السويس .. مدينة تقاوم الفناء

23/10/2016 - 2:35:16

ابطال المقاومة الشعبية  في 24 اكتوبر ابطال المقاومة الشعبية في 24 اكتوبر

أنور فتح الباب - كاتب مصري

قد يكون ميراث التاريخ عبئا على البشر عندما يكون التاريخ مفارقا للواقع؛ فالقُلزم أو السويس ـ سمها كما تشاء ـ تلك المدينة الأشهر بمقاومتها ونضالها "من كسر عصر القرامطة للإنجليز بالذات" كما يقول شاعرها عطية عليان في أغنية يؤديها الموسيقار والمغني السويسي أشرف السركي والذي يحلو له أحيانا أن يطوع كلماتها ليجعل كسرها يمتد "للأمريكان بالذات" هي تاريخ للمقاومة. وقد وصفها "بارتيلمي سانت هيلار" الرحالة الفرنسي الذي زارها في القرن 19 بأنها مدينة تقاوم الفناء، بل هي تصنع الحياة.
المقاومة هي جدل الحياة والموت، صراع بين أن تبقى أو لا تبقى، بين أن تتواءم مع واقع ذليل مهين وطاغ أو ترفضه بإباء. كان قدرها أن تقاوم قوة القرامطة، هذه القوة القادمة من الشرق في عصر يموج بالتمرد والعصيان والرفض وهي تلك الحركة التي حار فيها المؤرخون ما بين رافض لها مكفر مندد بميلها العنيف والدموي، وبين متعاطف يحاول إظهارها بمظهر الحركة الرافضة للذل والخضوع حاملة رايات تمرد ضد دولتي العالم الإسلامي المنهكتين بفعل الزمن وتحلل الواقع.. العباسية في المشرق التي تحمل راية الإسلام السني، والفاطمية في المغرب العربي ومصر وهي الحاملة راية آل البيت والتشيع لهم. ومع تمركزهم في برزخ السويس صاروا قوة تهدد الطريق بين المشرق والمغرب وطريق الحجاج إلى مكة وكان ذلك في عهد الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي الذي كلف أحد قواد جيوشه "أبو يوسف بن محمد بن يعقوب بن عماد" بالتصدي لهم فقاد الجيش إلى منطقة البرزخ وحمل عليهم بشدة ولكن جيشه كاد ينكسر لولا صيحته في جيشه "أقدموا سواسية ترهبون أعداء الله" حتى كسرهم وانزاحوا عن البرزخ فسقط شهيدا على أرض المعركة في السابع عشر من ذي القعدة عام 320 هجري ودفن هو والشهداء في منطقة السلمانية بالسويس ليطلق عليه اسم سيدي الغريب، هل لغربته ككل أولياء الله الصالحين أم لقدومه من المغرب أم أن مصر هي مأوى لكل غريب، والشاهد على ذلك تكرار الاسم على كثير من الأولياء، وتصير السويس بلد الغريب معنى ومجازا وليصبح سيدي عبد الله الغريب هو أهزوجة وأغنية "حامي السويس يا غريب" والأكثر غرابة أن تبحث في كل مصادر ومراجع التاريخ الفاطمي فلا تجد ذكرا له أو إشارة.
هل هو قدر هذه المدينة أن يختلط فيها التاريخ بالواقع بالأسطورة ليصنع للمدينة قوامها ومعناها، هل هي "سويس" عبد الله الغريب الذي دعا الجند ليكونوا سواسية أم هي مدينة الملك سوس في الأسطورة الشعبية المتداولة والذي أخفى كنوزه في منطقة الطابية بالسويس فلا تستخرج إلا بفك الطلسم المعقود في ديك ذهبي يخرج عند الفجر والتي مزجها أديب السويس وشيخ روائييها محمد الراوي بعطر إبداعه الجميل في روايته "تل القلزم" مازجا بين التاريخ والأدب والأسطورة أم أن اسمها ارتبط بالسوس الذي لا يني يأكل فيها وينخر في جسدها الأسطوري الأبدي كما يقول عبد الغني النابلسي "الحقيقة والمجاز في الرحلة للحجاز":
بت في سبخة السويس على لا ماء يغري جليسي
سَوَسَ الحب فيه للناس خزنًا فلهذا يدعونه بالسويس
أم أنها السويس التي شهدت انكسار رموز المقاومة حيث مر بها جمال الدين الأفغاني منفيا منكسرا في عهد الخديو توفيق وعندما يناوله أحد مريديه قدرا من المال يرده قائلا إن الأسد لا يعدم أن يجد فريسته أنى مضى، أم هي التي سوف تستقبل أحمد عرابي منكسرا ذهابا وإيابا وهو راحل إلى منفاه السيلاني حاملا على أكتافه عار خيانة خديو باع وطنا لا يملكه لشذاذ الآفاق من أبناء السكسون وعندما يرى السويس وهو عائد من منفاه يلاحظ كم اتسعت وتطورت.
ثم يأتي مشهد آخر للمقاومة وهو معركة كفر أحمد عبده 1951 وكيف ارتبطت السويس بالهم الوطني العام مع إلغاء معاهدة 1936 وكيف قدم الأهالي أرواحهم وتضحياتهم بلا تردد حيث تساقط الشهداء من زهرة شبابها، أراهم وهم ينزلون ساحة الوغى مواجهين بنادق الإنجليز ورصاصهم بصدورهم المكشوفة وبلا أدنى تردد. هل هو قدر هذه المدينة وطريقها الذي شقته لنفسها في تاريخ مصر الوطني؟ وتقديرا لشهداء أحمد عبده تقيم حكومة الثورة نصبا تذكاريا في ميدان المحافظة بلوحات تذكارية تُسجل أسماء الشهداء. وما تلبث مشروعات التوسع أن تطيح به وبقسوة، كل تصرفات السلطة لا تُلقي بالا إلى الشهداء أو لوحات تذكارية تسجل أسماءهم، ومن الهزل أن تقام مكان النُصب نافورة تقيمها شركة للسخانات الكهربائية مع وعد بعمل تمثال قرب كفر أحمد عبده يُخلد ذكراهم وبالفعل تفي الجهات المسؤولة بوعدها ولكن ما يلبث هذا التمثال أن يتحطم على يد الجماعات التكفيرية التي ترى فيه وثنا لا يجب أن تقوم له قائمة وكأن ذكرى الشهداء يتآمر عليها الإهمال الرسمي وغلظة الفكر التكفيري الذي لا يحفل بتاريخ أو ذكرى، وكأن الأقدار تختار أن يكون شهداء السويس دائما مجهولين في "بلد الغريب" فطوبي للغرباء.
وكأن الألم والتضحية كأس لا بد أن تشربه السويس في حروب مصر المتوالية في 1956 و1967 كقدر لمدينة صنعتها المصادفة الجغرافية السيئة كما يصف جمال حمدان الوطن الأكبر مصر ليشهد التاريخ دمار مدينة.
لا تعني الحرب دمار مبانيها ومساكنها ومنشآتها وإنما دمار تاريخ بشري من صنع الحياة والعيش والعلاقات الإنسانية لتصير السويس مدينة بلا تاريخ معماري إلا ما رحم ربي، هل المباني هي البناء المجرد من مواد بناء وأحجار وطوب؟ أم هي تاريخ من حياة البشر حيث نشئوا ولعبوا وتعاركوا وتزاوجوا وتناسلوا، لكن يبقى من تمسكوا بالحياة فيها وصاروا كجزء من بقائها وحياتهم ارتبطت بها، من ينسى تعلقهم وبقاءهم فيها طوال سنوات الاستنزاف والحرب والحصار من 1967 إلى 1973 "حسن السوداني" بائع الجرائد و"العربي بوف" المغني الثوري الضرير و"فله مارجيراكي" اليونانية المتمصرة التي ربطت مصيرها بمصير هذه المدينة. هل هذا هو ما يتبقى من شجن التاريخ، هؤلاء البشر وذكراهم وتذكارات عشق للمكان. بسطاء وقد يكونون فقراء لم يبقوا بالمدينة لحماية ثروة أو ممتلكات وإنما هو الارتباط بالذكرى والمكان فتساوى لديهم الموت بالحياة. هل طبيعة المكان هي التي تفرض على البشر طباعهم كما يقول الحتميون الجغرافيين؟ فتصير "ميه مالحة ووجوه كالحة" هي صحيح وجوه كالحة لكن في مواجهة من لديهم كل كلاحة الاستغلال والقهر من مستعمر أجنبي أو محتل، سمه إن شئت قرامطة أو إنجليز أو إسرائيليين أو حتى مستبد أو مستغل داخلي. هي مدينة تأبي الركوع حتى في وجه أنور السادات، من مجد صمودها في وجه الحصار الإسرائيلي في 1973 وشبهه بصمود ستالينجراد (المدينة السوفيتية التي صمدت صمودا أسطوريا أمام الغزو النازي) فتهب في وجهه في 1977 رافضة أن تُسلب لقمة العيش من أفواه الفقراء إلى خزائن أصحاب الملايين والوحوش الصاعدة التي حصدت ثمار عمل شعب قدم أبناءه وحياته ثمنا فادحا لا يعوض. أيضا هو الدرس القاسي الذي لم يتعلمه أبدا سلفه الذي عاش مطمئنا إلى أن هؤلاء البشر سيحيون في ساقية طلب الرزق ومنهم من تراوده أحلام الصعود إلى عالم السادة المخملي.
في مساء 25 يناير 2011 قالت مذيعة برنامج "التوك شو" إن وزارة الداخلية رصدت السويس رصدا أمنيا خاصا، وفسرت صخب التظاهر والرفض في السويس بأنه وضع خاص لمدينة مزعجة تشتهر بتنوع تياراتها السياسية. والحقيقة أن الداخلية في هذه المرة لم تفقد الحصافة وحسن التقدير مع مدينة متحدية تملك تراثا من المقاومة والرفض واشتهرت بتاريخها في المقاومة والتحدي، فالظروف لم تتغير كثيرا في مدينة صمدت ودحرت عام 1973 العدو الإسرائيلي على بواباتها وتمردت في 1977. هل هو جرح التاريخ الذي تحمله مدينة دنسها مليارديرات عصر "النوفو ريش" الذين لا يأبهون كثيرا للتاريخ شأن كل محدثي النعمة الذين كونوا ثرواتهم من أكل السحت والإثراء الحرام والعمولات ومص دماء زهرة شباب المدينة، ففي مدينة صناعية تمتلك مشروعا طالما تغنى به النظام "مشروع تنمية شمال الخليج" تضرب البطالة أبناءها من خريجي الجامعات والدبلومات العليا والمتوسطة أو أن يقبلوا عقودا للعمل توقع معها استقالة إذا تمرد الشاب على ظروف العمل والأجور المتدنية، هل هناك أشد مهانة من هذا؟ وتنتشر حالات الفشل الكلوي لشعب يشرب من نهاية ترعة الإسماعيلية التي تأتي محملة بكل ما تحمله النهايات من كيماويات ومخلفات مياه الصرف الزراعي. حتى عندما طرح في أوائل التسعينيات مشروع مد خط مياه أكثر آدمية (خط الكريمات) للمدينة سرعان ما اختطفه المستثمرون في العين السخنة وشمال الخليج للقرى السياحية والفنادق والمطاعم متعددة الجنسيات، ليموت أبناء المدينة على أجهزة الغسيل الكلوي.
في مدينة ينفق الناس نصف يومهم من أجل الحصول على أرغفة رديئة إن وجدوها ماذا تفعل غير أن تلوك الصمت والمرارة حيث يرى الناس الأبراج وناطحات السحاب ولصوص المرحلة يتصدرون المشهد بالقوة في مدينة لم يكتب لمرشحي الحزب الحاكم الأربعة في دائرتي السويس الانتخابيتين أن ينجحوا قط إلا بمنع الناس من دخول اللجان وتسويد البطاقات.
هل كانت مصادفة أن يخرج الناس بقوتهم في 25 يناير ثائرين لتاريخ وكرامة مدينة لم تعتد الركوع إلا لخالقها وينفض الناس أثواب الذل عن مدينة أنجبت من الشهداء والأبطال الكثير والكثير، ويسقط أول شهداء الثورة من السويس وليصنع دم الشهيد ثأر دم مع نظام قرر دهس الناس بالمدرعات في شوارع المدينة وإطلاق الرصاص الحي على البشر.. وهل كانت مصادفة أن تنزل النقمة على رموز السلطة والرأسمالية المتوحشة لنظام وصل غباؤه حد الحمق وقطع أي جسور للعودة ويسقط الشهداء الواحد تلو الآخر لتسجل المدينة 27 شهيدا.
هل كان هذا الثمن الفادح هو الذي دفع الجماهير وهي تتظاهر احتفالا بتنحي الطاغية أن تهتف بعنف أمام أبواب قسم شرطة الأربعين المحترق "يا شهيد يا شهيد النهار ده يوم العيد" وأن يقوم الشباب في وقت الاحتفال بتغيير اسم ميدان الإسعاف مرتع الثورة والثوار ويكتبوا بأيديهم وبخط جميل ميدان "شهداء الثورة" لتنزل دموع الألم والفرح وليسجد الجميع سجدة شكر لله.. هل كانت المدينة تثأر لتاريخها وشهدائها شأن كل المتمردين والثائرين الذين لا يأبهون لحسابات الثروة ولا يعنيهم زمن العولمة المتوحشة ولا شركائها المجرمين؟