مطلوب - فورًا- نوبة صحيان

26/10/2016 - 9:03:46

  آثار الدمار والخراب على بورسعيد آثار الدمار والخراب على بورسعيد

بقلم: أحمد النجمى

قالها عربى فى يوم من الأيام قبل قرون طويلة. كان العرب مضرب المثل فى قول الحكم. شعرًا أو نثرًا، مضرب المثل فى قدرتهم على «نحن» كلمات هذه الأمثال، وفى قدرتهم على الوصول إلى أحكام حقيقية تعيش أزمانًا طويلة.. وتتحقق حين تتكرر دوائر التاريخ بشروط جديدة وصورة جديدة ولكن بنفس الأهداف القديمة، ولايزال الشرق شرقًا ولايزال الغرب غربًا من ١٩٥٦ إلى ٢٠١٦..!


ولا تزال مصر- وستبقى- مركز هذا الشرق وفى قلبه تمامًا، ولا يزال الاستعمار بأفكاره القديمة يسكن عقول الغرب، يستوطنها، مستهدفًا مصر بصفة خاصة والشرق كله بصفة عامة، ما حدث فى ١٩٥٦ هو ذاته ما يحدث فى ٢٠١٦ بصورة أكثر ضراوة.. كل ملامح الصورة تتكرر، كل كلمات الحوار فى هذا (الفيلم الاستعمارى) تتكرر!.


(كان العدوان الثلاثى على مصر فى أواخر أكتوبر ١٩٥٦، قرارًا همجيًا موتورًا مسكونًا بروح استعمارية مغرورة، لكنه كان يمثل- فى خلاصته- مشروع الاستعمار، أمم ناصر العظيم قناة السويس «شركة مساهمة مصرية» فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦، فثارب ثائرة الاستعمار الذى لم يستوعب أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة (الاستعمار الأنجلو فرنسى)، كيف تؤمم مصر قناتها فتقطع أرجلنا فى الشرق الأوسط ومن ورائه آسيا.. وتحرمنا من المغانم الاستراتچية والاقتصادية فى آسيا وبلاد العرب؟ لم يستوعب هؤلاء أن قطبى العالم لم يعودا بريطانيا وفرنسا إنما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى!.


لكن خالد الذكر «جمال عبدالناصر» كان يستوعب هذا ويراهن عليه!


ولابد أنه حسب هذه الحسبة قبل إعلان قرار التأميم!


ما يهمنا هنا هو أن قرار العدوان الثلاثى كان ضد إرادة مصر، وضد قرارها المستقل، أمم الزعيم جمال عبدالناصر القناة، ليبنى الوطن من أقصى الجنوب، حيث السد العالى إلى الإسكندرية والقاهرة شمالًا.. وفى الطريق بين أسوان والإسكندرية- مرورًا بالقاهرة- شيد ناصر بأموال قناة السويس الصناعة والتعليم والصحة وأعاد تشكيل مؤسسات الدولة لصالح الفقراء ومتوسطى الحال.. و..و..و.. مما لا يسمح المجال بالاستفاضة فيه ما بناه جمال عبدالناصر لمصر، ودرة التاج من هذا الجهد بناء ناصر للقوات المسلحة العظيمة بعد ١٩٦٧..! زحف العدوان الثلاثى ضد إرادة مصر وقرارها المستقل الوطنى (الضرورى) أى الذى فرضته الضرورات الوطنية المصرية وقتئذ.


كانت قبل معركة التأميم والعدوان الثلاثى الذى صمدت له مصر قرابة الشهرين - لاسيما محافظات القناة التى تعرضت للغزو الأجنبى وبورسعيد فى المقدمة منها - معركة أخرى.. اسمها (تمويل السد)، تخلت فيها أمريكا عن التمويل؛ خشية أن تتمدن مصر وتنمى اقتصادها بصورة مستقلة!


الشعب المصر قاوم من خلال بورسعيد وكل مدن القناة، وصنع بطولات خلدت بأسماء أبطاله فى دفاتر التاريخ، وانتصر الشعب الطيب الراضى القنوع على دولتين كانتا (الأعتى) فى العالم، حتى وقت قريب من العدوان ومعهما الدولة الصهيونية التى تحالفت معهما الدولة واحتلت سيناء!


يتكرر السيناريو ذاته مع مصر الآن بعد ٦٠ سنة، لا أتذكر اسم الشخص ولا مهنته الذى قال ذات يوم إن مصر تمر بتجربة عظيمة كل ٦٠ أو ٧٠ سنة.. وإذا (حسبناها) لوجدنا فترات: محمد على، إسماعيل، ناصر، السيسى، تقع على هذه المسافة تماما.. لا نحل الأحاجى ولانستهدف التسرية.. إنها - ذاتها - فكرة دوائر التاريخ المتكررة التى ذكرناها فى المقدمة..!


فبعد ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ المجيدة تم البدء فى هذه الحرب ضد مصر.. التى نقضت الغزل الغربى للشرق الأوسط، وهو الغزل على وتر تقسيم دول العرب إلى دويلات على أسس عرقية - ومذهبية - لصالح إسرائيل! نفس المشروع القديم - ونفس (محور الشراكة) بين مصالح الغرب وإسرائيل.. الذى يستهدف افتعال الأزمات وحصار الرئيس السيسى لتركيع مصر، فإن لم يكن.. فهدمها وتقسيمها!


من هنا ينشط فن (صناعة الأزمة)، الجديد الذى يجعل هناك اختلافاً فى (الشكل) بين منحنى ١٩٥٦ التاريخى ومنحنى ٢٠١٦ التاريخى، إننا فى المنحنى الأول كنا نواجه عدوًا خارجيًا، وفى المنحنى الثانى عدوًا خارجيًا وآخر داخليًا (الإخوان وأعوانهم)، كما أن سطوة وسائل الاتصال الحديثة دخلت طرفًا فى المعركة ولم تكن موجودة فى ١٩٥٦.. من هنا ينشط بث مقاطع اليوتيوب المحرضة على الدولة (لعل أشهرها مقطع سائق التوك توك إياه)، ومواقع التواصل الإجتماع، والتهديدات الوهمية التى يدبرها الإخوان وحلفاؤهم بانقسامات داخل الجيش.. كلها أدوات تستخدم فى معركة التحدى الأصعب لمصر فى ٢٠١٦، المعركة التى تستهدف الرئيس السيسى ومن ورائه الدولة المصرية كلها!


ونحن نعمل - على سبيل المثال - فى هذا العدد التاريخى الضخم الفريد من نوعه بين أعداد «المصور» جاءنا الخبر الأسود باغتيال العميد أركان حرب (عادل رجائى) أحد أبطال قواتنا المسلحة، أحد أبرز أبطال المعارك ضد الإرهاب الجبان المأجور فى شمال سيناء، الرجل الذى أذاق الويلات لهؤلاء المرتزقة، اغتاله الجبناء أمام بيته، لقد توحش الإرهاب ونقل المعركة - إذن - إلى قلب الوادى، بعد أن اشتدت ضربات القوات المسلحة ضده فى شمال سيناء، والضربات فى قلب الوادى أشد إيلامًا وأشد شراسة، لاسيما أن طالت ضابطًا عظيمًا من ضباط قواتنا المسلحة، بل أحد أبطالها الكبار فى الميدان..!


عنوان مهم ونقلة نوعية فى المعركة.. تجعل (تحدى الداخل) أكثر ضراوة (يكتب الباحث المختص فى شئون الإسلام السياسى «أحمد بان» « مقالًا مهمًا عن دلالات اغتيال العميد البطل (عادل رجائى) وتداعيات الحادث ومدى خطورته..)، والمطلوب نوبة صحيان للجميع، الكبير والصغير، الحاكم والمحكوم، جهاز الدولة ومن يتعاملون مع جهاز الدولة، مطلوب صحوة حقيقية وطنية شاملة ضد التحديات الخارجية والتحديات الداخلية.. لسنا سياسيين لنقدم بنود هذه الصحوة.. لكننا يقينًا نستطيع أن نلخصها فى: دولة قانون حاسمة وناجزة، عدالة اجتماعية حقيقية وملموسة، آلية لمحاربة الإرهاب فكريًا وأمنيًا معًا بلا هوادة، حياة أقل قسوة على الفقراء ومتوسطى الحال، انفتاح ثقافى وفكرى وإصلاح دينى.


نقابل كل هذه التحديات الآن بروح لا تطمئن.. أتكلم هنا عن الأغلبية لا عن الرئيس أو القوات المسلحة أو الأجهزة الوطنية، باقى الدولة دخل فى نفق النسيان.. فإن أفاق، أفاق على وقائع نصب، واحتكار، وتجويع للشعب، بواسطة رجال أعمال جشعين يتاجرون فى أقوات الشعب، ويمارسون الاحتكار وتتربح المليارات على حساب الفقراء.. كأحمد الوكيل (شهبندر التجار)، الذى نراهن على أنه وراء أزمات سلعية متعددة واجهت المصريين - ولاتزال - فى هذه الأيام.. رئيس اتحاد الغرف التجارية التى أحالت الحياة اليومية للمصريين جحيمًا!.. أو من يمارسون النصب باسم الرئيس تارة وباسم القانون تارة.. الرقابة الإدارية ألقت القبض - ونحن نكتب هذه السطور - على رجل ينتحل صفة (مستشار الرئيس) ويتاجر فى السكر وينصب باسم الرئيس!.


ما هذا؟ أيناسب أن تكون الحال هكذا ونحن فى حرب حقيقية، بل فى حرب ضروس وتحد مزدوج فى الداخل والخارج؟ مصر تواجه مالم تواجهه من قبل، والشواهد كثيرة جدًا، خارجيًا وداخليًا.. أتكون «الجبهة الداخلية» على هذا النحو من الفوضى والضعف والتخلخل والوقوع تحت رحمة «جماعات الضغط، وتردى الأداء الحكومى والحزبى والثقافى والفكرى»؟!


مطلوب نوبة صحيان.. ليعلنها الرئيس مدوية، فى كل المجالات، على أسس دولة نصبو إليها جميعًا، صار تجسد هذه الدولة «حتمية» تفرضها حقائق المرحلة التاريخية، لايصلح ولا يجوز ولا يصح ولا يستقيم مع الحال.. أن نعيش فى «شبه دولة» جزء منها يعمل ويتفانى ويستشهد، والجزء الأكبر لا يقدم شيئًا سوى «مصمصة الشفاه» مطلوب نوبة صحيان.. تأخرت وصارت إطلاقها ضرورة، على مستوى الجمل الشكسبيرية الشهيرة «نكون.. أو لا نكون»..!