درس أكتوبر 1973.. أوهام الزعامة تنسف النصر

23/10/2016 - 2:41:01

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

لا تحظى حرب أكتوبر 1973 بالتدبر اللائق بدلالاتها. قبل أن نفيق من نشوة الفرح بإنجاز العبور العظيم، كانت جولدا مائير تعلن أن لها جنودا يحاربون في «إفريقيا»، في إشارة إلى الثغرة ـ اللغز، التي دفعت بمفاوضي العدو إلى مائدة على أرض مصرية ستمتد من الكيلومتر 101 إلى القاهرة وكامب ديفيد، وتحققت نبوءة نجيب سرور بجلوس الإسرائيليين في مقهى ريش بوسط العاصمة.
لا تنفصل الحرب عما تلاها من قلق ما بعد الانتصارات، وقرارات اقتصادية قضت على مكتسبات ثورة يوليو 1952، ونسف خريطة الطبقة الوسطى، وتشجيع صعود اليمين الديني، وليس انتهاء بالغروب الدرامي لأنور السادات غارقا في دمائه، بعد أدائه دورا رسم له، وكان المشهد الأخير إعلانا عن وفاة بطل الفيلم، واستمرار سياسات أقر فيها بأن أوراق «اللعبة» في أيدي الأمريكان. ولم يكن الأمر «لعبة» بيد مؤلف ومخرج أمريكيين، ولكنه «قضية» خرجت منها مصر خاسرة منكسرة، بعد تفريط طوعي في دوائرها الثلاث الاستراتيجية.. العربية والإفريقية والإسلامية.
في الحرب يجب ألا يترك قرار خوض المعركة للعسكريين وحدهم، وليس قرار خوض معركة «السلم» بأقل خطورة. وقد نجح الطرفان الأمريكي والإسرائيلي بامتياز في معركة سراب اسمه «السلام»، وأنجزا ما فشلا في تحقيقه بكسر جمال عبد الناصر في يونيو 1967. كان الشعب أقوى من جيشه المهزوم، وأوعى من قادته. راهن المصريون على قوة الإرادة، في معركة وطنية أدركوا فيها الفرق بين الاستقلال والتبعية التي انساق إليها السادات، ولا تزال البلاد رهينة قيودها.
في ظل الاستقلال الوطني، ورغم الحروب، رحل عبد الناصر ونسبة التضخم حوالي 5 بالمئة، وصعدت النسبة عام 1975 إلى ما بين 20 و25 بالمئة. أما ديون مصر المدنية والعسكرية فكانت أربعة آلاف مليون دولار، وأغلبها كان لتمويل مشروعات إنتاجية. وبعد التبعية بلغ الدَيْن عام 1981 ثلاثين ألف مليون. يذكر محمد حسنين هيكل في كتابه «لمصر لا لعبد الناصر» أن هذا الدين المصري عام 1970 كان «يوازي ربع نظيره الإسرائيلي مثلا، مع التباين في عدد السكان (36 مليونا في مصر وثلاثة ملايين في إسرائيل) وفي قياس آخر فهو يمثل نصف الدين التركي!». ويسجل أنه وفقا لتقرير البنك الدولي فإن معدل النمو الاقتصادي من 1960 إلى 1965 بلغ 6.6 بالمئة، ويعني هذا الرقم قيام مصر «بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه في الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر... هذه النسبة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم، باستثناء اليابان وألمانيا الغربية ومجموعة الدول الشيوعية».
جاء السادس من أكتوبر لحظة فارقة، في المعجزة العسكرية، وفي الأداء السياسي الهزيل، وإلا كيف نفهم رسالة السادات إلى هنري كيسنجر: «إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباك أو توسيع مدى المواجهة». سابقة تاريخية يسارع فيها رئيس دولة لها أرض محتلة إلى طمأنة العدو ـ قبل أقل من 24 ساعة على اندلاع الحرب ـ بمدى طموحه، وحدود تحركات جيشه، وهو ما دعا يوسف إدريس، في كتابه «البحث عن السادات»، إلى الصراخ المبالغ فيه، حتى أنه اتهم كيسنجر، في ضوء جريمته بتسخين القصف في فيتنام لتهيئة الرأي العام الأمريكي للانسحاب، بأنه «واضع استراتيجية وتكتيك حرب 73 لتسخين الموقف بين إسرائيل ومصر بالذات تمهيدا لصلح تام منفرد... والكيسنجرية لا تزال سارية حتى بغير كيسنجر».
أسس عبد الناصر دولة الرجل الواحد، كان ينطلق بدافع وطني إلى الحلم والتفكير نيابة عن الشعب «المعلم». وفي غياب رقابة شعبية، واستهانة باعتراض لم ينتظم في ضغط حزبي سياسي سلمي ينهي أسطورة الزعيم الملهم اتخذ السادات قبلة أمريكية، غير عابئ بأجيال ستدفع بالتقسيط غير المريح الأثمان الباهظة لهذا «السلام»، وأولها استعادة سيناء منزوعة السيادة، لتتحقق نبوءة الشاعر: «يا خوفي في يوم النصر ـ ترجع سينا وتضيع مصر»، إذ تضمنت المعاهدة تنازلا يسمح بالمراقبة الدولية على تحرك الجيش في سيناء، وتقسيمها إلى ثلاث مناطق، أولاها المنطقة «أ» شرقي قناة السويس، ويسمح فيها بفرقة مشاة ميكانيكية (22 ألف جندي)، عدد لا تفهم دلالته إلا مقارنة بآلاف المقاتلين الذي عبروا القناة بمجرد بدء الحرب. يسجل المشير محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أثناء الحرب في مذكراته «حرب أكتوبر 1973»، أن الدقائق الأولى شهدت عبور ثمانية آلاف مقاتل مصري، وبعد 90 دقيقة بلغوا 14 ألفا، وأمسى العدد 33 ألفا بعد ثلاث ساعات، ثم بلغ 80 ألف مقاتل أحدثوا زلزال العبور.
ما خسرته إسرائيل بالحرب سعت إلى تعويضه بالحيلة، فيذكر الجمسي أن السادات كلفه باستقبال عزرا وايزمان، يوم 20 ديسمبر 1977، وفي المباحاثات استعرض وايزمان مشكلات الأمن الإسرائيلي وربطه «باقتراح تعديل الحدود المصرية الإسرائيلية»، ورفض الجمسي الاقتراح، فأثار مفاوض العدو قضية تخفيض حجم الجيش المصري، وجادل بأن السادات أعطاهم وعدا بعدم وجود «قوات مصرية شرق خط المضايق»، فاعترض الجمسي على «نزع سلاح الجزء الأكبر من سيناء، وهو ما لا يمكن قبوله، كما أن السيادة على كل أراضينا لا يمكن المساس بها... السيادة المصرية على أراضينا في سيناء لا تمس».
لماذا كان اللهاث المحموم إلى إرضاء العدو؟ لم يعبأ السادات باستقالة وزيرين للخارجية تجنبا لمشاركته في وزر زيارة القدس. السادات الذي أعلن أنه «رئيس مسلم لدولة إسلامية» كان يدعمه يمين ديني أشاع تأويلا نفعيا لآية «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها»، ورفض محمد متولي الشعراوي وزيرا الأوقاف وشؤون الأزهر فكرة انتقاده: «لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادت في مقام الذي لا يسأل عما يفعل». لم يبال الوزير الشعراوي بدلالة استقالة ثلاثة وزراء للخارجية، آخرهم محمد إبراهيم كامل الذي كتب في شهادته «السلام الضائع في كامب ديفيد» أنه أعد بيانا حول غزو إسرائيل لجنوب لبنان (مارس 1978)، واتصل بالسادات ليطلعه على ملامح البيان الذي يدين «عملية إبادة منظمة للفلسطينيين». وقبيل الظهر سأله السادات عن سبب اتصاله المتكرر في الصباح، فأبلغه الوزير بالعدوان الإسرائيلي، «فقال السادات ضاحكا: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟ ولم يخطر ببالي ما يقصده فقلت متسائلا: أفندم؟ فقال: يعني أدبوهم ولا لسه؟ وفهمت أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا بسبب العملية التي قام بها الفدائيون داخل إسرائيل منذ أيام. وكان الدم يندفع إلى شرايين رأسي وأنا أجيبه: لقد حدث العكس ولقن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا». مثل هذا الأداء أقرب إلى التواطؤ، ويشير إلى احتمال معرفة السادات بالجريمة لضمان صمته، وسيكون مقدمة لما رجحه يوسف إدريس، إذ سجل الوزير المستقيل «مذبحة التنازلات»، بقول السادات له في كامب ديفيد: «سأوقع على أي شيء يقترحه الرئيس الأمريكي كارتر دون أن أقرأه‏».
بتوقيع المعاهدة، مد العالم يده لإسرائيل فغرست أقدامها في الشرق والغرب، ولم يكن منطقيا أن يدافع طرف أجنبي عن قضية أعلن أصحابها أنها حسمت. تم بيع الاستقلال بمعونة أمريكية مهينة قيدت مصر بالتبعية، وتراجع الاقتصاد وتضاعف الدين، وانكفأت مصر على نفسها، حتى الحدود تتعرض للتآكل والتهديد.
في مذكراته كتب الجمسي ما يشبه الوصية: «إننا لا يجب أن نتغنى بالنصر في هذه الحرب، ولكن يجب أن نستلهم معانيها». ولو شهد لحظة يناير 2011، لكتب أوجه التشابه بينها وبين لحظة أكتوبر 1973. كانت كلتاهما «أمانة» أبى الجيل أن يحملها، فتسربت كحلم نفيق في منتصفه، ولا نقوى على تذكّر تفاصيل البدايات، حيث تكمن الشياطين في التفاصيل. عادت الشياطين في العام التالي لحرب أكتوبر، كما يستأسد شياطين السادات وحسني مبارك، بعد تعثر 25 يناير. عاد إلى «الأهرام» دعاة التطبيع، واحتشد في البرلمان كارهو الثورة.