل التي كانت تمثل في هذا الوقت العمق الاستعماري الذي ينضح عنصرية وتأصيلا لفلسفة النهب والسلب والتبعية التي تمردت عليها الجمهورية المصرية الوليدة، وبدأ نورها يسطع في أرجاء العالم ضد هذه السياسات الاستعمارية البغيضة كما سبق وبيّنا.


وبأبعاده الثقافية التي أرادت أن تقهر الأمة بقوة السلاح دبت فيها الحياة، وشعب طلب العلا والفلاح واستقلال الإرادة الوطنية، كان المستعمر يدرك أن معركته ليست معركة عسكرية فقط، وإنما معركة ثقافية، فأراد بقوة السلاح أن يكسر هذه الأمة وهذا الشعب .


وهنا تداخل الشعب مع الجيش، وأصبح الكل واحدا يحمل السلاح ويواجه هذا العدوان وقد انتصر .


انتصر الشعب والجيش في معركة لم يكن السلاح فيها هو القول الفصل وإنما الإرادة، إرادة التحدي، إرادة الانتصار.


وإذا كانت الذكرى تنفع المؤمنين، فإن تذكر هذه الملحمة التاريخية يجب أن ينبهنا إلى أننا نعيش الآن مرحلة تاريخية وزمنية مشابهة، فها هو الخطر يواجه الدولة المصرية ويريد أن ينال منها ويكسرها.


إن فصول المعركة قد تكون متغيرة في بدايتها أو شكلها أو مكوناتها؛ حيث يتآمر على الوطن اليوم بعضاً مما ينتسبون إليه، يسعون إلى تفكيكه، وتدمير مقدراته وتعطيل مسيرته بأساليب متنوعة وحجج واهية.


إنها لحظات خطرة، بل شديدة الخطورة لابد أن نعيها وندركها ونحتاط لها، إنها نفس المخاطر التي كانت وقت العدوان الثلاثي، حين استهدف وأد حلم المصريين في دولة مستقلة موحدة قوية.


هنا وفي هذه اللحظة التاريخية يتجسد عنوان هذا المقال (جيش الشعب وشعب الجيش)، فكلنا جنود نحارب في ميادين شتى.


إن التضحيات التي يبذلها الجيش المصري في سبيل حفظ وحدة هذا الوطن، وفي سبيل تقدمه وريادته وحمايته، توجب على كل مصري، بل كل عربي، بل كل إنسان حر في هذا العالم أن يعتز بهذه التضحيات.


إن بوابة مصر حينما تكون آمنة، يصبح العالم كله آمناً، وهذا قدر الله لها وبها، وقد حكم لها في كتابه العزيز “ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”.


تحية إلى جيش الشعب وشعب الجيش في هذه المناسبة، وتحية لدار الهلال، تلك الدار التي كانت وستظل بيتاً للوطن وللمواطن.


وسلاماً على المصور والقائمين عليه، حين أفرد هذا العدد لهذه المناسبة ولجلالها وتجلياتها، حين تؤكد عظمة مصر وجيشها وشعبها وتعلن للعالم كله:


أن لمصر جيشا يحميها وينصرها ويصونها


ســـلام عليك ياجيـــش مصر وعلــــــى رجالك الأعزاء وعلى شهدائك الأبرار وجرحاك الأبطال .


فكلهم يا مصر أبناؤك البررة الذين يصونون أرضك وعرضك ويحملون همك


تحيا مصر حرة آبية منتصرة


ويحيا جيش مصر قويا عزيزاً قاهراً للأعداء