السياسة ميزت أفلامه .. البحث عن الهوية الكردية في مهرجان السليمانية الدولى للسينما

24/10/2016 - 9:55:43

ندوة السينما والهوية ندوة السينما والهوية

السليمانية : د. حسن عطية

لا أحد ينكر أن فعل تأسيس مهرجان سينمائي دولي لا يقف عند القول الرائج بحضور الأفلام وتميزها فقط ، ولكن فيما تحدثه هذه الأفلام المتميزة في وجدان وعقل المتلقي لها ، وفيما تثيره من حوارات خصبة بين جمهورها الأكاديمي المتخصص والمتلقي غير المتخصص ، وفيما تخلقه من رؤى قادمة من حضارات مختلفة تثير وجدان المجتمع تجاه فن السينما ، وفيما تحدثه من تفاعل بين ثقافات مختلفة بوعي شعب يتطلع لكل القيم الفكرية والجمالية الراقية التي تدفعه للتقدم .
غير أن الأمر تجاوز هذه الأهداف في الدورة الأولى لمهرجان السليمانية الدولي للسينما ، والتي أقيمت بمدينة السليمانية العاصمة الثقافية لإقليم كردستان بالعراق ، فى الفترة من الأول للرابع من أكتوبر الجاري ، بمقر جامعة السليمانية وكلية الفنون بها ، حيث سعى منظموه للتأكيد على حضور السينما الكردية على خريطة العالم ، فسادت الأفلام المنتجة في المناطق الكردية ، خاصة فى إيران وتركيا ، وهيمنت اللغة الكردية على لغة التخاطب في افتتاح واختتام المهرجان ، وفى المناظرة النقاشية حول (السينما والهوية) التي شارك فيها من مصر المخرج د. "عادل يحيي" ، وأيضا فى ندوة (النقد السينمائي) التى قمت بها ، حيث غابت اللغة العربية تماما عن ألسن الأجيال الشابة ، خاصة من لم تتح له فرصة الدراسة ببقية مدن العراق .
تأكيد الهوية الكردية لم يقف عند حد المناقشات والندوات وعرض أفلام ناطقة بالكردية من إيران وتركيا والعراق ، بل برز أيضا فى إقامة مسابقتين إحدهما للسينما الدولية والأخرى للسينما الكردية ، ضمت كل واحدة منهما لجنتين تحكيميتين للفيلم الروائي الطويل وللفيلم الروائي القصير ، مما نتج عنه أن حصدت السينما الكردية على أكثر من نصف جوائز المهرجان المصممة على هيئة ثمرة الصنوبر الشهيرة فى الإقليم ، مما يعطى صورة غير صحيحة عن واقع السينما الكردية ، ويعمل على عزلها عن حركة الإبداع السينمائى الإقليمي والدولى معا ، هذا الانعزال الذي استدرج إليه الإقليم سياسيا باسم الحفاظ على الهوية وإحياء اللغة المحلية ، وإلغاء كل اللغات الأخرى للبلاد التي يعيش على أرضها الأكراد وينتسبون حتى الآن إليها .
السينما والدهشة
افتتح المهرجان مساء الأول من أكتوبر ، بكلمات من منظميه ، يتقدمهم رئيسه "عبد الحاما جوان" ومديره "فؤاد جلال" ، ومن منظميه "نياز لطيف" و"إبتسام إسماعيل"، وشارك فى حفل الافتتاح فرقة غنائية كلاسيكية ، واشتمل المهرجان ، إلى جانب العروض السينمائية من 105 دول، على ورش تدريبية فى تخصصات السينما المختلفة ، وندوة حول النقد السينمائى ومناظرة نقاشية حول السينما والهوية ، وحرص المهرجان على دعوة مجموعة متميزة من المصريين وهم : الفنانان "سهير المرشدى" و"محمود الحديني" والمخرج الكبير "علي بدرخان" والفنانون الأكاديميون د. "عايدة علام" ود. "نبيلة حسن" ود." أيمن الشيوي" إلى جانب نائب رئيس أكاديمية الفنون د. "عادل يحيى" وكاتب هذا المقال ، مع مجموعة متميزة من الفنانين البغداديين (العراقيين) منهم د."يوسف رشيد" ود. "جبار خماط" والفنان "باسم قهار" ، وشخصيات سورية وألمانية ومن أمريكا اللاتينية ، وكان لهم جميعا حضور متميز فى أروقة المهرجان ، كما حرص المهرجان علي اختيار مجموعة من الأفلام الجيدة ، وإن لم تكن مثيرة للدهشة ، ويبدو أن ذلك يرجع لغياب مثل هذه النوعية من الأفلام المثيرة للدهشة عن شاشات السينما العالمية فى السنوات الأخيرة ، فلم نعد نشاهد فيلما من عينة (ساتيركون) للإيطالي "فيلليني" أو (الختم السابع) للسويدى "انجمار برجمان" أو "اللاهث" للفرنسى "جان لوك جودار" أو (كارمن) للإسباني "كارلوس ساورا" ، ولذا تلقينا بهدوء فيلم الافتتاح الإيراني / التركي (ذكريات الحصان الأسود) للمخرج الإيراني / الكردى "شهرام عليدى" ، وهو يدور حول تعلق فتاة بحصان أسود ، يدفعها قبيل موتها بترك وصية بضرورة إحضار الحصان ليكون قريبا من قبرها ، فيتحول الفيلم إلى عملية بحث عن هذا الحصان المتمرد ودلالاته المتعددة ، ليكون رفيقا أبديا لفتاة كردية رائعة ، وحصل الفيلم على جائزة (الصنوبر الذهبي) لأفضل فيلم كردى طويل .
بالمقابل حصل الفيلم الفنلندي (غفران) على جوائز أفضل سيناريو للكاتبين "يوهانا هارتيكاينين" و"بيترى كوتويكا" ، والأخير مخرج الفيلم ، وكذلك جائزة أفضل مونتاج ، وجائزة أفضل فيلم فى المسابقة الدولية ، ويتتبع الفيلم بطريقة سرد ذكية ومفككة حياة امرأتين تلتقيان عقب وقوع حادث خطير ، حيث يحمل القس زوج الأولى زوجته الحامل إلى المستشفى كي تلد مولودها الأول قبل موعده ، مسرعا بسيارته فى ظلمة الطريق، يصطدم بشيء ما ، لا يعيره اهتمامه حرصا منه على حياة زوجته ، ويواصل السير ، وفى المستشفى تلتقي المرأة الحامل "كيا" مع صديقة قديمة لها تدعى "هنا" ، نقل زوجها مؤخرا نتيجة حادث طريق له ، وهو فى غيبوبة كاملة ، تكتشف "كيا" أن زوجها هو المتسبب فيه ، وتسعى طوال الوقت لكي تغفر لها صديقتها ما فعله زوجها ، منتهيا الفيلم بالسؤال المشكلة هل يمكن أن نسامح ونتسامح مع من دمر ذات يوم حياتنا ؟ ، حتى دون أن يقصد ؟ ، فما بالك بمن نتصور أنه قاصد فعل هذا في الواقع المعيش .
من الأفلام اللافتة للنظر ، رغم عدم حصوله على أية جائزة ، هو الفيلم الإيراني (وداعا أنالوج) أو (وداعا كاميرا الأنالوج) ، للمخرج الإيراني / الكردى " هيوا أمين جاد" ، والدائر حول شخص يدعى "كاك" يصور بكاميرا فيديو أنالوج قديمة ، قبل تسيد كاميرات الديجيتال ، لحياة وتقاليد وطقوس قرية كردية بالجبال الإيرانية الوعرة ، عام 1990 ، يقبل الجميع تصوير حياتهم ببساطة التصوير ذاته ، فيما عدا مطرب شعبي يرفض بشدة أن يتحول لمجرد صورة على شاشة فيديو ، ومع ذلك تستطيع هذه الكاميرا القديمة ، وعبر شريط الفيلم الحديث ، أن تنقل لنا عالما نقيا متسامحا ولا يريد غير العيش في استقرار وأمان .
فى قسم العروض الخاصة ، تم عرض الفيلم العراقي / النرويجى (الكلاسكو) للمخرج الكوردى الأصل النرويجى الجنسية "هالكوت مصطفي" ، والفيلم الإيراني (محمد رسول الله) للمخرج "مجيد مجيدى" ، حصل الفيلم الأول على جائزة الجمهور فى الدورة الأخيرة من مهرجان النرويج السينمائي الدولي ، كما عرض فى مهرجان دبي الدولى للسينما ، ويدور الفيلم الأول حول شابين شقيقين كرديين من الأقزام ، عاشقين لكرة القدم، يقرران السفر العاصمة الإسبانية مدريد لحضور مباراة فريق (ريال مدريد) مع فريق برشلونة (البرسا) ، ومشاهدة نجمهما المفضل "رونالدو" ، وبعد توقف قليل عند حياتهما فى المدينة الكردية الصغيرة ، يتحول الفيلم فى معظم مساحته لنوع من أفلام الطرق ، حيث نتابع معاناتهما فى الوصول إلى (بغداد) والخروج منها لإسبانيا ، وهى معاناة تقدم حال الواقع العراقي المدمرة أرضه اليوم ، والذى تحولت طرقه لثكنات عسكرية وأبنية خربة ، ومع ذلك يقدم الفيلم هذا الواقع بحس إنساني راق وبلمسات كوميدية لطيفة .
سيرا على الدرب
افتقدنا في هذا المهرجان الاحتفاء بأبي السينما الكردية المخرج التركي / الكردي "يلماز جوناي" (1937- 1984) وأفلام تلامذته : "بهمن قوبادي" (مواليد 1969) و"هونر سليم" (1964) و"مانو خليل" (1964) ، وأن انتسبت أفلام الأول رغم كردية أصوله للسينما التركية ، وتنتسب أفلام الثاني للسينما الإيرانية ، والثالث نشأ في العراق ، والرابع فى سوريا ، وحقق الأربعة إنجازهم خارج أقطار المنشأ ، دون أن تنفصل لحظة هذه الأفلام ورؤيتها السينمائية المهيمنة عليها عن الواقع الكردي الساخن .
فى فيلمه الأشهر (الطريق) والذي حصل عنه "جوناى" على السعفة الذهبية فى مهرجان كان السينمائى 1982 ، أدار وقائعه الدرامية فى إحدى مناطق كوردستان الشمالية ، منطلقا من سجن تركي ، يخرج منه خمسة من الأكراد المقبوض عليهم ، مارين فى طريقهم بين المنطقتين التركية والكوردية التركية ، لنكتشف عبر الصورة مدى التباين الرهيب بين المنطقتين ، وغياب العدل الاجتماعي عن المنطقة الثانية ، وهيمنة الفقر والإهمال ، مقابل التطور العمراني الواضح في المنطقة التركية ، لذا يقرر الشباب الخمسة عدم العودة مرة أخرى للمنطقة التركية ، والبقاء للعمل على تطوير واقعهم الكردي لما هو أفضل ، وقد أخرج "جوناي" نصف هذا الفيلم تقريبا وهو سجين المعتقلات التركية ، وذلك عبر مساعده "شريف جورين" .
على الجانب الآخر يبرز اسم المخرج "بهمن قوبادي" ، المولود بقرية (بانة) الإيرانية القريبة من الحدود العراقية ، والذي درس السينما بطهران ، ويعد خليفة "يلماز جوناي" ، وقدم العديد من الأفلام الروائية المثيرة للجدل مثل (زمن الجياد الثملة) و(السلاحف تستطيع الطيران) و(قمر منتصف الشهر) وقد طاردت الرقابة الإيرانية الفيلم الأخير بشراسة ، ورفضت عرضه في صالات العرض الإيرانية ، وهو امتداد لرؤيته السينمائية واهتمامه بالواقع الحياتي للأكراد ، حيث يطرح في فيلمه الأول ، الذي يبدو أنه تجربة ذاتية حياتية له ، والمعنون بـ (زمن الجياد الثملة) معاناة مجموعة من الأطفال تعيش بإحدى القرى الشبيهة بقرية مولده الحدودية ، من قسوة الحياة المفروضة عليه ، ويجبرون على العمل مع جماعات تهريب إطارات السيارات من إيران للعراق ، عبر خيول سكرى بالويسكي الذي يعطيه الرجال لها كي يزيد من حمية جريها ، في صورة استعارية لتعطيل العقل من أجل مزيد من الجهد المستنزف من الخيول والأطفال معا.
الحضور العربي
بينما تنتقل شخصيات أفلام "قوبادي" بين المناطق الكوردية ، يطاردها الموت في كل ركن تهبط إليه ، وتواجهه بقوة عشقها للحياة ، تفر شخصيات "هونر سليم" إلى أوروبا ، كما فر وهو صبي إلى إيطاليا ، هربا من الحرب العراقية - الإيرانية المندلعة في ثمانينيات القرن الماضي ، ويلخص هذا الشعور القاسي بقلب إنسان يجبر على الفرار من موطنه لأوروبا ، عبر فيلمه المتميز (الكيلو متر صفر) ، الذي شارك به في مهرجان (كان) الفرنسي ، حيث يحلم بطله بنجاة ذاته وتاريخه وأسرته من العراق الملتهبة بالفرار إلى أوربا ، تعوقه زوجته عن المغادرة حتى يجند بالجيش العراقي في زمن "صدام" ، مجبرا على الرحيل في الاتجاه المعاكس ؛ إلى الحدود العراقية - الإيرانية وأتونها المستعر ، والذي لا يعود منه إلا فى سيارة وجثة كردية مطلوب منه أن يسلمها لأهله ، في رحلة ليلية شديدة القسوة .
أما المخرج الكردي "مانو خليل" فقد رحل في الاتجاه الآخر ، نحو أوروبا الشرقية ، بعد عن أن حصل على دراسة حقوقية بدمشق ، ليدرس السينما فى تشيكوسلوفاكيا ، ويعمل بتليفزيونها ، ثم يستقر في سويسرا بعد تفكك الأولى ، واخرج من إنتاجها أخيرا فيلمه قبل الأخير (طعم العسل) والذي يتعرض فيه لحياة مربي عسل النحل ، يعاني وأسرته من الحرب الدائرة في المناطق الكردية من تركيا ، فيجبر على الهرب من موطنه لسويسرا، أملا في استعادة مورد رزقه .
يحمل الكردى موطنه وأحلامه معه ، ويتمسك دوما بهويته الكردية ، ينجح أحيانا في التحاور بها مع الهويات الأخرى ، الأوروبية منها خاصة ، بينما يعجز عن التواصل مع الهويات التي نشأ وسطها ، وهى الهوية العربية ، التي كان لها وجود فى صالات المهرجان وندواته ، لكنها لم تحضر على شاشات العرض ، والتي على الدورات وعليها أن تنبه إليه لذلك في الدورات القادمة ، فالمجتمع الكردي لا ينتمي فقط لتركيا وإيران ، بل إن جزءا كبيرا منه فى صميم الأرض العراقية والسورية العربيتين .