الفلسطينيون .. الجبهة الثالثة في حرب 1973

23/10/2016 - 2:37:34

السادات وياسر عرفات السادات وياسر عرفات

بيسان عدوان - كاتبة فلسطينية

"لم تكن جبهتين بل ثلاث جبهات"، هكذا ردد الراحل ياسر عرفات دوما تلك المقولة التي تناساها المؤرخون عمدا في الحديث عن حرب أكتوبر 1973 المجيدة. ولم تكن تلك المقولة من قبيل التفاخر الثوري لقائد منظمة التحرير الفلسطينية ولا هي تشدق إعلامي ظل مصاحبا للقطيعة الفلسطينية - المصرية التي تلت اتفاقية كامب ديفيد دون موافقة الشركاء في الحرب من العرب، بل هي حقيقة تجاهلتها الأقلام العربية والصحافة وظلت حبيسة بين سطور القادة العسكريين الموالين للسلطة في دفاترهم ومذكراتهم.
تشير الوثائق الفلسطينية أن الرئيس أنور السادات دعا قبيل الحرب بعدة أيام الرئيس عرفات لزيارته في القاهرة في سبتمبر 1973، رافقه كل من خليل الوزير "أبو جهاد" وصلاح خلف "أبو إياد" وخالد الحسن "أبو السعيد" وسعد صايل "أبو الوليد" أعضاء في اللجنة المركزية لفتح. وما أن انتهت الجلسة الرسمية لهما حتى أبلغهم بأنه سيشن حربا لعبور القناة وتحرير سيناء في أكتوبر 1973.
لاحت لأبو عمار فرصة العمر بدفع جيش التحرير الفلسطيني للمشاركة في حرب 1973 على الجبهتين المصرية والسورية، وأخذ يتحدث عن الجبهة الثالثة التي فتحها فعلا على الرغم من التعتيم الإعلامي وقتها داخل الأراضي المحتلة عبر الجبهة اللبنانية إلى الجليل وعبر الأردن بعد التعنت الأردني الشديد إلى أن اعترف العدو بذلك، عندما وقف مندوبه في الأمم المتحدة عشية بحث مجلس الأمن قرار وقف الحرب على جبهتي القتال ليقول إن حكومته تشترط كذلك التزاما عربيا بإيقاف النار على الجبهة الثالثة التي يحارب فيها الفلسطينيون.
اللواء عبد الرازق المجايدة رئيس أركان قوات عين جالوت، والعقيد منصور الشريف قائد قوات عين جالوت، والرائد حسن أبو لبدة، كتيبة 39، والرائد نمر حجاج كتيبة 49، والرائد محمد أبو مهادي كتيبة 59، وغيرهم من المنسيين في التاريخ، أولئك الرجال وغيرهم شاركوا بقيادة قوات عين جالوت بالجبهة المصرية في الدفروسوار وفي الدفاع عن مدينة السويس بعد الثغرة. حتما سيندهش كثيرون حين يقرأون عن الأبطال المنسيين وجيش التحرير الفلسطيني ودوره في حرب أكتوبر، منهم من سيتهمنا بلي عنق الحقائق، ومن سيأخذ الأمر على محمل السخرية، ومن سينكر أي دور للفلسطينيين. فقط التاريخ وحده الذي يظل يذكرنا بدور الفلسطينيين وجيشهم النظامي والمجموعات الفدائية خلال حرب أكتوبر عبر كتائبها الموزعة على الجبهات العربية المتاخمة لفلسطين المحتلة.
القتال على الجبهة المصرية
ذكرت جريدة صنداي تايمز البريطانية أن قوات جيش التحرير الفلسطينية الموجودة في الجبهة المصرية كانت أول من أعطى تحذيرا بتسلل قوات يهودية إلى الضفة الغربية لقناة السويس، وأضافت أن هذه القوات الموجودة في الخط الثاني من الضفة الغربية للقناة، شاهدت قوات العدو المتسللة ونقلت ذلك إلى قيادة الجيش الثاني المصري، إلا أن القيادة رفضت تصديق النبأ.
ضمت وحدة "عين جالوت" التابعة لجيش التحرير الفلسطيني مقاتلين نظاميين من الفلسطينيين بلغوا 6 كتائب التحقت بالجيش المصري في حرب 1973، وأسند إليها واجبات قتالية كوحدات المشاة المصرية. وانتشرت وحدة "عين جالوت" في المنطقة الواقعة بين كبريت وكسفريت، أي جنوب الدفرسوار على امتداد 25 كيومترا في مواجهة البحيرات المرة، كما اشتركت مجموعات فدائية من قوات "العاصفة" غير نظاميين من الفلسطينيين فى عمليات خاصة خلف خطوط العدو لقنص الدبابات والإغارة على مرابض مدفعية العدو أو لضرب قوافله وآلياته المتحركة، كما أسندت إليها مهام دفاعية خلف منطقة العبور التي قام بها الجيش الثالث المصري. ومراقبة قوات العدو ومهام استطلاعية، وقد نجحت في التبليغ عن البدايات الأولى للخرق الإسرائيلي في الدفرسوار يوم 16 أكتوبر.
صمدت قوات "عين جالوت" ثمانية أيام بعد نجاح الخرق الإسرائيلي وتوسعه يومي 22 و23 أكتوبر وقصفتها بالطيران بقنابل من عيار 500 رطل والقنابل الكيماوية، بجانب مواجهتها للمدرعات الإسرائيلية وحاولت تأخير تقدمها على الطريق الواقع بين البحيرات والمرتفعات الجبلية، كما قاومت محاولات العدو النزول من الجبال عبر وادي الجاموس لمدة 72 ساعة من يوم 18 أكتوبر.
تلقت وحدة "عين جالوت" برقية عسكرية بتاريخ 24 أكتوبر بضرورة الانسحاب جنوبا باتجاه مدينة السويس، للدفاع عنها وصد محاولات العدو المتكررة لدخولها، ويذكر أن وحدات قليلة قاتلت إلى جانب قوات عين جالوت على الجبهة المصرية من المتطوعين الفلسطينيين ووحدات ضفادع بشرية تابعة لحركة فتح، وقد سقط منهم ثمانية عشر شهيدا ومفقودا، أما قوات عين جالوت فقد سقط منها 30 شهيدا و70 جريحا وعدد من المفقودين.
شاركت قوات عين جالوت بقيادة اللواء الركن منصور أديب شريف بثلاث كتائب على الجبهة المصرية (كتيبة 39 بقيادة الرائد حسن أبو لبدة، وكتيبة 49 بقيادة الرائد نمر حجاج ، وكتيبة 59 بقيادة الرائد محمد أبو مهادي)، وألحقت بالقوات الفلسطينية ثلاث كتائب مدفعية بقيادة المقدم صلاح الدين عبد الرحمن. وسجلت قوات عين جالوت نجاحا واضحا في الجهد الجماعي للقوات العربية المتمركزة في منطقتها إلى جانب اختيار مجموعات قتال للعمل خلف خطوط العدو بإمرة الجيش الميداني الثاني تم دفعها مع الوحدات الخاصة المصرية. وبالتفاهم المسبق بين القيادة المصرية والفلسطينية تم إرسال قوات إضافية مكونة من مجموعات خاصة من الضفادع البشرية ومن مقاتلي حركة فتح أسندت لهم مهام خاصة. وفي احتفال رسمي بعد انتهاء الحرب وجهت دعوة رسمية للرئيس ياسر عرفات من المشير أحمد إسماعيل لزيارة الجبهة المصرية، وتم وضع أرفع وسام على العلم الفلسطيني تقديرا للمشاركة الفلسطينية في القتال على الجبهة المصرية.
القتال على الجبهة السورية
خمس قوات فلسطينية قاتلت على الجبهة السورية (منها قوات حطين، وقوات العاصفة، وقوات الصاعقة، وقوات القادسية) كانت تعمل تحت إمرة الجيش العربي السوري وأسند إليها مهام الاستطلاع والعمل خلف خطوط العدو كقوات مظلات، ومع اشتداد المعارك أنيط بها الدفاع عن مواقع أرضية على الجبهة، واحتلال المواقع المسيطرة والحساسة فيها، ومواصلة صد قوات العدو.
قامت "قوات القادسية" بالانقضاض من الجو على مواقع وحصون العدو وبعض التلال الاستراتيجية، واحتلت تل الفرس يوم 7 أكتوبر، والإغارة على مواقع العدو ومرابض دباباته خاصة خلف خطوط العدو. كما احتلت تل الشعار يوم 11 أكتوبر، وتل المال وتل المطلق يوم 12 أكتوبر، وكذلك تل شحم يوم 16 أكتوبر. وقامت "قوات القادسية" بالقتال في معركة تل أبو الدهب مع القوات السورية وسقط منها 46 شهيدا ومفقودا بينهم 6 ضباط إلى جانب 65 جريحا وخمسة أسرى.
إلى جانب الدور المباشر لجيش التحرير الفلسطيني وقوات الصاعقة تم الزج بثلاث كتائب من قوات العاصفة التابعة لحركة فتح (الكتيبة الثالثة بقيادة الرائد حسن أبو شنار، والكتيبة الثانية بقيادة الرائد زياد صغير، وكتيبة قطاع الجولان بقيادة المقدم نصر يوسف، وسرية خالد بن الوليد بقيادة النقيب صلاح أبو زرد والتي استشهد منها ستة ضباط في كمين نفذته وحدة خاصة إسرائيلية ما بين قرية دربل وكفر حور). وقد تمركزت هذه القوات حسب خطة العمليات السورية، ونجحت في تحرير بعض التلال والاحتفاظ بها إلى ما بعد وقف إطلاق النار.
القتال على الجبهة اللبنانية
كان عماد الجبهة الثالثة قوات العاصفة التي فتحت جبهة ممتدة من البحر المتوسط غربا حتى بلدة كفر شوبا وكفر حمام شرقا في قطاع العرقوب، وكانت تقاتل في المحاور التقليدية الثلاثة (المحور الغربي، والأوسط، والشرقي)، وكان الحشد كبيرا حيث عملت قوات العاصفة بكل تشكيلاتها ووحداتها الفرعية إلى جانب كتيبة مصعب بن عمير من قوات القادسية من جيش التحرير، وجميع قوات الثورة الفلسطينية التي تتشكل منها قوات فصائل (م ـ ت ـ ف). وتركزت العلميات القتالية بأسلوبين أولهما باستخدام المدفعية وراجمات الصورايخ الحديثة، والثاني بعمليات فدائية راجلة تقوم بالإغارة وزرع الألغام والعبوات، واستهداف كافة مناحي الحياة في إسرائيل.. مصانع، إذاعات، محطات توليد، قطارات.
فتحت المقاومة الفلسطينية أبوابها للمتطوعين العرب لينخرطوا في صفوفها خاصة العراق وبعض دول الخليج، وشاركت القوات الفلسطينية بعشر كتائب قاتلت على الجبهة اللبنانية في أكتوبر 1973 من كافة الفصائل الفلسطينية، وأنجزت 207 عمليات عسكرية على طول الجبهة الممتدة من الساحل الغربى حتى نقطة التقاء الحدود السورية ـ اللبنانية فى سفوح جبل الشيخ، 23% منها عمليات قصف مدفعى وصاروخي، و23% عمليات تفجير، و23% عمليات هجوم، و13% كمائن، و11% اشتباكات، و7% إغارة وقنص، اضطرت الدولة العبرية المحتلة (إسرائيل) إلى تهجير المستوطنين من القرى والمستعمرات الحدودية، فأخليت 42 مستعمرة إسرائيلية كما ذكر يوسف تكواه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة خلال مناقشات مجلس الأمن، وهو أمر أضاف أعباء أخرى كبيرة على تنظيم مجهودها الحربى أثناء القتال، وسقط خلال المعارك على هذه الجبهة 59 شهيدا، 43 جريحا من المقاتلين أثناء قيامهم بمهامهم داخل الأرض المحتلة كما أفادت بيانات الثورة الفلسطينية.
القتال على الجبهة الأردنية
من المعلوم أن الحرب بدأت من الجبهة المصرية والسورية، ولم تفتح الجبهة الأردنية التي تم تعويضها بفتح الجبهة الثالثة من قبل القوات الفلسطينية في لبنان، غير أن الأردن فى حرب تشرين عمل على إغلاق هذه الحدود فى وجه قوات الثورة الفلسطينية لمنعها من العمل ضد إسرائيل، وهو أمر جعل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تصدر فى اليوم الثالث للحرب بيانا تتهمه بالتواطؤ. وبالرغم من كل الصعوبات نجحت بعض الوحدات الفدائية في الوصول إلى أهدافها بالأرض المحتلة واعترف العدو بذلك، فقد أعلن ناطق عسكرى إسرائيلى فى اليوم التالى للحرب عن قصف إحدى المجموعات الفدائية لثلاث مستعمرات إسرائيلية فى غور بيسان بالصواريخ، كما اعترف بقصف مستعمرتي غادوت وشامير ومدينة سمح جنوبى طبرية يوم 15 أكتوبر بالصواريخ الثقيلة، ونسف مضخة المياه ومجمع الكهرباء فى إيلات. وقد سقط على الجبهة الأردنية 15 شهيدا وجريحا فلسطينيا.
المقاومة داخل الأراضي المحتلة عام 1973
قالت جولدا مئير رئيسة وزراء العدو الصهيوني في الكنيست يوم 23 أكتوبر إن عمليات المقاومة الفلسطينية التي قام بها الفدائيون الفلسطينيون خلال الـ 17 يوما الماضية بلغت 106 عمليات، شملت 44 مستوطنة في شمال فلسطين، "وأدت إلى مقتل وجرح 20 مدنيا وستة جنود".
مع بداية القتال ظهيرة يوم 6 أكتوبر دعت منظمة التحرير الفلسطينية العمال الفلسطينيين فى الأرض المحتلة إلى مقاطعة معامل ومزارع العدو، وخلقت ما عرف باسم الجبهة الوطنية الفلسطينية المؤلفة من فصائل المنظمة داخل الأراضي المحتلة لتنسيق العمل الميداني الداعي إلى مقاومة الاحتلال، كما أضربت المدارس وسيرت مظاهرات فى عدد من المخيمات جرى خلالها قذف مراكز الشرطة بالحجارة. وامتنع الفلسطينيون عن التعامل بالعملة الإسرائيلية، ونجح بعض أصحاب سيارات النقل في عدم تسليم سياراتهم إلى الجيش الإسرائيلى، ولجأ بعضهم إلى تعطيلها. وشهدت سجون ومعتقلات العدو تمردات من قبل الفدائيين الأسرى لدى العدو، الأمر الذى دفع بسلطات السجون الإسرائيلية إلى التنكيل بالمناضلين المعتقلين فى سجون بئر سبع، واعتقلت سلطات الاحتلال خلال فترة الحرب أكثر من 500 مواطن فلسطيني، وأُعلنت الضفة الغربية منطقة عسكرية مغلقة.
وفقا لبيانات الناطق العسكري الفلسطيني في الفترة بين 6 و24 أكتوبر نفذ الفلسطينيون 78 عملية عسكرية أهمها الهجوم على معسكر للمظليين الإسرائيليين في الكويدره قلب الجليل المحتل من قبل مجموعة فدائية في اليوم التالي لبدء الحرب على الجبهتين المصرية والسورية.
استخدم الشباب الفلسطيني غير المنضوي للمجموعات العسكرية عدة مواجهات بدائية كحرق المزروعات والمحاصيل فى المزارع التابعة للمستوطنات الإسرائيلية القريبة فى مناطق جنين وطولكرم، وفك مسافات طويلة من قضبان السكك الحديدية فى غزة وسيناء، وقطع أسلاك الكهرباء والهاتف، إضافة إلى إلقاء قنابل المولوتوف على عدد من دوريات وسيارات العدو.
ففي صبيحة 22 أكتوبر أعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أنها ليست معنية بقرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف القتال وأنها ستتابع الكفاح المسلح، وفي اليوم التالي غداة وقف إطلاق النار على الجبهتين المصرية والسورية، أعلنت رئيسة الوزراء الإسرائيلية أن الفدائيين الفلسطينيين قاموا بأكثر من 100 هجوم على 47 قرية من قرى الحدود في 23 أكتوبر.
يمكن القول إن هناك جهودا وأدوارا منسية في حرب 1973، منها دور المقاومة الفلسطينية الفعال في تلك الحرب، وقد أسقط عمدا خلال التأريخ لحرب أكتوبر المجيدة نظرا للموقف السياسي الرافض لوقف إطلاق النار من جهة ووقف القتال على الجبهة المصرية والسورية، ذلك الدور الذي فتح جبهة ثالثة على العدو الصهيوني بمشاركة القوات النظامية الفلسطينية منضوية تحت لواء الجيش السوري والجيش المصري، بجانب حركة المقاومة الفلسطينية التي شكلت جبهة ضاغطة ومشتتة للعدو الإسرائيلي لإنهاك قواه الأمنية عبر سلسلة من العمليات الفدائية العسكرية والنضال المدني للشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة. ورغم التعتيم إلا أن أسماء القادة العسكريين الفلسطينيين الذين شاركوا في الحرب لا تزال تنبض بالحياة شاهدة على أهم حرب في الصراع العربي - الإسرائيلي خاضها العرب وانتصروا.