قصة قصيرة .. أحمـد ...

24/10/2016 - 10:04:12

بقلم: أحمد إبراهيم أحمد

يسير على أطراف أصابعه كراقص باليه... ذهبي الشعر دقيق الملامح بهي الطلعة كملاك من رسوم عصر النهضة... طفل لا يشبه الأطفال... اقترب مني مبتسماً ومد يده لي بقطة حلوى فاحتل قلبي بلا استئذان... نزلت على ركبتي لأشكره... فوجئت بطفل لا يتجاوز عمره العامين يبتسم ابتسامة تعكس كل جمال الوجود... مددت يدي نحوه، فأحسست بظل إنساني يلقي بوجوده عليّ وصوت أنثوي رقيق يقول:
حماااده... سلم على أونكل الدكتور.
انتفضت واقفاً فوجدت وجه ملاك على جسد يستحيل وصف رقته... تبدو كما لو خرجت لتوها من الجنة بثوبها الأبيض الدانتيل وذراعيها النحيلين وبياضها المنير... تجمدت في مكاني لا أعرف ماذا اقول، وإذا بها تعاجلني بكلماتها لتزيد من ارتباكي...
هو شقي شوية بس لطيف.
كان صوتها مفاجأة أخرى فقد سمعت لحناً سماوياً... لم تكن سوى كتلة صافية من رقة ونور تجسدا على شكل فتاة... استجمعت نفسي وقلت بصوت خرج من حلقي بالكاد...
بالعكس... أخوك ملاك زي حضرتك بالظبط... الظاهر أنكم عيلة من الملايكة.
اطلقت ضحكة رقيقة زادت من ارتباكي وهي تقول...
أجمل مجاملة سمعتها... والا يمكن غزل؟ أنا مامته... ده ابني الصغير... فيه كمان بنت أكبر منه... اسمها نادية على اسمي... أبوها صمم يسميها نادية.
رددت مندهشاً في تلقائية...
بس ما يبانش.
واضح أنك مجامل قوي... من فضلك أنا عايزة اقابل الدكتور أحمد.
أنا الدكتور أحمد.
رائع... على فكرة العفريت اللي عاجبك ده برضه اسمه أحمد وبندلعه بنقول له يا حماده.
أأمري حضرتك.
أنا نادية... محولني ليك الدكتور منصور علشان أكمل علاجي تحت إشراف حضرتك.
أهلاً وسهلاً... اتفضلي على أوضة الكشف.
تناولت من يدها الملف الأصفر السميك كبير الحجم، وفتحته خلال سيري لغرفة الفحص وأخرجت التقرير وشرعت عينيا تقفزان بين السطور... أحسست بوخز في صدري حين وقعت عيني على توصيف الحالة... استئصال ورم بالثدي... قلبت الأوراق بسرعة بحثاً عن تقرير فحص الأنسجة ولم أجد صعوبة في إيجاده، ووجدت شرائح الفحص مرفقة بهLate breast cancer سرطان ثدي متقدم.
وصلت غرفة الفحص وشاورت لها على المقعد فجلست وأحمد يمسك بطرف فستانها... جلست على مقعدي متحصناً بالمكتب... محاولاً الاعتصام بمهنيتي وأنا اتذكر ما تعلمته عن الفرق بين التوحد مع الحالة والتعاطف معها Empathy & Sympathy حاولت أن اصنع مسافة شعورية تمكنني من تقديم خدمة محترفة دون التورط العاطفي مع الضعف الإنساني... اخرجني صوتها من نفسي يسألني عما سأفعل معها؟ أجبتها بسرعة أنه سيتم تنويمها بالمستشفى حتى يتم فحصها بمعرفة فريق العلاج المتخصص، وسألتها هل معها من يصطحب أحمد؟ فقالت أن إختها تنتظرها ومعها ابنتها وحقيبة الاحتياجات الخاصة بها لأنهم اخبروها في المستشفى الذي قام بتحويلها أنه سيتم تنويمها.
نهضت تسلم علي بعد أن جاءت الممرضة التي ستستكمل إجراءات دخولها المستشفى... احتفظت بيدي في يدها حين مددتها لها، وسألتني إن كنت سأكون موجوداً بالمستشفى اليوم؟ فأجبتها نعم فأنا مناوب، فطلبت مني راجية أن أمر عليها في أول ليلة لها في هذا المستشفى.
كان صوتها محبوساً بدموع ذكريات الجراحة التي تطاردها وتصيبها برعب لا تقدر على الخلاص منه... وعدتها أن أمر عليها فودعتني وسارت وعيناي تتبعان القدمين الطفلتين الصغيرتين السائرتين رقصاً وشرد ذهني في فضاء لم أتبين ملامحه.
وجدتها تحتل رأسي حين خلا الليل من زواره وأعباء العمل، فنهضت متثاقلاً أمر بردهات المستشفى بين نظرات الممرضات الساهرات التي تعكس دهشة وجودي خارج مكتبي في هذا الوقت، ونظرات أخرى قلقة من سلطة هذا القادم من حيث المتاعب تأتي... أخذتني قدماي دون أن أشعر حيث غرفتها... كانت من أسرة ميسورة حجزوا لها جناحاً مجهزاً لاستقبال الضيوف وحتى لمرافق عند الضرورة... طرقت الباب متمنياً ألا تأتي إجابة فأعرف أنها نائمة لكن سرعان ما كانت كلمة "اتفضل" تقيدني وتجذبني للدخول... فتحت الباب في هدوء فوجدتها نصف مستلقية في قميص نوم راق اتاح لي بسهولة رؤية الثدي الذبيح في ضوء جانبي بينما وضعت جانباً رواية باللغة الإنجليزية كانت ممسكة بها... تبينت عنوانها... ألقيت تحية المساء فردت بابتسامة شاحبة وهي تعدل من الغطاء.
مساء النور... أنا قلت إنك مش ها تيجي.
أنا أحب الوفاء بوعودي... أنت بتقري إنجليزي؟
أنا خريجة آداب إنجليش وكنت طول عمري في مدارس أجنبية.
برافو... كمان ذوقك راقي قوي في اختيار اللي بتقريه.
مرسي ليك... ده من ذوقك... اتفضل ارتاح... واقف ليه؟
جلست متردداً وهي تعتذر عن بقائها في الفراش فأوضحت لها أن ذلك أمر معتاد... أخذت في البوح فجأة لسبب لا أعرفه... حدثتني عن أسرتها الثرية وكيف تزوجت وهي في السادسة عشرة من عمرها وهي لا تعرف عن الزواج شيئاً، وكيف استوعبها زوجها بحنانه رغم فارق العمر الكبير بينهما وصرامته غير المفتعلة التي أكسبها له عمله كطيار حربي... بدا عليها الإجهاد فقررت المغادرة... لاحظت هي الأخرى أني ادركت إعياءها فاعتذرت فابتسمت لها أني أنا المخطيء فقد اجهدتها، فأنكرت بشدة وغادرت.
انتهت مناوبتي وغادرت المستشفى مع بداية يوم بدا جميلاً بجو صاف وشمس مشرقة ورياح صبا تداعب الوجود، مضيت لحالي أحاول جمع ما تشتت من حياتي بصرامة العمل، وفوجئت بلوحة ضخمة تسيطر على وجداني وتحتل صدري ووعيي بلا سبب... أحمد بخطوات راقص الباليه ووجه أمه نادية... حاولت نفض الصورة من مخيلتي وأنا أسير في شارع عبد العزيز، تطالعني الأجهزة المرصوصة في المحلات وعلى الأرصفة، وتترصدني أعين الباعة رصد صياد متمرس لطريدة تائهة... كان أحمد يسير أمامي بقدميه المنتصبتين، ووجهه لي... يضحك فرحاً ويدور حول نفسه غير مبال بالسيارات والزحام... يقفز فوق العوائق، وينطلق ضحكه كهدير شلال سخي وخلفه نادية الصغيرة تبدو في ثوبها الأبيض القصير كما لو كانت ملاكاً خرج من الجنة للحظة، وفي خلفية الصورة وجه الأم تبتسم عيونها في حبور وألم.
امضيت يومي قلقاً على غير عادتي منتظراً موعد المناوبة القادمة... فكرت في الذهاب للمستشفى مبكراً وترددت في الذهاب... لماذا هذه الرغبة؟ كان أمامي يوم آخر بأكمله راحة مناوب... فكرت في مغادرة القاهرة... أخذتني أقدامي إلى محطة القطار... عادت لي طفولتي فجأة وتماهى وجودي بوجود راقص الباليه أحمد... عاد لي هذا الطفل الذي كنته وأنا اركب عربة الدرجة الثالثة... هذا الطفل الذي تعود أن يُلصق وجهه بزجاج النافذة وعيناه تحملقان بولع في أشجار تهرول للوراء وحقول خضراء تجري هاربة فوقها أبقار وفلاحون منحنون بفؤوسهم كما لو كانوا قد خرجوا لتوهم من جدارية فرعونية ليصلوا الماضي بماض يفر على عجل وكل الكائنات تهرول معه إلى الوراء... تمنيت لو بقيت على هذه الحال جالساً إلى نافذةالقطار إلى أبد سرمدي ومحطات وصول لاتأتي أبداً، ورأيت أحمد يسير على أطراف أصابعه بقدميه الراقصتين فوق كتل السحاب.
وصلت للإسكندرية وسرت على قدمي من محطة مصر حتى حي بحري... مررت بالمرسي أبي العباس وهالني أن أراه وقد حاصرته المباني فبدا وقد فقد شموخه القديم... تابعت سيري على شاطيء الميناء الشرقي، ودلفت لقلعة قايتباي ولم أجد بنفسي قابلية للدخول فسرت حتى وصلت للشاطيء الرملي للأنفوشي... سرت بين المراكب المنصوبة على الشاطيء يتقدمني أحمد بخطواته الراقصة وبجانبه نادية الصغيرة، وتحلق فوق رءوسنا نادية الكبيرة بقميصها الأبيض... أخرجتني من حلم اليقظة رائحة شواء سمك... نظرت حولي فوجدت مطعما شعبيا مرتجلا فوق الرمال هو مصدر الرائحة الشهية... اقتربت فابتسمت في وجهي امرأة متوسطة العمر تخايل ملامحها ذكريات جمال أصيل أثقلته السنون... جلست على مقعد خشن أمام طاولة تكاد تقيم أود نفسها وأكلت بشهية كنت قد نسيتها، وغادرت حيث قادتني قدماي إلى محطة الرمل حيث فندق متواضع لكنه نظيف اعتدته في زياراتي المختلفة للإسكندرية... لم يكن الوقت صيفاً فوجدت غرفة تطل على البحر بسهولة... استلقيت مجهداً بثيابي على السرير، وأدركت فجأة أني أمضيت يوماً كاملاً أتحرك دون راحة أو طعام ما عدا وجبة السمك المشوي... اختطفني الوسن ثم غرقت في نوم عميق تناوبت عليّ فيه الأحلام والكوابيس... رأيت فيما يرى النائم نادية الصغيرة تركض في جنة خضراء وارف زرعها وثمرها جان، وأحمد يرقص فوق العشب كملاك بين السحب وفوقهما أمهما تحلق كملاك حارس... فجأة احترقت أجنحة الأم وسقطت هاوية بينما تحولت الجنة جحيماً يركض وراء الطفلين اللذين يركضان هرباً إلى لا مكان... فأقوم أصرخ فزعاً لاكتشف أن صراخي خرس.
أمضيت ما بقى من الليل اشاهد البحر من نافذة غرفتي وترحل بي الفكرُ حيث شاءت، لا تغادرها لوحة الأم وطفليها... قررت أن أقيم باستراحة أطباء المستشفى بعد عودتي مباشرة، ومع أول ضوء غادرت الإسكندرية وبحثت عن أسهل وأسرع وسيلة سفر، وكنت في عيادتي أول الحاضرين... أنهيت معاينة مرضاي وقمت لمتابعة المنومين، لأجد ساقيّ تأخذاني مباشرة لغرفة نادية بلا حسابات ودون تردد.
ما أن طرقت الباب حتى جاءني صوتها "ادخل يا أحمد" تسارعت دقات قلبي اتتوقع ابنها أم تتوقع حضوري؟ فتحت الباب ودلفت للداخل فوجدتها تعدل من جلستها على السرير وتمسح دموعاً تحاول أن تخفيها وهي تقول:
كنت عارفة إنه أنت... رحت فين امبارح؟
أبداً... كانت راحة مناوبة... عادي يعني.
طيب مش تسأل عني؟
أُخذت... كيف استطاعت هذه المرأة أن تسقط الحواجز بهذه السهولة... كيف؟ وأنا لا مشروع حبيب ولست صديقاً قديماً... لاحظت شرودي فقالت:
اقعد... واقف ليه؟
جلست بينما اعتدلت هي في جلستها وفاجأتني بسؤالها:
شفت أختي قوت القلوب؟ هي اللي بتجيب حمادة ونادية بنتي.
هززت رأسي وأنا عاجز عن الكلام بينما أكملت هي:
هي مدرس في كلية الصيدلة... بتحضر دكتوراه... حلوة مش كده؟ إيه رأيك؟
هززت رأس موافقاً وقلت:
زي القمر... زيك وزي بنتك... واضح إنكم عيلة ما فيهاش حد وحش.
ضحكت وهي تقول:
شوف يا سيدي وما ستك إلا أنا... أنا جوزي كان طيار حربي وكان بيلعب سياسة... العجلة لما دارت خبطته لكن لحق نفسه وخرج بره مصر... بعلاقاته لقى شغل طيار مدني في شركة طيران عالمية وعمل لجوء سياسي... كل كام شهر يبعت لي أنا والأولاد تذاكر نقابله في دولة من دول العالم... في سنتين وراني دول ما كنتش أحلم بيها... هو سافر وأنا حامل في أحمد... أحمد ابن سبعة على فكره... وابتدا يمشي قبل ما يكمل سنة... مستعجل على كل حاجة... مش عارفة مستعجل ليه؟
نظرت للبعيد واستغرقت في الشرود وعيناها تسبحان في غيمة دمع يكافح للتماسك وهي تسألني:
تفتكر ها أعيش لحد ما أشوفه زيك كده يا دكتور أحمد؟
فاجأني السؤال الذي اعرف إجابته سلفاً فابتلعت ريقي وأنا أقول:
الأعمار بيد الله يا مدام نادية... إن شاء الله تفرحي بيه عريس وتشيلي أولاده... اسأذن عشان عندي مرور.
ها تيجي تاني؟
ها أحاول.
******
أيها الأرق الممض... ألا تسمح بهنيهات للراحة؟
جافاني نومي وأنا أشاهد مريضتي صديقتي ومصيرها المحتوم في شريط حلم يقظة يتحول لكابوس إذا ما غلبني الوسن فانهض فزعاً... شعور لم أعرفه من قبل ومشاعر ممضة لا تريد أن تتركني ولا استطيع أن أتحرر منها... اتخذت قراراً صارماً أن أٌحول الحالة لزميل آخر لمتابعة حالتها أثناء العلاج الكيميائي، وألا أزورها أثناء هذا العلاج القاسي حتى استطيع أن اتحرر من توحدي معها... ظللت اتقلب في فراشي كسمكة حية وضعت فوق النار، تطاردني هواجسي هل سأقدر على تنفيذ قراري أم سأعجز؟ لا أعرف انائم أنا أم يقظ؟
استيقظت مع أول ضوء تسلل من فرجة النافذة وصنعت كوباً كبيراً من القهوة، ووضعت نفسي تحت الماء البارد بغية تهدئة نيران القلق في رأسي، وتوجهت لمكتبي، وأخرجت نموذج التحويل وأكملته ووضعته في ملفها، ثم توجهت للعيادة لمتابعة مرضاها، ولم أكد انتهي من آخر المراجعين إلا وأنا اقرع باب نادية!
جاءني صوتها من البعيد واهناً فدفعت الباب ودخلت وجلست على المقعد بجانب سريرها... بدت شاحبة مرهقة تتنفس بصعوبة وتكاد لا تقوى على رفع يد... بادرتني:
ابتديت الكيمو.
بالشفا إن شاء الله.
مش باين... إن كانت أول حقنة عملت في كده؟ تفتكر ها استحمل أكمل؟
أكتر من كده ويزيح ربنا.
ونعم بالله... بس أنا مش متفاءلة... با اقول لك إيه... تتجوز قوت؟
نعم؟
ما سمعتش والا بتستهبل؟ أهل زمان قالوها حكمة اخطب لبنتك وما تخطبش لابنك.
أنا يشرفني... لكن... أنت ما تعرفيش حاجة عني... كمان العرض مفاجأة.
سيبك من الكلام الفاضي ده... فكر ورد عليً أنت ابن حلال وقوت مش ها تلاقي أحسن منك.
أنا يشرفني... لكن...
ما لكنش... أنا جعانة ومش قادرة آكل... ابعت هات لي طحينة ألحسها تقوتني شوية... قوم.
غادرت غرفتها مهرولاً، وأرسلت عاملا لشراء الطحينة، وطلبت منه أن يوصلها لها مباشرة، وحاولت الانشغال بقية يومي بتفاصيل تعودت إهمالها وتركها لغيري يقوم بها... أصررت أن أكون محترفاً، وأن امنع مشاعري الخاصة من التحكم في عملي، والامتناع عن زيارتها، استطعت منع نفسي حتى من المرور على القسم الذي تقيم به... لكني لم أستطع أن امنعها هي وطفليها من احتلال عقلي ومحاصرة أحلامي... قررت بعد أسبوع من الإقامة بالمستشفى المغادرة مع نهاية يوم العمل، وبالفعل ذهبت لمنزلي واستحممت بماء شديد السخونة كأني أريد أن أسلخ جلدي لأخرج من وجود يوجعني، ثم بدلت ثيابي وتوجهت لمطعم تعودت أن آكل فيه كل فترة.
جلستُ شارداً أمام الطعام، وفجأة نهضت ودفعت ثمن ما لم آكله، وتركت المطعم وأوقفت سيارة أجرة لأجد نفسي عند بابها... فتحت الباب بلا استئذان فوجدتها مستلقية في إغفاءة تشبه الغيبوبة... كان شعرها قد تساقط وازدادت نحافة فوق نحافتها... شعرت بوجودي فتنبهت ونظرت لي نظرة باسمة وعاتبة وهي تسأل:
كنت فين كل الوقت ده؟ مش بتيجي ليه؟
الشغل أنت عارفة.
وهو أنا مش شغل برضه؟
لأ... أنت صديقة بالنسبة لي وشغل بالنسبة للدكتور أسعد اللي بيعالجك.
أنت وحش... قلبك قاسي.
اعذريني يا نادية... أنا دكتور وعندي مسئوليات.
وهو الدكتور مش بني آدم زي بقية الناس؟
بني آدم.
طيب اوعدني ما تغبش عني؟
حاضر...ا.
مسحت بيدي على رأسها وقبلت جبينها ودموع تصارع عيني تريد أن تفلت، وغادرت مسرعاً لحديقة المستشفى ألهث وأحاول ملء صدري بأكبر كمية من الهواء... ذهبت لغرفتي بالمستشفى ولأول مرة في حياتي تناولت قرصين مهدئين على أمل أن أنام بلا أحلام ولا هلاوس، ولم أشعر إلا وأنا أنهض من فراشي في غبشة ليل ثقيل... لم أجد ما أفعل سوى أن أقوم بعمل مفيد وأمر على مرضاي، لاغتال الوقت الذي سلط على الأرق وبداخلي قرار أن أخلف وعدي وألا زور نادية فلم يعد قلبي يحتمل.
مررت رغماً عني بالجناح المنومة فيه، وشاهدت شقيقتها الصغرى قوت القلوب تحمل نادية الصغيرة وبجانبها أحمد يسير سيراً عادياً إذ يبدو أنه فقد خطواته الراقصة... عدت لغرفتي وأغفيت تطاردني الهواجس والكوابيس، ونهضت مبكراً وذهبت لمكتبي وفوجئت بملفها على المكتب... فتحته متلهفاً لأجد شهادة الوفاة بانتظار توقيعي.