يقول إنه لن يكرر تجربة البرلمان .. ويعود إلى صفوف الفنانين .. المخرج خالد يوسف:المصريون أصبح لديهم القدرة على التغيير

24/10/2016 - 10:18:10

حوار : باكينام قطامش

عندما يمتزج الفن بالسياسة يرتدي ثوبا جديدا شديد الاختلاف عن ثوبه الأصلي .. والفن أداة تعبير عن الواقع الذي نعيشه، أما السياسة فهي محاولة احتواء هذا الواقع وفهم دوافعه من أجل السيطرة عليه وتوجيهه بما يتناسب مع مصلحة الوطن ، ولأن الفنان أو المبدع الحقيقي يتربي وينمو دائما في أحضان الحرية ويقف في وجه كل من يحاول طمسها أو إلغاءها ويصبح من الصعب عليه أن يحيا في عالم الممكن أى «السياسة» تاركاً عالمه وحلمه الخاص جدا الذي يمنحه القدرة علي التنفس والرغبة في التغيير ومصداقية الإبداع.
توجهت بهذا التصور إلي الفنان وعضو البرلمان خالد يوسف وكان هذا الحوار....
النائب أولا ... أم الفنان؟!
يصحح خالد يوسف هذا السؤال قائلاً: فنان أولاً ونائب ثانيا فالفنان يبقي دائما والأهم لأن الفن هو الذي عرفني بالجمهور وأوصلني إليه وجعلني أتواصل مع مجتمعي بصورة أكثر حميمية لذا فهو الأبقي وهو المستمر، أما النائب فيمارس عملا مهما مؤقتا مكلفاً به من الناخبين الذين منحوه أصواتهم وينتهي هذا العمل بانتهاء مدته في البرلمان.
أي من هذين الجانبين المختلفين يطغي علي الآخر في رأيك؟
كنت متأكدا أن النائب سوف يطغي علي الفنان ويمتص وقته بحيث لا يترك أي مساحة لصنع الفن وهذا أمر طبيعي لأن هناك مجموعة كبيرة من أبناء الشعب انتخبت شخصاً بعينه ليكون نائبا عنهم ومعبراً عن مصالحهم ولا يمكن أن يأخذ هذا الشخص الوكالة عن أبناء دائرته الانتخابية ثم يخون الأمانة وبالتالي يصبح للنائب الأولوية علي الفنان وقد ارتضيت أن اختار تلك المهمة لإحساسى أننا نمر بمرحلة حرجة من تاريخ الوطن تتأسس خلالها الدولة الجديدة التي نحلم بها وكنت أشعر أيضا أن هناك دوراً علي أن أقوم به في هذه المرحلة.
هل تسجل تقييمك الشخصى عن تجربتك السياسية أم أنها لم تكتمل بعد؟!
مع الأسف تقييمي لها سلبي فما كان في مخيلتي قبل خوض التجربة أو ما كنت أعتقده أنني سأستطيع عمل فارق ولو ضئيلاً من خلال مكاني كنائب في البرلمان ولكن الحقيقة أني لم أحقق أي فارق فعلي وملموس ولو أنني كنت أعمل بالفن هذه السنوات لاختلف الأمر وأصبح الأمر أفضل كثيراً.
لماذا كان الفن سيصبح أفضل بكثير كما ذكرت؟
أفضل من ناحية الأثر والتأثير لا شك أن الأفلام التي قدمتها قبل الثورة كان لها أثر كبير عند الناس وعندما أحاول أن أحسب تجربتي البرلمانية سأجدها لم تترك أثرا إلا عند قطاع محدود من ابناء دائرتي الذين استطعت أن أحصل لهم علي بعض الحقوق التي سلبت منهم عبر 30 أو 40 سنة.
وكما أننى أشعر أن أمنيات المصريين في التغيير لم تتحقق حتي هذه اللحظة صحيح أنهم عبروا عن تلك الأشواق بكل جلاء في ثورتي 25 يناير و30 يونيه كما عبروا أيضا عن إرادة مجتمعية في إحداث هذا التغيير ولكن عندما أنظر إلي الواقع الموجود فعليا علي الأرض لا أجد أي شيء قد تغير وكأن ثورة لم تقم ورئيساً لم يسقط وشعباً لم ينتفض.
عود علي بدء
هل عدنا كما كنا قبل ثورة 25 يناير؟!
نعم ... عدنا كما كنا وربما أسوأ مما كنا والشيء الوحيد الإيجابي في هذه الحكاية أن مزاج المصريين تغير وأصبح لديهم إدراك أنهم يستطيعون التغيير لسنوات طويلة ترسخ في أذهان الناس يقين بأنهم غير فاعلين والآن أصبحوا يعرفون جيدا أنهم فاعلون متي امتلكوا إرادة جامعة بهذه الإرادة يستطيعون تحقيق ما يريدونه وأعتقد أن الشعب المصري يمنحنا جميعاً فرصة قبل أن يقول كلمته.
ولكن ثورة 25 يناير لم يكن مخططا لها أن تصبح بهذا الشكل وهذا الحجم الذي شاهده العالم كله فهل توافق علي هذا؟!
بالفعل لم تكن الثورة مخططاً لها هذا ولكن دائما تبدأ الثورات والحركات الجماهيرية صغيرة ثم تتسع أو هي تبدأ من حدث صغير ثم تستقطب كل يوم مجموعات جديدة من البشر وهناك عوامل ذاتية وموضوعية تؤدي لهذا لكن دائما يبقي البادئ فرداً أو مجموعة صغيرة من الأفراد يمثلون نقطة الانطلاق ثم تتفجر الأشياء كلها بعد هذه النقطة.
ما هي أهم إيجابيات ثورتي 25 يناير و30 يونيه من وجهة نظرك؟!
أهم هذه الإيجابيات، أن الشعب المصري أصبح واثقا من نفسه وقدرته علي الفعل وليس رد الفعل، والإيجابية الثانية أننا تخلصنا من الإخوان المسلمين ودعاة تيار الإسلام السياسي الذي كانوا يستخدمون الدين لتحقيق أغراض أخري منها السيطرة علي مقدرات هذا الشعب.
جوهر الأخلاق لم ولن يتغير
عن التغيير الأخلاقي الذي نلمسه في الشارع المصري خلال السنوات القليلة الماضية يقول خالد يوسف:
لم يحدث تغيير أخلاقي بالمعني المتعارف عليه ولكن عندما يحدث الانفجار يطفو علي السطح كل شيء كان مكبوتاً وغير ظاهر بشكل جلي وفي رأيي أن منظومة القيم الحاكمة للمجتمع المصري في الثلاثين سنة الأخيرة حدث بها خلل وملامح الشخصية المصرية تغيرت ولكن الحمدلله هو مجرد تغيير سطحي مس قشرة هذه الشخصية وليس جوهرها والسبب فيما حدث أن المصريين لأول مرة في تاريخهم يهاجرون في الثمانينيات من القرن الماضى كان هناك 5 ملايين مصري في العراق ومثلهم في الخليج وهذه كانت أول هجرة جماعية خارج الحدود يمارسها أبناء الشعب الوحيد في العالم الذي لم يعرف الهجرة بل ظل متمسكاً بالوادى ونهر النيل طوال 7000 سنة ولم يتزحزح يميناً أو يساراً حتي لتعمير الصحراء المتاخمة لهذا الوادى ومن هاجروا في تلك الفترة عادوا بقيم مغايرة لقيم المجتمع المصري مما أحدث ذلك الخلل الذي أصاب سطح الشخصية المصرية وبدأت تطفو ظواهر لم تكن موجودة من قبل مثل ظاهرة العنف والدليل علي هذا يمكن أن نلمسه من خلال الأفلام السينمائية فقد كنا قديما نري مشاهد سينمائية لبائعي الجرائد وهم ينادون «اقرأ الحادثة» وهي تدل علي أن مجرد وجود حادث في الجريدة يرفع مبيعاتها لأنه لم تكن هناك حوادث إلا في أضيق الحدود أما الآن فصفحة الحوادث أصبحت متخمة بظواهر عنف غريبة علي المجتمع المصري مثل التشدد والتطرف والإرهاب والتحرش.
ويضيف : ليست الهجرة وحدها هي سبب ظهور هذه الموجات من الظواهر الغريبة فالقهر أيضا أحد أسباب استفحالها وانتشارها والقهر لا يتمثل فقط في غياب الحريات ولكن أيضا قهر الفقر والجوع والحاجة يؤدي إلي نفس النتيجة ولابد من وجود تحليل نفسي وسياسي واجتماعي لكل المتغيرات التي طرأت علينا لأنه من خلال هذا التحليل سنكتشف أن الشخصية المصرية مثل المعدن النفيس الذي قد يصيبه الصدأ عندما يتعرض لعوامل التعرية في الصحراء وسرعان ما يزول هذا الصدأ فور تعريضه للانصهار فيعود جوهره النفيس للوجود مرة أخري.
البعض يرى أن الفن .. مظلوم .. ولكن هل توافق علي الرأي الذي
يقول إن الفن سبب آخر لانتشار ظواهر العنف والإرهاب والبلطجة في الشارع المصري؟!
الفن لا علاقة له بهذا من قريب أو من بعيد بل أؤكد أنه اتهام ظالم للفن ودوره وهذا الاتهام لن أعتبره موجهاً لشخصى لأنني لم أقدم أفلاما منذ خمس سنوات ولكن يقصد اشخاص بعينهم يعتقد البعض أنهم سبب البلطجة وهذا أمر غير حقيقي بالمرة فلا يوجد أي فن في أي مكان يمكن أن يخلق ظاهرة والمشاهد التي يراها الناس علي شاشة السينما موجودة بالفعل علي أرض الواقع بل أحياناً نشاهدها مخففة وليست كما هي فى الواقع كما لا يوجد أيضا مبدع سواء كان حقيقياً أو مدعي إبداع يأتي بجديد ليس موجودا أمامه ومن حوله ولابد أن نعترف أن الفنون والآداب والواقع بينهم ما يسمي «بالديالكتيك» أو الجدل القائم علي التأثر والتأثير فالسينما علي سبيل المثال والواقع كلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه ولكن ما هي حدود هذا التأثير؟!
إذا كانت هناك ظاهرة علي أرض الواقع سواء كانت إيجابية أو سلبية يمكن تكريسها وتعظيمها في السينما فتظهر أعمال مهمة تؤصل لها وتناقشها بجدية ولكن خلقها من العدم أمر مستحيل فلا يمكن أن نقول إنه لم يكن في المجتمع عنف والأفلام هي التي أوجدته فهذا كلام غير منطقي وغير علمي علي الاطلاق.
بصراحة مباشرة يوجه هذا الاتهام إلي أفلام بعض النجوم أمثال «محمد رمضان» فما رأيك؟!
- محمد رمضان لم تقلده الناس بل هو من قلدهم، وما يقدمه موجود وواقع نعيشه جميعاً ولا يجب علينا أن نتهم الأفلام التي يشارك فيها بأنها تختلق شخصيات وهمية ليست موجودة بيننا صحيح أن مثل هذه الأفلام قد تساعد في انتشار ظاهرة ما ولكنها لا تفرض سلوكاً بعينه علي من يشاهدها فهذه السلوكيات موجودة أصلاً.
الارتباك
كيف تري المشهد الفني اليوم؟!
- بالتأكيد المشهد الفني مرتبك شأنه شأن الواقع الذي نعيش فيه وكلنا نعلم أنه لا يمكن وجود سينما ناهضة بدون مجتمع ناهض يعيش حالة من الرواج في كل مجالات الحياة لهذا يكون الارتباك أمراً طبيعياً أصاب السينما كما أصاب مناحي أخري كثيرة في حياتنا، والسينما قبل 25 يناير كانت تعاني من أزمة شديدة ومن إهمال الدولة التي لم تكن مؤمنة بها بل وكان تدفع بسياسات وتشريعات تصب في خندق خنق الصناعة وحتي نتخلص من كل هذا يجب أن ندرك أهمية تأثير صناعة السينما علي المجتمع بمختلف طبقاته وتوجهاته وفي الفترة الأخيرة أعتقد أنه حدث شئ من التغيير في توجه الدولة بالنسبة للسينما فقد التقينا برئيس الوزراء أكثر من مرة وأنا أساساً رئيس لجنة السينما بالبرلمان وقد أعدت هذه اللجنة تصوراً واضحاً ورؤية مرتبة وعلمية لكيفية حل أزمة السينما وليس فقط الخروج بها من أزمتها فنحن نبحث عن السبل التي تعود بها إلي سابق عهدها كصناعة كبري لها تأثيرها العربي والعالمي وكذلك كمصدر هام من مصادر الدخل القومي إيماناً منا بأن الفن أهم أداة من أدوات التغيير وتشكيل وجدان الأجيال الجديدة خاصة وأننا شعب ترتفع فيه نسبة الأمية وبالتالي يتعلم من أشكال الفنون المختلفة.
وقد بدأنا بعرض هذا التصور الشامل الذي وضعناه امام كل المسئولين بداية من رئيس الجمهورية ثم رئيس الوزراء ثم وزير الثقافة واستطعنا أن نروج لرأينا ونقنعهم به ثم تشكلت لجنة وزارية يرأسها رئيس الوزراء وتضم في عضويتها سبعة وزراء معنيين بالصناعة وأصدرت هذه اللجنة عدة قرارات هامة منها زيادة دعم الدولة لإنتاج الأفلام من 20 إلي 50 مليوناً وإنشاء صندوق لتنمية السينما، وإنشاء الشركة القابضة للفنون، كما ندرس الآن كيفية التغلب علي القرصنة وسرقة الأفلام وإعادة هيكلة الرقابة وقد تمت الموافقة علي كل قرارات اللجنة وهي بصدد التنفيذ الآن، وأعتقد أنه بعد هذه القرارات ستتشجع شركات الإنتاج علي العودة إلي الساحة من جديد.
الوقت المناسب
متي سنري فيلماً من إخراجك يتناول كل الأحداث التي مررت بها منذ 25 يناير وحتي اليوم؟!
- أساساً لا توجد أعمال سينمائية عبرت عن الثورة تعبيراً حقيقياً ولا أعتقد أن هذا يمكن أن يحدث قبل خمس سنوات قادمة فالثورة حتي هذه اللحظة لم تنجح بعد، بالنسبة لى لا أستطيع تقديم فيلم عما حدث دون أن أري نتائج هذه الأحداث مجسدة أمامي علي أرض الواقع بشكل حاسم لأنه يجب علي أن أتخذ موقفاً محدداً وانحيازاً واضحاً من خلال رؤيتي الفنية يضع إجابة نهائية لسؤال أساسي هو: هل نجحت الثورة أم فشلت أم نجحت ولكن .. أم فشلت ولكن..!
لن أعود أبداً
إذا عادت بك السنوات إلي الوراء هل ستعود إلي خوض تجربة البرلمان مرة أخري؟!
- لن أكرر هذه التجربة مرة أخري لدي دور ثان أستطيع أن أؤديه هو دور الفنان الذي يخدم الناس ويخدم وطنه من خلال أعماله الفنية.
ما سبب اتخاذك لهذا القرار؟
- تركيبة المجلس لا تسمح لي بأداء أي دور فهناك تيار أغلبية يري أن الدولة في أزمة ولابد أن نترك المركب تسير فليس أمامنا إلا هذا الاختيار وأصحاب ذلك التيار ينادون برأيهم من منطلق وطني وليس منطلقاً استبدادياً وهم يوافقون علي أى شئ تأتي به الحكومة تسييراً للمركب.
كما ذكرت وأنا أقف بينهم وأقول:
«إني مقدر لدوافعكم الوطنية ومؤمن مثلكم بأن المركب يجب أن تسير ولكن إلي أين؟!»
هذا هو الأهم فالدفة إذا لم تتحرك في الاتجاه الصحيح يمكن أن تصطدم هذه المركب بصخرة ونغرق جميعاً..
ومن يتبنون منهجى داخل المجلس أقلية لا تستطيع أن تؤدي دورها وتنفذ تصوراتها بالشكل الصحيح ولا تستطيع أيضاً أن تقنع الأغلبية التي لديها رؤية مختلفة ومنهج مغاير، لهذا قررت أن أعود من جديد فناناً معبراً عن حلمه ومدافعاً عن حلم وطنه بعيداً عن مجال السياسة الذي أصبح من الصعب تحقيق هذا الحلم من خلاله.



آخر الأخبار