مؤامرة العدوان الثلاثى نهاية إمبراطورية وبداية الناصرية

26/10/2016 - 9:07:26

  عبدالناصر يحتفل بالنصر عبدالناصر يحتفل بالنصر

بقلم : السفير د عزمي خليفة

في مثل هذه الأيام من ستين عاما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي الذي شنته إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء باحتلال مدن القناة لاستمرار السيطرة على الملاحة العالمية بعد قرار الرئيس عبد الناصر بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية، وهيّ القناة التي حفرت بعرق المصريين وجرت فيها دماؤهم قبل مياه البحرين الأحمر والمتوسط، ولهذا العدوان أبعاد ينبغي أن نخلدها لأن تأثيرات هذا العدوان تعدت الزمن بمعني أن ما قبلها كان عالما ونظاما عالميا مختلفا تماما عما بعدها، كما أنها تذكرنا بمفهوم المؤامرة وأبعاده.


هل كان العدوان مجرد اعتداء ثلاث دول على دولة أضعف منهم؟، هل كان عدوانا ضد مصر وهيّ في مرحلة ترتيب البيت بعد قيام الثورة بأربع سنوات فقط؟ لا لقد كان الاعتداء مؤامرة بكل ما تحمل الكلمة من معني، فقبيل الحرب والاعتداء اجتمعت الدول الثلاث في مدينة سيفر بعيدا عن الأعين في العاصمة الفرنسية باريس لوضع خطة الحرب، فكانت الغاية أن تشن إسرائيل حربا خاطفة تحتل بها جزءا من سيناء فتتدخل بريطانيا وفرنسا لفرض إيقاف لإطلاق النار وتأمين حرية الملاحة في القناة.


إلا أن الصمود المصري وكلمات عبد الناصر من فوق منبر الأزهر الشريف أديا إلى سريان روح المقاومة في الجيش المصري وفشلت خطة سيفر لاحتلال قناة السويس، وكان هذا الفشل إيذانا بتغيير موازين القوي، فالحرب ليست نزهة كما أنها ليست منفصلة عن السياسة، بل إنها امتداد للسياسة ولكن بوسائل أكثر عنفا، كما أن الهدف من أي حرب ليس أكثر من كسر إرادة العدو والتسليم بما يطلبه المعتدي، وهنا كان التحول في نتيجة الحرب فمصر لم تستسلم للمعتدين، وكان هذا الرفض المصري أساس التحول في مسار الحرب.


ففكرة الاجتماع في سيفر والتآمر ضد مصر ووضع خطة العدوان بعيدا عن الأعين لم تنجح، رغم أن الحرب كانت مؤامرة مكتملة الأركان، وكان ميزان القوي في صالح المعتدين، وكانت مصر تحاول ترتيب أولوياتها، وكان الشعب يرنو للمستقبل آملا أن تستكمل مصر برنامجيها السياسي والاقتصادي الذي بدأ بإعلان الجمهورية وإلغاء الملكية وإعلان قانون الاستصلاح الزراعي، والمبادئ الستة، فكانت لحظة توحد القيادة مع الشعب والتفاف الشعب حول قائده، وجاء الرفض المصري للاستسلام للعدوان دليلا على إدراك مصر لطبيعة المرحلة التاريخية، فقد أدركت القيادة المصرية أن النظام الدولي في مرحلة تحول فبريطانيا وفرنسا كانتا قوتين آفلتين، وكانت القوي الصاعدة محلهما هي الولايات المتحدة الأمريكية، وثبتت صحة التقدير المصري، فكانت حرب السويس كما عرفت في العالم أجمع مجرد بداية لإطلاق رصاصة الرحمة على الأسد المريض، كما كان التفاف الشعب حول قيادته إيذانا بنجاح القيادة المصرية في التعبير بصدق عن آمال هذا الشعب في الثورة وما طرحته من تغيير، وكان هذا الالتفاف أساسا لتحقيق نصر سياسي بالرغم من الهزيمة العسكرية، فجائزة الحرب رفضت مصر إعطاءها للمعتدين.


كذلك كانت المنطقة قبل حرب ١٩٥٦ مختلفة في أوضاعها السياسية عما حدث بعدها، فمنطقة الخليج بكاملها كانت تحت نير الاستعمار البريطاني، ولم تمضِ سوي بضع سنوات إلا وسلمت بريطانيا بضرورة منح هذه المستعمرات استقلالها ولم تنتهِ حقبة الستينيّات وإلا وكانت بريطانيا تنهي انسحابها، ثم تعلن استقلال هذه المستعمرات عام ١٩٧١.


ولم يكن استقلالا كاملا، فقد دخلت واشنطن لتحل محل بريطانيا في حماية الثروة الحيوية التي تمتلكها هذه الدول الممثلة في البترول، فعقدت واشنطن مع هذه الدول مجموعة اتفاقيات عسكرية استنزفت الثروة الخليجية وحققت أهداف السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، وانتهي الأمر بعد هذا الاستقلال بأقل من ثلاثين عاما وهي بمثابة لحظة في عمر الأمم والشعوب انتهي بدخول العراق حربا ضروسا ضد إيران ثم احتلال واشنطن للعراق الشقيق.


واستكمل الحامي الجديد كل أهدافه وأدرك أن الأفق يلوح بعصر جديد تشكله ثورة علمية خطيرة هي الثورة الرقمية فآثر ألا يرحل إلا بعد أن ينسف مصدر الثروة في تلك المنطقة، ألا وهو البترول، فاتجه كعادته إلى رفع لافتة البعبع الجديد أي إيران، ملوحا بأهمية تخفيض أسعار البترول.


كذلك فإن النظام العالمي لم يستكمل أوراق اعتماده إلا بتوقيع اتفاق مع إيران تأمل واشنطن منه تغيير توجهات الدولة الإيرانية نتيجة تذوقها ثمار التعامل الدولي بحسن نية، وهي مسألة أغفلت دراسة تاريخ وجغرافية إيران والتناقضات المرتبطة بسياستها الخارجية.


كذلك تركت حرب ١٩٥٦ آثارها على الاستراتيجية العالمية لإدارة الحروب والأزمات، فالنصر العسكري لم يعد مقترنا بنصر سياسي، ولم يعد مؤشرا له، فمن الممكن أن تنال نصرا عسكريا ويقترن ذلك بهزيمة سياسية لأنك لم تدرك أن النصر معناه كسر إرادة العدو، ولم تدرك جوهر التحولات التي تنطوي عليها التفاعلات الدولية وهو ما حدث في حرب السويس فقد كانت القوة الأمريكية صاعدة على حساب إمبراطوريات متهالكة عاجزة عن بناء بلادها التي خربت تماما بعد الحرب العالمية الثانية وعاجزة عن إدارة مستعمراتها في عصر التحرر القومي.


كذلك نتيجة انفصال النتيجة العسكرية للحرب عن نتيجتها السياسية فقد تغيرت استراتيجية الحرب، فجميع الحروب التالية لحرب السويس انتهت إلى ضرورة التفاوض السياسي في إحدي مراحلها، حدث هذا في حربي ١٩٦٧، و١٩٧٣ وفي حرب الهند وباكستان، وإن اختلفت نتائج التفاوض من حالة لأخرى.


وأخيرا كان صعود الناصرية محليا وعالميا فقد تدعمت عالميا سياسات الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، كما زادت عدد الدول المؤمنة بهذه السياسات في العالم وتدعم دور ناصر وتيتو ونهرو وسوكارنو، وأصبحت كتلة عدم الانحياز كتلة يحسب حسابها عند التصويت في الأمم المتحدة.


إذن حرب ١٩٥٦ تخطت زمانها وتخطت المفاهيم التي كانت سائدة وقتها وأسست لعصر جديد ومفاهيم جديدة، ولذا كانت تأثيراتها تفوق ما كان متوقعا عالميا وإقليميا.