تسهيل القتل

23/10/2016 - 2:39:59

الخديو توفيق الخديو توفيق

فؤاد حجازي - كاتب مصري

في معسكر الأسرى بعتليت عام 1967، كان يزورنا صحفيون كثيرون، من أوروبا وأمريكا. وكان حالنا لا يسر، شعورنا وأظفارنا طويلة، فقد منعوا عنا أدوات الحلاقة، وملابسنا ممزقة، ملطخة بدم متخثر، زاد عليه العرق، وكنا على الوضع نفسه، الذي خرجنا به من المعركة في سيناء، وأجسادنا قذرة، فغير مسموح لنا باستعمال المياه، أكثر من نصف ساعة في اليوم، ما تكاد تقف في طابور أمام الحنفية، حتى يعلن الحراس انتهاء المهلة، ويكون سعيدا من يبل يده ويملس على وجهه، ويملأ كانتينا صغيرا من الألمونيوم بالماء، ليشرب منه، حتى ظهر اليوم التالي، بينما زميله يتعجله.
وأصيب كثير من الأسرى بأمراض كالدوسنتاريا، والحك الجلدي، وانتشر القمل مع انعدام النظافة. وكانت جراح المصابين في الحرب تتفاقم، لانتفاء أية متابعة طبية، فقط قطنة بميكروكروم، أما المصابون بشظايا القنابل وطلقات الرصاص، فقد أخذ اللحم يلتئم حولها بصعوبة، في ظل شح تغذية، تكفي المرء بالكاد لكي يتنفس. قطعة خبز في حجم كف اليد، ونصف – وأحيانا ربع - حبة طماطم أو بصل أو لفت، في الغداء. وفي المساء كوب به جبن ذائب، وهو في الحقيقة سائل لا اسم له مع قطعة الخبز، وفي الصباح ماء عكر، يسمونه شايا مع قطعة الخبز.
فلا عجب أن تكون وجوهنا ممصوصة، وأجساد بعضنا جلود على هياكل عظمية. وبالرغم من شكاوانا، فلم يزرنا مندوب الصليب الأحمر، إلا بعد مرور عدة شهور، دون أن يتحسن الوضع كثيرا.
وكان الصحفيون يصوروننا، لإظهارنا للعالم كمجموعة من الهمج، أو كأناس في مستعمرة للشحاذين أو المجذومين، طبعا للدعاية لصالح إسرائيل، فهؤلاء من يحاربهم الإسرائيليون، فلا بأس من إبادتهم، ولن يسأل أحد نفسه عن المسئول الذي طمس معالمنا الآدمية.
وكنا نفسد على المصورين صورهم، برفع أيدينا بعلامة النصر، عندما يصوبون كاميراتهم.
وذات يوم دخل المعسكر شباب يرتدون الزي العسكري، وعلمنا أنهم طلبة في نهائي كلية الطيران. أخذوا يطوفون في العنابر، يتأملون وجوهنا، ويبتسمون في لزوجة. وإذا كان مجيء الصحفيين مفهوما، فمجيء هؤلاء عصي على الفهم، وبالتأكيد لم يأتوا للنزهة، أو للترفيه عن أنفسهم ونفيت احتمال إرسالهم لمشاهدة عدوهم، لكسر حاجز الخوف والرهبة، الذي يعم أي محارب، إذا كان عدوه مجهولا له، أما عندما يراه، يُكسر الحاجز، وقد رأى إنسانا مثله يمكن التغلب عليه، وتسقط أية أساطير سمعها عنه.
وفي حالتنا، كنا مهزومين، ولسنا في حاجة لكسر أي حاجز.وهؤلاء الطيارون، ليسوا في حاجة- أصلا- لكسر أي حاجز، فهم يقصفون من علٍ، ولا يلتقون وجها لوجه مع العدو، مثل جنود المشاة أو المدرعات.
واستوقفني "القصف من علٍ" فمع أنهم لا يرون عدوهم، إلا أن البيانات التي تصور بعد الإغارة، بقتل كذا وتدمير كذا، تصلهم بلا شك، وحتى لو كان الفكر الصهيوني، يطمس على عقولهم، ويبرر لهم إبادة الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم وبيوتهم، وإذا كانت الترهات التوراتية، التي تعد الآخرين أغيارا، وتبيح قتلهم، فهم – كبشر- قد يعانون يوما الندم أو الإحساس بالذنب، لقتلهم بشرا مثلهم، دون مبرر مقنع لأعماق أية ذات إنسانية، خاصة وهم يقصفون أهدافا مدنية، مدرسة بحر البقر الابتدائية، بيوت المواطنين في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، مما اضطرنا لتهجير أهاليها إلى داخل الوادي، وقد أتيح لي أن أرى بور توفيق بعد الحرب وكذا القنطرة شرق. كانت بور توفيق مدينة للأشباح وقد دمرت القنابل سقوف بيوتها وشرفاتها وأخرجت أحشاء أسفلت شوارعها، وكانت أبراج كنائس القنطرة شرق مصابة من قصف الصواريخ.
وبمناسبة ذكر "بور توفيق" أليس محزنا، أن تحتفظ هذه المدينة باسم الخائن "توفيق" الذي استدعى البريطانيين لاحتلال مصر، وألا نستبدله باسم الثائر عرابي؟!
ويتولد عن كثرة القتل الأمراض النفسية والانهيارات العصبية، وقد سمعت في عيادة معسكر عتليت، صريخ منهارين عائدين من الجبهة، وخاصة من المجندات.
وهكذا اتضحت أمامي الصورة. فهؤلاء الطيارون الذين سيقصفون مدننا في المستقبل، تخفيفا للضغط العصبي الذي قد يعتريهم ولكبت أي شعور بالذنب قد ينبثق من نفوسهم، يأتون بهم ليروا المصريين في هذا الوضع المزري، فما ضر لو قتلوهم، وأراحوا العالم من هذه الأشكال المنفرة؟!