الشرطة فى خدمة الشعب .. والدراما ليست في خدمة الشرطة!!

24/10/2016 - 9:56:55

كتبت - هبة عادل

الصدمة .. هو الشعور الأول الذى ينتابنى الآن.. بل وقبل الآن.. وهو الذى دفعنى لكتابة هذا المقال .. وتحت وطأة الصدمة يأتى الخوف والقلق والعديد من الأسئلة المحيرة التى تطرحها سطورى القادمة..
خطر
حيث أتحدث عن اتجاه جديد وخطير فى الكتابة للدراما التليفزيونية.. ولاسيما البوليسية.. وجميعنا يعلم أن المسلسل البوليسى كان ولايزال وسيظل يحظى بإقبال جماهيرى فائق.. تلتف حوله الأسرة ومن الحلقة الأولى يستطيع خلق جو من الاستفهامات المجادلات.. ونستمر فى هذا الجو من الإثارة والتشويق حتى تنكشف الحجب فى الحلقة الأخيرة لنعرف من من أفراد الأسرة قد كسب الرهان واستطاع معرفة الجانى قبل غيره... فيما يكون الجانى فى أغلب الأحوال هو الشخص الأبعد توقعا عن دائرة الاستنتاج والتوقع.. لكن فى كل الأحوال كنا نغنم بمتابعة ممتعة وربما نخرج أيضا ببعض الحكم والمواعظ والدروس الهامة المستفادة.. أما الآن ومع التطور الطبيعى لكل الأشياء على نحو من الشطط والجنون.. أصبحنا أمام اتجاه خطير في الدراما البوليسية والتى نجد فيها أن الجانى هو رجل الشرطة نفسه الذى يتولى التحقيق فى القضية موضوع الحلقات!!
الميزان
وقد حدث ذلك فى مسلسل "الميزان" الذى عرض فى رمضان السابق بطولة النجمة غادة عادل والفنان باسل خياط.. تأليف باهر دويدار، إخراج أحمد خالد موسى... والمسلسل تناول قصة مقتل الفتاة الشابة الجميلة.. والابنة الوحيدة لرجل أعمال يعمل فى مجال الاعلام.. وتتضح الحقيقة فى آخر حلقة وأن باسل خياط.. الضابط الذى يحقق فى القضية.. هو نفسه قاتل الفتاة!!
ويمر رمضان .. وتقوم إحدى الفضائيات بإعادة عرض مسلسل "الصياد" لبطله يوسف الشريف.. تأليف عمرو سمير عاطف وإخراج أحمد مدحت .. لنجد أن الضابط الذى يلعب دوره يوسف الشريف.. ينقاد للدخول فى دائرة مجموعة من الضباط الفاسدين الذين يتاجرون فى السلاح وعندما يرغب فى الانسحاب بعيدا عنهم.. يقومون بالانتقام منه بذبح زوجته الشابة وابنته الوحيدة.. ومن ثم يقوم الضابط الشريف.. بالانتقام لهما ويحدث التحول إلى شخصية "الصياد" .. السفاح الذى يقوم بقتل هؤلاء الضباط واحداً تلو الآخر وذبحهم..
وإن كنا قد تحدثنا قبل عدة أعداد.. علي صفحات هذه المجلة الموقرة .. عن خطورة اتخاذ القتل والدم والعنف وإزهاق الأرواح وسفك الدماء بالوسائل المتعددة والمتنوعة والبشعة.. مادة خام لصناعة دراما هذا الزمان.. وتحدثنا فى أحد التحقيقات مع مصادر مختصة عن الآثار البشعة الناجمة عن هذه المشاهد وكنا نتحدث حينذاك فيها عن الفاعلين من البلطجية وقطاع الطرق أو حتى رجال الأعمال الفاسدين الذين هم على استعداد لسحق أى شخص يقف عثرة فى طريقهم.
القاتل الندل
فما بالنا الآن ونحن نصنع مسلسلات فى عشرات الحلقات.. تتكلف ملايين الجنيهات.. فقط لنقول إن ضابط الشرطة هو .. "القاتل الندل" الذى يدوس على المجتمع بدلاً من أن يحميه.. الذى يشيع الذعر والخوف بدلا من الأمن والأمان.. الذى يخالف القانون بدلاً من أن يطبقه.
فماذا ننتظر بعد؟!
ولهذا الحد بلغ الغلوّ بصناع هذه الأعمال فى خلق أجواء من الاثارة تضمن بقاء المشاهد أمام التليفزيون إلى نهاية الأحداث مهما كان الثمن والنتائج والتداعيات.. إلى هذا الحد هانت القيم العليا والنبيلة وامام سطوة الأموال صرنا نضحى بالغالى والنفيس..
.. ثم ما هذا التطور الدرامى الجهنمى الشيطانى إن جاز التعبير الذى يقود هذه الأفكار وتلك الابداعات المزعومة والمسمومة..
قفزة
فليس التحول فقط هو على صعيد إظهار الضابط كقاتل بدلا من المجرم البلطجى وإنما.. نلاحظ شيئاً أخر... فى أجرأ الأعمال حين تريد كشف الغطاء عن بعض تجاوزات الشرطة والضباط.. فتخرج علينا فى أقصى ما تخرج بهذا الضابط المتعسف المستبد الذى يريد انتزاع الاعترافات من المتهمين بأى طريقة سواء كانوا متهمين فعلا أو "هانشيلهم التهمة" فيقوم بتعذيبهم وقد شاهدنا هذا فى أعمال مثل "ابن حلال لمحمد رمضان الذى أجبروه بالتعذيب وتهديد أسرته على الاعتراف بقتله ابنة الممثلة المشهورة.. وفعلها خالد سليم الضابط الذى عذب طارق لطفى بخلع أظافره فى مسلسل "بعد البداية" الذى عرض فى رمضان قبل الماضى.. وكذلك شاهدنا نموذج الضابط "بيومى فؤاد" فى مسلسل "هى ودافنشى" الذى يعتقل خالد الصاوى ويتفنن فى تعذيبه .. أو كنا نرى الضابط الذى يستغل سلطاته كستار للتغطية على فساده .. مثلما شاهدنا فى مسلسل «الأسطورة» وكيف أن ضابط قسم المنطقة يرافق شقيقة زعيم عصابة ويتورط مع عصابة أخرى لصناعة السلاح.. أو كيف أن ضابطاً يستغل منصبه وسلطته ونفوذه بالبطش والترهيب هنا وهناك..
كارثة
لكن أن يصل الأمر لتصوير الضابط .. كقاتل.. فهى كارثة لن تحمد عقباها أبدا- علينا أن نتخيل وطناً.. تخرج أجياله الشابة أمام ومن قلب هذه الصورة.. فماذا ننتظر منهم.. ونحن نعلم أن خلق القدوة والمثل الأعلى إحدى أهم وظائف الدراما.. فبمن يتمثل شباب هذه الأيام هل بالضابط القاتل.. أم.. بالضابط السفاح..؟!
ثورة
والشعب نفسه.. الذى خرج فى ثورة 25 يناير.. وقصد أن تكون ثورته فى عيد الشرطة .. ودفع من دمه ودم أولاده الكثير والكثير.. باغيا العدالة.. هل يرضيه الآن أن يرى الشرطة على الشاشة فى هذا الوضع؟.. هل هذا ما خرج الشعب من أجله ؟ هل كانت نتائج الثورة أن تجرأت الأقلام والأفكار والأعمال إلى الحد الذى يشعر المواطن أنه خرج فى ثورة لينتحر هو نفسه على اعتابها بهذه الأعمال.. صحيح أن الضغط يولد الانفجار - لكن هل يصلح أن تتحول بفعل الثورة هذه الأعمال لقنابل تنفجر فى وجه المجتمع الذى هو نفسه قام بالثورة ؟! وإن كنا على نحو آخر نجد أعمالاً تمجد ضباط الشرطة وتظهر إخلاصهم وتفانيهم مثل ضابطى مسلسل "الخروج" الشهيرين ظافر العابدين وشريف سلامة أو مثل خالد النبوى فى مسلسل "سبع أرواح" وطارق لطفى فى "شهادة ميلاد" وغيرهم..
وقد قال من قال أن هذه النماذج مصنوعة تفصيل لتحسين صورة رجل الأمن في عيون المشاهد.. وإن كان هذا الاتجاه يلقي ثمة انتقادا ما.. فأيهما أفضل - التحسين أم التشويه يا سادة.. واسألوا أنفسكم ماذا ستكون نتائج شعور المواطن.. حين يريد اللجوء إلي رجل الأمن.. لينقذه وأسرته..ومزروع في عقله الباطن.. إن هذا الضابط قد يكون قائلاً من خلال الأعمال الدرامية التي يراها.. ما هي الروح التي ستشاع في هذا الوطن وكيف يأمن المواطن علي نفسه فيه.
وما هي الرسالة المرجوة والهدف الحقيقي من هذه الأعمال.. اسألوا ضمائركم ورفقا بهذا الشعب.
زمان كنا نري أعمالاً تحكي سير أبطال مثل رأفت الهجان وجمعة الشوان وغيرهما.. وهما مصدر فخر تربينا عليه أمام هذه الأعمال.. أما أجيال اليوم فعلى ماذا نربيهم بمثل هذه المسلسلات؟!
وكيف نطلب من شعب أن يقف ليحارب الإرهاب الأسود ومن أب يرسل ابنه لينال الشهادة ثم كيف نطلب من مواطنين أن تتعاطف وينفطر قلبها عند سماع أحداث الإرهاب البشعة هنا وهناك والتي يذهب الضابط الأبرياء ضحايا لها إذا كان في مخيلة هذا الشعب أن الضابط هذا قد يكون قاتلاً؟!
وأتساءل: هل تصنع دراما أي مجتمع آخر في أوربا والدول المتقدمة أو الوطن العربي أو تركيا أو أي شعب في العالم ما نفعله نحن في مسلسلاتنا من الوصول إلي هذه الحالة؟!
.. وقد قرأت عن معلومة مفادها أن الأعمال الدرامية التي تتناول شخصية رجل الشرطة لا تمر علي الداخلية بعد موافقة جهاز الرقابة علي المصنفات الفنية.. فهل هذا هو الجزاء؟!
ولا أعني هنا فقط جزاء رجل الشرطة وإنما جزاء المجتمع الذي يريد أن يتنفس هواء ملؤه الأمان.. فيجد الدراما تضغط علي مقدراته إلي هذا الحد المحبط والموجع بل والمؤسف الذي يعد ضربا في هيبة الدولة وبشكل مباشر متمثلة في إحدي سلطاته الأربع الأساسية وهى «التنفيذية» وهذا أمر لو ترك هكذا سنخسر كثيرا وسنندم حيث لا ينفع الندم.