العدوان الثلاثى وانتصار الإرادة المصرية

26/10/2016 - 9:09:42

  جلاء القوات البريطانية عن مصر جلاء القوات البريطانية عن مصر

بقلم: رجائى عطية

كنت فى الإجازة الصيفية بعد الانتقال من السنة الأولى إلى السنة الثانية بكلية الحقوق جامعة القاهرة ، حين صافحنا عبر الإذاعة ، صوت جمال عبد الناصر فى احتفال المنشية مساء ٢٦ يوليو١٩٥٦ ، وهو يقول : « تؤمم شركة قناة السويس العالمية شركة مساهمة مصرية » .


ربما لا يستطيع أبناء الجيل الحالى أن يقدروا وقع هذه العبارة ـ أو هذا القرارـ على المصريين فى ذلك الوقت ، فلم نكن قد أزحنا الاحتلال الإنجليزى الذى جثم على أنفاسنا ومقدراتنا أكثر من سبعين عامًا ، ولم يكن قد مَرَّ سوى أقل من عامين بعد الجلاء عن قاعدة القناة فى أكتوبر ١٩٥٤ ، ولم يكن قد جف اجترار مأساة القناة التى بدأ الحفر فيها عام ١٨٥٩ بمعاول وسواعد مصرية ، استشهد منهم نحو مائة وعشرين ألف مصرى أثناء الحفر ، من جملة نحو مليون وخمسمائة ألف مصرى حفروا بسواعدهم هذه القناة ، ثم إذا بعائدها يصب فى جيوب ومحافظ إنجلترا والغرب بعامة ، ولا يقنع هؤلاء بذلك ، وإنما يسعون إلى مد امتياز شركة القناة العالمية ، ليتواصل الاستيلاء على خير مصر !


التهاب الشعور الوطنى


وتلاحق الأحداث


كان استرداد قناة السويس لمصر ، بداية ملحمة ألهبت شعورنا ، وقضَّت فى الوقت نفسه مضاجع الإنجليز والفرنسيين وباقى المنتفعين بريع القناة الذى يصب فى خزائنهم ومحافظهم ، ومصر محرومة منه ، وتلاقى الأمرين للقيام بمشروعاتها ، فتتلقى من أيام ضربة أمريكية ، صلفة متعنتة ، برفض البنك الدولى للإنشاء والتعمير ـ المؤتمر بأوامرها ـ تمويل بناء السد العالى ، فى الوقت الذى سحبت فيه الولايات المتحدة موافقتها على المساهمة فى التمويل ، ورفضت تسليح الجيش المصرى ، بينما تسلح إسرائيل بما تشاء لتشن من وقت لآخر هجماتها على سيناء وغزة ، ثم لا تقبل سعى مصر المشروع للحصول لجيشها وللدفاع عن أراضيها ـ على السلاح من التشيك والروس ، وتنبرى وتضغط ومعها معسكرها ـ ما وسعها الضغط ـ لإلغاء الصفقة ، مثلما ضغطت ما وسعها الضغط لإثنائنا عن رفضنا ومهاجمتنا لحلف بغداد ، ولسياسة الأحلاف والقواعد فى منطقتنا بعامة ، ثم جعلت تضغط حتى أجبرت البنك الدولى على قتل أملنا فى نماء بلادنا ، فيرفض ـ بغير ذريعة ـ وتسحب هى موافقتها على المساهمة فى تمويل بناء السد العالى الذى تعقد مصر الآمال عليه فى حمايتها من الشح المائى ، وزيادة الرقعة الزراعية لتحقيق الخير والنماء لشعبها الذى دفع من حياته لحفر وإتاحة « قناة السويس » ممرًّا مائيًّا لخير العالم ، وتذهب عوائدها لمحافظ وخزائن ذات هؤلاء الذين صادروا على مستقبلها ، وتنكروا لتمويل مشروع السد العالى ، وسحبوا الموافقة على القرض الذى طلبته مصر لإقامته .


كلمة السر فى خطبة الزعيم


واستلام مصر إدارة قناتها


يروى لنا حافظ إسماعيل ، فى كتابه الضافى :« أمن مصر القومى فى عصر التحديات » ، أنه فجر ٢٦ يوليو ١٩٥٦ ، كان مع عدد من قادة القوات المسلحة فى الطريق إلى الإسكندرية لحضور مؤتمر مفاجئ أخطروا فيه بما سوف يعلنه جمال عبد الناصر فى المساء بخطابه التقليدى فى عيد الثورة بميدان المنشية ، وبكلمة السر المتمثلة فى إعلان قراره بالقانون ٢٨٥ / ١٩٥٦ ، لتنطلق مجموعات العمل التى شُكلت لاستلام مقرات شركة القناة فى بور سعيد وبور توفيق والإسماعيلية والقاهرة ، لتولى إدارة القناة ، وقد كان وأُنجزت العملية بنجاح تام فى العاشرة مساء ذلك اليوم التاريخى .


انتفاض إنجلترا وفرنسا


والحلف غير المقدس


لمصادرة الإرادة المصرية !


انقضَّ خبر التأميم كالصاعقة على « إيدن » فى العشاء الرسمى الذى كان يعقده لملك العراق ونورى السعيد مساء ذلك اليوم فى مقر رئيس الوزراء البريطانى ( ١٠ داوننج ستريت ) ، وسرعان ما استدعى بعض وزرائه ورئيس أركان الإمبراطورية والسفير الفرنسى والقائم بالأعمال الأمريكى « فوستر » ، لاجتماع عاجل ، ومعهم « جورج بيكو » المدير العام لشركة القناة العالمية ، ورفعت القوات البريطانية درجة استعدادها فى البحر الأبيض المتوسط ، وتوالت البرقيات والاتصالات والاجتماعات ، لمواجهة ما سُمِّى بالقرار التعسفى لمصر ، وانتقل « جون فوستر دالاس » إلى لندن فى ٣٠ يوليو ليشارك فى اجتماعات « سلوين لويد » ووزير الخارجية الفرنسى « كريستيان بينو » ، وليلتقى برئيس الوزراء البريطانى « أنتونى إيدن » ، وليطلب السفير الأمريكى « بايرود » موعدًا عاجلاً مع الرئيس عبد الناصر ، يبلغه فيه برسالة دالاس بالعواقب الخطيرة التى تترتب على التأميم ، وليلوِّح بأن الولايات المتحدة تتصدى لرغبات حلفائها فى الحل العسكرى ، وعارضًا مقترحًا أن تعلن الولايات المتحدة أنها سوف تكون مستعدة لإعادة النظر فى تمويل السد العالى إذا قبل الرئيس عبد الناصر إنشاء هيئة دولية للمنتفعين من القناة تتولى مسئولية حرية الملاحة فيها . ولكنه لم يظفر من عبد الناصر إلاَّ بالنظر فى هيئة استشارية من مستعملى القناة تتشاور معها الإدارة المصرية فيما ترى استطلاع الرأى فيه من مشروعات ، كتوسيع وتعميق القناة وزيادة كفاءتها .


رفض قرار مؤتمر لندن


الذى جاءت به لجنة منزيس !


وسحب المرشدين الأجانب !


بينما كانت الاستعدادات العسكرية الإنجليزية والفرنسية ـ جارية على قدم وساق ، ووسط قعقعة السلاح ، رفضت مصر ما جاءت به لجنة « منزيس » إلى القاهرة حاملة قرار مؤتمر لندن بتدويل القناة ، وأكدت مصر حرية المرور بالقناة ، وتحسين إمكانياتها لمواجهة مطالب الملاحة فى المستقبل ، وعدالة الرسوم ، وقيام إدارة القناة (المصرية) على كفاية فنية .


وسرعان ما تكشَّفت باقى خيوط المؤامرة ، فانسحب المرشدون والفنيون الأجانب عدا اليونانيين واليوغوسلاف ـ بتحريض وتعليمات ووعود ومكافآت من شركة القناة العالمية ، كيما يستند الحلف غير المقدس إلى تعطل الملاحة للتهيئة للعمل العسكرى المزمع لإعادة السيطرة على منطقة القناة وعلى القاعدة التى أخلتها بريطانيا , بدعوى حرية الملاحة بالقناة , وأنه لا ضمان لها إلاَّ بوجود سلطة دولية عليها .


ومع أن ثلاثة أرباع المرشدين الأجانب انسحبوا بين يوم وليلة , إلاَّ أن مصر تجاوزت هذه المؤامرة بمن طفقت تدربهم سريعًا من ضباط البحرية المصرية , بالإضافة إلى المرشدين اليونانيين واليوغوسلاف الذين اختاروا أن يقفوا إلى جانب مصر , بالاستمرار فى عملهم . وفشلت هذه المؤامرة , واستمرت الملاحة فى القناة , وانتصرت مصر فى أول مشاهد هذا الصراع .


العدوان الثلاثى ؛


رغم كل شىء !


استثار الاستفزاز الغربى الحكومة السوفيتية , فأصدر الكرملين بيانًا بأن الاتحاد السوفييتى لا يستطيع أن يقف بعيدًا عن مسألة السويس , لأن أى مساس بالسلام فى الشرقين الأوسط والأدنى , سوف يمس أمن ومصالح الاتحاد السوفييتى .


وفى الأمم المتحدة , بعد مجاهدات كثيرة للتعطيل , فعطلت إنجلترا وفرنسا انعقاد مجلس الأمن ليتاح تنفيذ مؤامرة التحالف الثلاثى الذى انضمت إليه إسرائيل , والذى يستهدف بالعدوان الثلاثى إعادة احتلال مصر للسيطرة عليها , بتشتيت مصر بالقتال على جبهتين : سيناء ومنطقة القناة ٠


ورغم أن الأمم المتحدة تم الاتفاق فيها حول ستة مبادئ تكون أساس التسوية : سيادة مصر على القناة . حرية الملاحة . عزل إدارة القناة عن السياسة . اتفاق مصر مع هيئة المنتفعين حول رسوم المرور . تخصيص نسبة من الرسوم لتطوير القناة . الالتجاء للتحكيم فى حالة اختلاف مصر وشركة القناة المؤممة . ورفضت مصر طلب بريطانيا وفرنسا أن تتعاون مصر مع هيئة المنتفعين .


قوات التحـالف


وخطـة العـدوان


حشدت قيادة الحلفاء ، فى شرق البحر الأبيض ، قوة جوية ضمت : ١٢٠ قاذفة قنابل تعمل من قواعد مالطة وقبرص ، و ٢٠٠ قاذفة مقاتلة بريطانية و فرنسية ، و ٢٥٠ مقاتلة على خمس حاملات طائرات فى شرق البحر المتوسط .


أما الحشد البحرى الأنجلو فرنسى ، فضم خمس حاملات طائرات على متنها ٢٥٠ مقاتلة + ٧ بوارج وطراد بالبحر الأحمر + ١٧ مدمرة إحداها بالبحر الأحمر + ١٤ فرقاطة اثنتان منها بالبحر الأحمر + ٧ غواصات .


وضم حشد الاقتحام ـ غير القوات الإسرائيلية الجوية والبرية المكلفة بواجب آخر ـ ضم الفرقة الثالثة المشاة البريطانية + الفرقة العاشرة مظلات الفرنسية + اللواء ١٦ مظلات + اللواء ٣ مشاة بحرية + ٣ كتائب مشاة بحرية + الآلاى السابع الميكانيكى ، بالإضافة إلى الفرقة العاشرة المدرعة الإنجليزية المتمركزة على أهبة الاستعداد فى ليبيا .


البداية على جبهة سيناء


بدأت خطة استدراج القوات المصرية إلى سيناء ، لتخلية المجال للهجوم الأنجلو فرنسى المدبر على القناة والداخل المصرى ، من يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ ، بالجانب المكلفة به إسرائيل على جبهة سيناء ، فقامت القوات الإسرائيلية باحتلال قاعدة شرم الشيخ ، وتحاشت القوات الجوية الإسرائيلية الدخول فى صدام مباشر مع قواتنا الجوية التى كانت ترابط حول منطقة رفح ومنطقة أم قطف على المحور الأوسط لسيناء ، وفى منطقة العريش .


واكتفت إسرائيل فى خلال الـ ٤٨ ساعة الأولى بإنزال قوات مظلية عند ممر متلا ، وعززتها فى اليوم التالى ، بينما انتشرت ألويتها المشاة والمدرعة أمام رفح وأم قطف ، وكانت نسبة التفوق للقوات الإسرائيلية إزاء مواقعنا الدفاعية ٣ : ١ وحققت إسرائيل بذلك هدفها الأول ، وهو خلق المبرر المتفق عليه داخل التحالف الثلاثى غير المقدس ، للتدخل الأنجلو فرنسى الذى يستهدف منطقة القناة .


وفى مساء ٣١ أكتوبر ، بدأت عمليات واسعة النطاق ضد القوات الجوية المصرية فى منطقة القناة / الدلتا ، بغرض تدمير القوات الجوية المصرية ، ومن ثم كان الانسحاب إلى غرب القناة خلال ليلتى ٣١ أكتوبر إلى ٢ نوفمبر ، هو التصرف الحتمى الصائب إزاء التفوق الساحق لقوات التحالف الثلاثى بالاشتراك مع القوات الجوية الإسرائيلية .


الإنذار الأنجلو فرنسى العجيب !


مع تعطيل مجلس الأمن عن أداء دوره !


كان الاتفاق أن يبدأ التفاوض فى جنيف حول المبادئ الستة التى قررتها الأمم المتحدة ـ فى ذات يوم ٢٩ أكتوبر الذى شنت فيه القوات الإسرائيلية هجومها على جبهة سيناء , وفى ذات الليلة التى بدأ فيها العدوان ، دعا أيزنهاور مجلس الأمن إلى الاجتماع , وسط أمارات تدل على أن الولايات المتحدة لم تعد راضية عن الغزو الأنجلو فرنسى المسلح لمصر , وبرغم استجابة الولايات المتحدة لاعتراض سلوين لويد على نعت إسرائيل فى القرار بالعدوان , وتعديل المشروع , وبرغم أن مشروع القرار جاء متوازنًا حيث نص على احترام اتفاقية الهدنة التى خرقتها إسرائيل بعبور قوتها للحدود المصرية , ودعوتها للانسحاب فورًا خلف خطوط الهدنة , ودعوة جميع الأعضاء للامتناع عن استخدام القوة , ودعوة الأمم المتحدة لضمان بقاء واحترام اتفاقات الهدنة , والامتناع عن تقديم أى مساعدات حربية أو اقتصادية أو مالية إلى إسرائيل إذا لم ترضخ لهذا القرار , مع رجاء السكرتير العام أن يحيط المجلس علمًا بالتطورات وأن يقدم التوصيات التى يراها كفيلة بعلاج الموقف ودعم السلم .


إلاَّ أن العجب العجاب أن إنجلترا وفرنسا استخدمتا « الفيتو » لرفض مشروع هذا القرار !


ثم كان الأعجب أن أصدرتا فى نفس اليوم , بعد اجتماع قمة مشترك بينهما ، إنذارًا عجيبًا جدًّا , يلزم القوات الإسرائيلية والمصرية بالانسحاب بعيدًا عن قناة السويس بعشرة أميال , بزعم ضمان الملاحة فى القناة .


ولم يكتف الإنذار الأنجلو فرنسى العجيب , بهذا العجب , والذى فحواه تمكين القوات الإسرائيلية من تكريس احتلالها للأراضى المصرية فى سيناء , ومنع القوات المصرية من الدفاع عن أراضيها , ليكافئ المعتدى بثمرة اعتدائه , وإنما زاد الإنذار بأن توافق الحكومة المصرية على تدخل قوات الدولتين ( الفرنسية والإنجليزية ) ودخولهما إلى المواقع التى تتحكم فى القناة ، فى كلٍّ من بور سعيد ، والإسماعيلية ، والسويس .


وتفضل الإنذار العجيب بمهلة للرد قدرها اثنتا عشرة ساعة !


وتعرت الأغراض بذلك تمامًا !


وبدأت القوات الجوية الإنجليزية والفرنسية فى الإغارة على المطارات المصرية فى العمق المصرى !


وقفة مصر


وصاحت مصر كلها ، تردد وراء عبد الناصر صيحتها الخالدة : « إذا كان قد كُتب علينا القتال ، فلن يوجد من يكتب علينا الاستسلام » .


ومع إعادة القوات المصرية المسلحة توزيعها على ضوء مخطط الهجوم الذى اتضح ، وزعت مصر السلاح على شبابها ، وقد تطوعتُ وقتها مع غيرى فى الحرس الوطنى ، حيث طفقنا نتدرب على السلاح والأعمال القتالية للدفاع عن البلاد .


الهجوم الأنجلو فرنسى


على جبهة القناة


منذ مساء ٣١ أكتوبر ، بذريعة رفض الإنذار البريطانى الفرنسى الذى كان لا بد من رفضه ، أطلقت قيادة الحلفاء فى شرق البحر الأبيض قوة جوية ضمت ١٢٠ قاذفة قنابل تعمل من قواعد مالطة وقبرص ، و٢٠٠ قاذفة مقاتلة بريطانية فرنسية ، و٢٥٠ مقاتلة انطلقت من حاملات الطائرات الخمس فى شرق المتوسط ، لتشن غاراتها الجوية على المطارات والقواعد والمواقع المصرية .


وبدأت الهجوم على بور سعيد فجر ٥ نوفمبر ، والإبرار البحرى إلى شواطئ الميناء صباح ٧ نوفمبر ، وقاتلت القوة المدافعة عن بور سعيد قتالاً باسلاً والتفت حولها عناصر المقاومة الشعبية ، واستمرت فى التصدى للغزو يومى ٧ و ٨ نوفمبر ، بالرغم من صدور قرار وقف إطلاق النيران فى منتصف ليلة ٦ / ٧ نوفمبر ، بعد قصة يجب أن نرويها !


توقع الفيتو الثانى


واللجوء إلى الجمعية العامة


طلبت مصر اجتماعًا عاجلاً لمجلس الأمن لبحث هذا العدوان الصارخ وخرق ميثاق الأمم المتحدة ، ولدى اجتماع المجلس فى وقت متأخر من نفس اليوم لبحث طلب مصر ، اتضح أن حكومتى بريطانيا وفرنسا ستلجآن للفيتو الثانى لوقف قرار المجلس ، فاقترحت يوغوسلافيا دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حيث وضح اتفاق الدول الآسيوية الإفريقية على إدانة العدوان ، وظهر تكتل دولى ضد العدوان لم يسبق له مثيل ، اشترك فيه الاتحاد السوفييتى والكتلة الشرقية إلى جانب مصر .


والعجيب أنه لدى اجتماع الجمعية العامة ، عارضت بريطانيا وفرنسا عرض مشكلة الشرق الأوسط عليها ، فرفضت الجمعية اعتراضهما ، وقدمت الولايات المتحدة مشروع قرار يتضمن وقف إطلاق النار من جانب الأطراف المعنية فورًا ، وتمت الموافقة على هذا المشروع بأغلبية ساحقة .


وفى الخامس من نوفمبر ، وجه الاتحاد السوفييتى إنذاره الشهير لبريطانيا بأنها ستجد نفسها فى مواجهة دولة قوية عنها لن تضربها بالطائرات والسفن ، ولكن بأسلحة أشد وأفتك وهى الصواريخ الموجهة ، كما وجه « بولجانين » إنذاره إلى « بن جوريون » يحذره من مغبة نتائج مسلك إسرائيل .


وتم وقف إطلاق النار فى يوم ٦ نوفمبر ١٩٥٦ ، وناقضه المعتدون ، حتى توقف القتال تمامًا بعد يومين !


لا تطهير للقناة


إلاَّ بعد الانسحاب


صممت مصر على ألاَّ تبدأ تطهير القناة قبل تمام انسحاب القوات المعتدية ونفذت تصميمها ، ولم تبدأ التطهير إلاَّ بعد أن انسحبت القوات البريطانية الفرنسية تمامًا من


بور سعيد يوم ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦ ، وقد صار اليوم عيدًا للنصر .


نعم هو عيد للنصر


تماحك المتربصون والكارهون بأن القوات المصرية المسلحة لم تحقق انتصارًا عسكريًّا فى العدوان الثلاثى ١٩٥٦ ، وهو تماحك يتجاهل أن الحروب : نصرًا أو هزيمةً ، إنما تقاس إلى نتائجها .


والذى لا شك فيه أن التحالف الثلاثى ـ غير المقدس ـ لم يحقق أهدافه من العدوان الثلاثى ، فلم يجر احتلال سيناء ، وأخفق فى احتلال منطقة القناة أو إحياء القاعدة البريطانية التى كانت فيها حتى أكتوبر ١٩٥٤ ، ولم يتم تدويل القناة ، والذى دلّت عليه وأكدته الحوادث ، أن أنتونى إيدن ـ رئيس الوزراء البريطانى ، قد اضطر لقبول وقف إطلاق النار قبل أن تسيطر قواته على بور سعيد ، ثم الانسحاب ، بعد أحداث مائة يوم أنهكت فيها بلاده أزمةٌ طاحنة ، لم يحقق فيها شيئًا من أغراض هذا العدوان الثلاثى والحرب الضريرة التى شنها .


أما مصر ، فلا مراء أن النتائج مثلت نصرًا لها ، فقد حالت بين العدوان الثلاثى وبين تحقيق أغراضه ، وأجبرته القوات المصرية فى النهاية على الانسحاب بلا ثمرة ، وبقيت أراضيها ومياهها طاهرةً من الدنس ، واستعادت قناة السويس وفرضت إرادتها وإدارتها التى ظلت تنمو وتتطور معها القناة إلى يومنا هذا ، وكان من ثمرات تجارب هذه الحرب ، أن استكملت مصر بناء وتسليح قواتها المسلحة على أحدث الأسس وأقواها ، ثم كان من مردودات هذا النصر ، ما جاوز مصر إلى المنطقة العربية ، وإلى العالم الثالث بأسره ، الذى صار ينظر بإعجاب واقتناع واقتداء ، إلى صلابة الإرادة المصرية ، وقدرتها على التصدى لهذا العدوان ـ على المحاور الحربية والسياسية والدبلوماسية ، وقيادته لحركة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز ، وإجبار الاستعمار على التراجع ، ضاربًا المثل لكل الشعوب على أنها تقدر وتستطيع تحقيق ما تريد .