«شردى الابن» عن «شردى الأب»: صور أبى فضحت جرائم العدوان

26/10/2016 - 9:14:33

  سلوى عبد الرحمن فى أثناء حوارها مع محمد شردى عدسة: شيماء جمعة سلوى عبد الرحمن فى أثناء حوارها مع محمد شردى عدسة: شيماء جمعة

حوار: سلوى عبد الرحمن

يقول التاريخ ان الكاتب الصحفى الراحل، محمد مصطفى شردى.. لم يكن يتعدى السادسة عشرة، عندما قرر أن يغير التاريخ، يصفع قوات الاحتلال صفعة قوية على وجه العالم، صفعة لم يستخدم فيها يديه مباشرة، لكنه استخدم فيها كاميرا قريبة الشبه بـ»صندوق خشبى» وعربة «كارو» كان يحمل عليها والدته، هربا من ضربات العدو، وعين ثاقبة استطاعت أن تفضح جرائم إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على أرض بورسعيد.


بعد ٢٧ عاما تقريبا على رحيله، ومرور ٦٠ عاما على الواقعة، التى جعلته واحدا من الرموز التى لا يمكن تجاهل دورها خلال العدوان الثلاثى، يتحدث الابن محمد مصطفى شردى، عن «شردى الأب»، يكشف تفاصيل الصور التى التقطها أبوه، ورحلة خروجه من بورسعيد وصولا إلى القاهرة، وتحديدا مكتب الكاتب الصحفى الراحل مصطفى أمين، الذى تسلم «صور جرائم العدوان» وطار بها - بناء على تعليمات رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر- إلى الأمم المتحدة.


«دموع فى الولايات المتحدة».. «تكريم تأخر».. و»خروج فى رحلة عمل طويلة».. جميعها عناوين عريضة لمحطات مهمة تحدث عنها الابن محمد مصطفى شردى.


بداية ينقل لنا الابن محمد مصطفى شردى، ذكرياته عن الحرب، أنصت إلى تفاصيلها، التى جاءت على لسان الأب، فيقول: عندما كان أبى يتحدث معى عن حرب ٥٦ هناك صور فى ذاكرتى لن أنساها أبدا، وأذكر أننى فى مرة من المرات الكثيرة، التى جمعنا فيها الحديث عن الحرب، وكان أبى يحاول تعليمى قيادة السيارة فى بورسعيد، وفى طريقنا صادفنا نخلة نادرة، فلمحته ينظر إليها ويبتسم، وبفضول الأطفال حاولت التعرف منه على سر ابتسامته تلك، فقال لى: «هذه النخلة لها ذكريات معى، أيام ٥٦ كنا ننتقل إلى البر الثانى للبحر وقوات العدوان كانت تطلق النار على أى شخص يحاول المرور، وكان الشباب وقتها يتسابقون حول من يستطيع تجاوز هذه المسافة والاختباء وراء النخلة، ولهذا لو اقتربت منها قليلا ستجدها مليئة بالثقوب من الرصاصات، التى كانت تطلقها القوات الأجنبية على الشباب».


حديث النخلة، كان مجرد بداية «خيط الحكاية»، الذى أمسك به «شردى الابن»، وأكمل لفه على يديه، وقال: أبى خلال عام ١٩٥٦ حقق أول نصر صحفى فى حياته فبينما كان يحمل البندقية للدفاع عن مدينته الصامدة، كان فى الوقت ذاته يخفى الكاميرا فى ملابسه والتقط عشرات الأفلام التى تفضح العدوان.


«الكاميرا والكتابة».. أول خطوة فى مسيرة «شردى الأب» العريضة فى بلاط صاحبة الجلالة، كان لابد من الحديث مع الابن حول تلك الخطوة، والأيام الأولى، التى كان فيها «مصطفى شردى» - مع حفظ الألقاب والمقامات- مجرد محرر صغير يحلم بأن يكون ذا آثر فى مجال العمل الصحفى، وهنا قال «شردى الابن»: ورث أبى حب الصحافة من أبيه محمد شردى الذى كان يعمل محررا بجريدة المصرى، وكان أبى أثناء الدراسة يصدر مع أقرانه مجلة حائط يومية يكتبونها بأيديهم، وعندما وصل إلى سن الخامسة عشرة بدأ رحلته الصحفية مع جريدة المصرى، وتحديدا بعد وفاة والده، وذلك لكى يتمكن من توفير مصروفات البيت، لأنه بعد رحيل أبيه أصبح هو العائل الوحيد للأسرة، وكان وقتها مكلفا بتغطية أخبار وأحداث معارك الفدائيين فى منطقة القناة، وعندما أغلقت جريدة المصرى انتقل إلى (دار أخبار اليوم الأخبار اليومية – الجيل - آخر ساعة) وكان يدرس ويساعد والدته ويرعاها ويقوم بتغطية أحداث المقاومة فى وقت واحد..


«رحلة الهروب».. جانب آخر لم يستطع التاريخ تجاهله فى «سيرة شردى الأب»، حيث يقول، محمد مصطفى شردى عن تفاصيل تلك الرحلة: عندما خرج أبى من بور سعيد هرب عن طريق بحيرة المنزلة بعد تصويره للأفلام، فتنكر فى زى الصيادين، ورحلة الهروب عبر هذه البحيرة كانت على عدة مراحل فكان يركب من مركب لمركب حتى نزل فى منطقة يخوض فى مائها ماشيا، والماء فيها كان يصل إلى صدره، والغاب فى البحيرة غزير ففى ساعة الغروب فوجئ بمدفعية تظهر له من مسافة قريبة فتوقف وخاف ولم يتحرك حتى لايتم إطلاق النار عليه، وظل طوال الليل بالماء حتى طلع النهار ففوجئ أن المدفعية التى كان يراها عبارة عن عربة كارو ملقاة فى الماء.


«وعندما وصل إلى القاهرة كانت ملابسه وهيئته يرثى لها، ودخل على مكتب مصطفى أمين ليوصل له الأفلام، التى قام بتصويرها فى الوقت الذى لم يكن يعلم فيه أحد أنه قام بالأمر، وكانت كل أمانيه وقتها أن يأكل ويستحم ويبدل ملابسه، فأخذ مصطفى أمين الأفلام منه، وأصدر أوامره بتحميضها، واتصل بعدها بالرئيس جمال عبد الناصر ليطلعه على الأمر، والرئيس طالبه بالسفر فورا بالصور إلى الأمم المتحدة.


وعن رحلة العودة إلى بورسعيد، التى اتضح أنها كانت أسهل من الخروج، يحكى «شردى الابن» قائلا: بعد أن سلم والدى الصور لمصطفى أمين أراد العودة إلى بورسعيد للبقاء بجوار والدته، ولأن الدخول كان أسهل من الخروج فكان الاستغراب كيف خرج بهذه الأفلام من بورسعيد، فطلبوا منه أن يشرح لهم كيف فعل ذلك، ليتحول الطريق الذى استخدمه أبى فى خروجه من بورسعيد بعد هذا إلى طريق يتم استخدامه لتهريب السلاح للمقاومة الشعبية فى بور سعيد، وكان أبى دائما يقول بورسعيد ليست مجرد مدينة باسلة وليس شعبها مجرد بشر قاوموا العدوان، إنما هى مدينة قهرت غزاة أقوياء وعلى أرضها انهارت إمبراطورية عظمى كانت لا تغيب عنها الشمس، لكنها غابت على أرض بورسعيد والسر فى ذلك رجالها الأشداء الأقوياء الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم من أجل بورسعيد ومصر.


«دموع شردى الأب» رواية أخرى كانت حاضرة فى الحوار مع محمد مصطفى شردى، والتى قال عنها: «هذه قصة لن أنساها أبدا، حيث إننى كنت أدرس فى الولايات المتحدة، وجاء أبى فى زيارة لى، وكنت أحكى له تفاصيل حياتى، وذكرت له كيف أن الجامعة بها مكتبة كبيرة أجد فيها كل ما أريد، وأنها تمتلك أرشيفًا عن كل شيء، وكانت زيارته تواكب أعياد الكريسماس فى أمريكا، وفى الوقت ذاته تواكب ذكرى حرب ٥٦، وطلب منى أن استخرج له المجلات الأجنبية ليرى ماذا كتبت عن ٥٦، ووقفت أمام علاف مجلة ما، وتصفحت له صورها، وفى هذه اللحظة رأيت دموعه تنزل، عندما وجد أسماء مصورين أجانب مكتوبة على صورهم، ووجد صورا رئيسية مكتوبا تحت «المصور غير معروف»، وعندما تساءلت عن سبب بكائه، أخبرنى أن الصور المجهولة هى ذاتها التى التقطها أثناء العدوان، والتى سلمها مصطفى أمين للأمم المتحدة، وأخبرنى أن مصر لم تعلن هذا الأمر، ولهذا دائما أقول بأنه حتى الآن لم يكرم مصطفى شردى حق التكريم، ولم تعلن مصر عن اسمه لأنه هو المصور الوحيد، الذى صور العدوان الثلاثى بصوره، التى أنقذت مصر كلها، ولم يحصل على حقه، الذى كان يجب أن يحصل عليه فالأول مرة أشعر بالعجز أمام دموع أبى فلو كانت قصة أبى فى هوليوود كانت صنعت عليها أفلام وهناك صور كثيرة لم يفرج عنها حتى الآن عن ٥٦ أرجو أن تخرج للعالم ليعرف الجميع خداع وكذب هذه القوى.


«حزن ودموع الأب»، كان بابا للتساؤل حول سفر «شردى الأب» إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبقائه فيها، وهو تساؤل أجاب عنه الابن بقوله: شعر أبى فى فترة من الفترات أنه يجب أن يبتعد عن أجواء البلد، التى لم يكن راضيا عنها، ولهذا عاش فترة فى الولايات المتحدة، وفى عام ١٩٥٨ سافر إلى لبنان ليغطى أحداث الحرب الأهلية هناك وفى عام ١٩٧٠ كلفته أخبار اليوم مع مجموعة من الطيور المهاجرة فى الخليج العربى ليساهم فى إصدار صحيفة العروبة القطرية بالدوحة، ثم انتقل إلى أبو ظبى ليؤسس أول جريدة يومية فى دولة الإمارات العربية، وهى الاتحاد وقد أسسها مع نخبة من فرسان الصحافة أمثال (جمال بدوى وجلال سرحان وغيرهم) ثم اشترك فى تأسيس جريدة الوفد الأسبوعية عام ١٩٨٤، وبعدها تولى رئاسة جريدة الوفد، وظل فى هذا المنصب وفى مصر حتى توفاه الله فى ٣٠ يونيه من العام ١٩٨٩.


لماذا لم يسافر «شردى الأب» إلى الأمم المتحدة ليعرض صوره مع الكاتب الراحل مصطفى أمين، تساؤل آخر أجاب عنه «شردى الابن» بقوله: فى هذا التوقيت كان والدى صغير السن فكان لديه ١٦ سنة، وفى ذلك الوقت صاحب القرار لم يكن مصطفى أمين، وحتى اليوم عندما أجلس مع أشخاص أعرف أنهم أصدقاء أبى أجدهم يخبروننى أنهم كانوا يأتون بالأفلام له ليصور فى السر لأنه كان تحت الحصار والضرب، و كان لديه كاميرا رولفلكس مثل الصندوق، وأصبح كل هم أصدقائه إيجاد أفلام لـ»مصطفى»، ليلتقط الصور وكان يضع والدته على عربة كارو ويسير بها من حارة لحارة حتى يحميها من الضرب وفى نفس التوقيت يقوم بتعليق الكاميرا فى رقبته والأفلام فى كيس بلاستيك بجوارها ويلتقط الصور ليؤرخ لهذا الحدث دون أن يطلب منه أحد ذلك، حبا فى بلده فقط فى الوقت التى كانت بور سعيد كلها مقاومة شعبية تلاعب العدو بكل الوسائل حتى القطط، ولهذا أقول بأنه بالطبع كان يتمنى أن يكون بجوار مصطفى أمين يعرض الصور يحكى حكايتها بالمشاعر التى عاشها.