«عزيزة البورسعيدية»

26/10/2016 - 9:00:08

بقلم: حمدى رزق

فتحت عينى على « عزيزة «،  شابة سمراء فارعة الطول، كانت تنال مديح جدتى « روحية «، كانت تسكن غرفة علوية فى مسكن جدتى القديم بشارع راغب بمنوف، لم تسكن مع المهجرين من أهل بورسعيد فى مساكن الإيواء خلف مدرسة منوف الثانوية، كنا نعرفهم من لغوتهم، اللهجة البورسعيدية كانت مصدر دهشة ومرح بين المنايفة، كانوا يحكون عنهم عجبا، ويتندرون بنوادرهم، واصطلح على تسميتهم بالمهجرين بدون ألف، أى الذين هجروا قسرا، خلافا للمهاجرين طوعا، كانوا سهراية الليالى القمرية عندما تصدح أغانيهم التى يستعينون بها على الزمان الصعب.


لا أعرف سر غرام جدتى بهذه الشابة البورسعيدية، كانت الحارة تعارفت على لقبها عزيزة البورسعيدية، كانت حمى نشاط، ورغبة أكيدة فى الخدمة الطوعية، تملك قلبا طيبا وكبيرا اتسع لكل الحى الطيب، تسللت إلى قلب ووجدان جدتى، ومن أمتع أوقاتها عندما تجلس إلى جوارها على الفرشة القديمة تحكى عن بورسعيد وأهل بورسعيد وقصصهم، كانت تحكى عوالم ساحرة، تنبسط جدتى بالحكى، وهى من ملوك الحكى.


كان مذاق عزيزة حريفا من البهار الذى تضيفه إلى سمك «الشِّر»، وهو السمك الصغير الذى يهمله الصياد الكبير، كانت تشتريه بقروشها القليلة، وتشويه على «صاج» فوق وابور الجاز، ثم تُتبله فى ماء مالح، وتقدمه إلى جدتى التى سال لعابها، وتسلم إيديكى يا عزيزة.


رحلت جدتى مع الراحلين إلى جنات النعيم، ورحلت عزيزة مع العائدين إلى بورسعيد، ولم تغادر قسماتها الدقيقة ذاكرتى البعيدة، لله درك يا عزيزة، عزيزة عندى هى بورسعيد، وكلما ذهبت إلى المدينة الباسلة أتفرس الوجوه بحثا عن عزيزة، وكلما جلست إلى طعام البحر، تتوق نفسى إلى سمك عزيزة، أسميتها عزيزة هكذا أحدّث نفسى عن بورسعيد، عزيزة على قلبى وفؤادى ومهجتى.


عزيزة تغربت وتهجرت، وحملت على ظهرها ما تنوء بحمله الجبال الرواسى، لم تفقد ابتسامتها فى وجه الزمن الصعب، ولم تهن يوما، ولم تلن عريكتها، صالبة طولها، فاردة قلوعها، تلمس بأناملها الخضراء مثل ذات الدمن أشعة الشمس على سطح المياه الزرقاء تداعب الشط، وتصبّح على الورد المفتح فى جنانين مصر.


قصرت فى حب عزيزة، كما قصرنا جميعا فى حب بورسعيد، لم أحفظ من اسمها سوى اسمها الأول، ولم نحفظ من بورسعيد سوى اسمها الأول، ضاع منى العنوان، ضاع منا العنوان، بورسعيد عنوان عريض لمن ألقى السمع وهو شهيد، وحدها احتكرت البسالة، وحدها اسمها يسبق صفتها، المدينة الباسلة، ونعم الوصف.


أكتب سطورى إلى عزيزة رسالة بعلم الوصول، أتعلمين ياعزيزتى أن ذكرك جاء فى الأثر، وتحدث بك الركبان، وتمثلك الثوار، وقال فيك تشى جيفارا الثائر العظيم شعرا، تخيلى يا عزيزتى أنك ألهمت تشى جيفارا ورفاقه روحا بعد أن تمكن منهم اليأس، ألهمتيهم نصرا، وأنقذتيهم من لجّة الموت، أتعرفين روى عن تشى جيفارا  لدى زيارته إلى قبلة الأحرار والثوار مصر، إنه أشار إلى أن اليأس كاد يصيبهم فى معاركهم ضد قوات «باتيستا واليانكى»، لكنهم واصلوا الصمود عندما سمعوا عن صمود مدينة مصرية صغيرة «بورسعيد» فى وجه كل آلة الحرب من ثلاث دول (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل).


بورسعيد التى فى خاطرى، بورسعيد التى علّمت العالم كله معنى الصمود، بورسعيد التى اخترعت «الفدائى» من الفداء، أدخلت كلمة «فدائى» فى قاموس الوطنية المصرية، وتغنى بها فرسان الأغنية الوطنية، يغنى محرم فؤاد «أنا رايح أتطوع فدائى» وهى أغنية نادرة، ويصدح عندليب الثورة المصرية عبد الحليم حافظ بكلمات أغنية «فدائى» تحية إجلال واحترام.


قبل عزيزة، بورسعيد، لم يكن فعل الفداء قد تجسد، عزيزة علّمت جدتى الحروف كلها، كانت تكتب وتقرأ، كانت تطالع الجورنال، وتحكى لجدتى عن الزوج والأب والعم والخال، عن الفدائيين فى خط القنال، بورسعيد  علمت المصريين حروف الفداء كلها، وصار الفداء نغمة المصريين، وصار الفدائى عنوانا للمصريين صرنا شعبا من الفدائيين فى القنال.


من لم يعش أيام الفداء فى بورسعيد ودحر العنوان الثلاثى سمع بها، وتعجب من هذا الشعب الصامد على شط القنال، سمعت بها من عزيزة بعد أن اكتمل القمر بدرا فى السماء، وشق ناصر طريقه نحو الزعامة، كانت بورسعيد مقرر الصباح فى طابور الصباح، يا لها من صباحات شتوية تشمسها عزيزة بطلة صباحية مشرقة، بابتسامة تفتر عن ثغر بسام، أسنانها بيضاء فى وجه من السمار الجميل، مشرقة كانت ابتسامة عزيزة.


وفى برد الشتاء وعندما يحين يوم عيد النصر فى ٢٣ ديسمبر من كل عام، تغشانا الحماسة والفتوة ونزفر بخارا من قلوبنا المتقدة حماسة ونحن نلهج بالنشيد، وكلمات الوطنى الرائع كمال عبد الحليم على لحن مشتعل لعلى إسماعيل، وبعزم ما فينا يعلو ويعلو ويعلو الضجيج، «دع سمائى فسمائى مُحرقهْ، دع قناتى فمياهى مُغرِقهْ، واحذر الأرض فأرضى صاعقة».. أحن إلى عزيزة أهديها حماسى، وأضرب الأرض بقدمى لتسمع عزيزة، لك حبى وفؤادى.  


كانت عين الصغير تغرورق بالدموع، «هذه أرضى أنا وأبى ضحّى هنا، وأبى قال لنا مزقوا أعداءنا»، وشببنا عن الطوق، وفى نفس كل منا أمانى عذاب، كانت صورة الفدائى كما صورها فيلم «بورسعيد» تداعب الخيال، بالعفريته السوداء، و«الكلبوش فوق الرأس، والأعين المتحدية، وحب الوطن فرض عليا». 


ما الذى فعلته بى عزيزة، أساحرة،  أكانت تضع سحرها فى خلطة السمك، ما الذى فعلته بورسعيد فينا، كيف سكنت قلوبنا، وإليها تهفو أفئدتنا، ما سر هذه المدينة الباسلة، ولماذا هى دوما باسلة، من أين لأهلها هذا الألق، وهذا الوهج، ولماذا صارت مقصدا للثوار، وفخرا للمناضلين، وعنوانا للصمود، ستون عاما على صمودك يا بورسعيد، ستون عاما ولسه شابة وقوية وعفية، وفيك الجمال ألوان.


إذا ذكر الصمود، إذا ذكر القتال، إذا ذكرت الحرب، إذا ذكرت بورسعيد تذكرت عزيزة، فى أول سطر من قصة الملحمة المصرية الخالدة ستجد بورسعيد حاضرة،  فى كل معارك مصر لها نصيب الأسد، وفى كل الانتصارات كانت العنوان، وفى كل الإحن والمحن تتحمل الغرم، لله درك ياعزيزة.