من جبهة القتال إلى الفصل الكهربي للبروتين

23/10/2016 - 2:34:23

كاتب المقال على الجبهة كاتب المقال على الجبهة

رجب سعد السيد - كاتب مصري

في خريف 1976، كنت نموذجا متكررا مئات الآلاف، إن لم يكن ملايين المرات، للشاب المصري الذي عايش تقلبات حادة مرت بوطنه، آخرها مشاركته في حرب انتصر فيها جيش بلاده، وهو أحد مقاتليه؛ فلما وضعت الحربُ أوزارَها، ارتكب القائمون على شأن الوطن (أوزارا) لا تغتفر، وأضاعوا ما تحقق في أكتوبر 73 في متاهات مباحثات زلقة، انتهت إلى معاهدة مهينة؛ ثم تلاحقت أوزارُهم، فبدلا من أن تستفيق البلاد وتمضي، ككل البلدان التي خاضت حروبا وخرجت منها منتصرة، أو حتى منهزمة، تعيد ترتيب بيتها الداخلي، وتعتني بمواردها البشرية، تعليما وثقافة وغذاء وحياة اجتماعية نظيفة، تسودها العدالة، إذا بها تمرُّ بحالة من (الخَـرَف) العام، تفرغ فيها رئيسُها لتدليل ذاته ومداعبة مناطق الشبق السياسي فيها، حتى فوجئ... برصاصات تخترق نياشينه التي منحها لنفسه، وترديه قتيلا.
وكنتُ قد أنهيتُ مدة خدمتي العسكرية (الإجبارية)، وهي سنةٌ امتدَّتْ – من أجل استعادة كرامة الوطن التي لم يكن لي يد في إضاعتها – أربع سنوات. وعدتُ إلى الحياة المدنية وكأنني عائد إلى حياة مختلفة، فقد كنت اعتدتُ الحياة العسكرية، إذ كانت ميزاتها المادية أكثر من ميزات الحياة المدنية، فقد كنتُ أجد الطعام سهلا، طيبا إلى حدٍّ ما، ولا حاجة لي بملابس كثيرة، فأنا طوال الوقت في (الأوفرول)، ولا أحتاج لمصروفات كثيرة، فحتى السجائر – وكنت وقتها أدخن – كنت أحصل على كفايتي منها من خلال ما كان يقدمه سلاح (التوجيه المعنوي) للجنود من مواد ترفيهية، بينها السجائر؛ إضافة إلى أنني، طوال السنوات الثلاث الإجبارية، كنت أصرف راتبي من الوظيفة المدنية (وقدره 17 جنيها مصريا)، إضافة إلى (مستحقاتي) بصفتي (رقيب ه. ع. مستبقٍ)، وقدرها 18 جنيها مصريا. أي أن دخلي الشهري كان نحو 35 جنيها، وهو الراتب الأساسي لدرجة المدير العام في الحكومة في ذلك الأوان!
ويجبُ أن أعترف أيضا أن التجنيد في الجيش طوال هذه المدة ولّد لديَّ ارتياحا إلى حياة الصحراء، وكان (الملجأ)، أو (الدُشمة) التي أقيم فيها هي مكتبي وخلوة تأملاتي، وفيها كتبتُ العديد من المقالات والقصص القصيرة، نشرتُ بعضَها في مجلة الجيش، أيضا، وهي (مجلة النصر)، بدعم من أحد المشرفين على تحريرها، الصديق الراحل، الشاعر الجميل العذب (مصطفى الشندويلي)، الذي كان (يرتب) مكافأة نشر لي قدرها (3 جنيهات كاملة) عن كل مقال أو قصة!
إذن، فقد (لفظني) الجيش، بعد أن (أكل لحمي)، إلى العراء. عراء اقتصادي، إذ فقدتُ أكثر من نصف مجمل دخلي السابق، وعدتُ (عالة) على أسرتي الفقيرة، التي يعولُها موظف حكومي صغير بالدرجة السادسة، وكان عليَّ أيضا أن أوفر تكاليف حياتي الشخصية، كشاب في السابعة والعشرين، متعدد الاحتياجات، يعاني قصورا حادا في الموارد والإمكانيات، ويمارسُ أحلاما مُضَيَّعة، لا أمل في تحقيقها، في حياة خاصة، يعاود فيها طورا جديدا في حياته التي (توقفت) لأربع سنوات، بحساب الزمن العادي، أما بحساب استهلاك الروح والجسد، فتقترب من أربعين سنة.
كنت، فعلا، أفاجئُ نفسي في حالة (شائخة) في كثير من الأحيان. وأنا أدين بالفضل لظروف عملي، كاختصاصي بحث علمي، بالدرجة الثالثة، في المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، بالأنفوشي. استمتعت في المعهد، معظم الوقت، بزمالة راقية، مشبعة بالمودة، وفرت لي جوَّ أسرة بديلا عن أسرتي التي كنت لا أعايشها إلا لألقي بجسدي في فراشي، بعد انتصاف كل ليلة. وساعدني المناخ العلمي على الاحتفاظ بلياقتي الذهنية، أو بالأصح على أن أستعيدها، بعد أن استنزفتها سنوات (البيادة)؛ وتصادف أن التحقتُ بقسم علمي كان معظم أفراده زملاء دراسة، وأصدقاء الشباب الأول، في قسم علوم البحار، بكلية العلوم. كنت أقضي معظم ساعات نهاري في المختبر، أو متسكعا في المختبرات الأخرى، في فترة التفتيش عن موضوع يصلح لأن أسجِّل فيه لدرجة الماجستير، التي لم ألبث أن بدأتُ دراساتها التمهيدية النظرية، واجتزتُها بنجاح. وسأعود لتفاصيل أحوال الاشتغال بالبحث العلمي في فصل لاحق، إلا أن الأمر انتهى بي لأن تكون دراستي حول تصنيف أسماك عائلة التونة في الساحل المصري للبحر المتوسط.
كنتُ سعيدا بدراساتي العملية، التي كانت تتيح لي أن أبقى في مختبري حتى قرب منتصف الليل أحيانا، كما كانت توفر لي الطعام الجيد في بعض الأيام، إذ كنت أشتري، على حساب ميزانية الأبحاث، عينات الأسماك من السوق، وبعد أن (أشتغلها)، أرسلها إلى (شواية) أسماك قريبة من موقع المعهد، ليلتف حولها كل (السهرانين)، وكانت سمكة واحدة من بعض أنواع التونة، تكفي لسد جوع خمسة منا!
ولا بأس في أن أكشف لكم عن خطتي العملية في تصنيف الأسماك، إذ كنت أستعين على إحكام تحديد النوع بطرق عدة: دراسة الخصائص الخارجية للنوع (الموفولوجيا) – دراسة شكل الهيكل العظمي والجمجمة ونظام توزيع الأحشاء الداخلية – ودراسة محتوى المعدة، بالإضافة إلى التصنيف الكيميائي، بتحديد نمط توزيع الأحماض الأمينية المكونة لجزيء البروتين، وهو نمط مميز لكل نوع، وينطبق ذلك على كافة الكائنات الحية، لا الأسماك فقط. وكانت دراسة هذا النمط تستدعي توفر جهاز كهربي يفصل هذه الأحماض، واسمه (جهاز الفصل الكهربي: إلكتروفوريزيس)، ولم يكن متوفرا في مركزنا البحثي في ذلك الوقت.
وكنت حريصا على الاتصال بالحياة الثقافية والأدبية في الإسكندرية، وخاصة قصر ثقافة الحرية، حيث كانت نشأتي ونشأة جيلي الأدبية، في نادي الشعر (الأحد من كل أسبوع)، والقصة (الإثنين). ومن أبرز الوجوه في نادي القصة بذلك الوقت، أديبة (علومية)، هي الدكتورة حورية البدري، وكانت لما تزل معيدة بقسم النبات، في ذلك الوقت، وكنت أطلعها من حين لآخر على أحوال بحثي في أسماك التونة. وكانت على علم باحتياجي الشديد إلى ذلك الجهاز. وتصادف أن كنت في زيارة لمبنى كلية العلوم، في يوم من خريف 1976، مشاركا في إصدار مجلة ثقافية للكلية، وكنت أوشك على مغادرة المبني العتيق في (محرم بك)، وفوجئتُ بصديقتي الفاضلة الأديبة حورية البدري تناديني، وتستوقفني، وتدعوني للصعود إلى قسم النبات، قائلة إنها وجدت من لديهم خبرة بالفصل الكهربي للبروتين، ومن المهم لي أن أقابلهم.
استسلمتُ لها آملا في سبيل إلى انتهاء مشكلتي في دراستي التصنيفية للتونة، لأقابلها، خبيرة تصنيف النبات، (تجدونني في الصورة، أجلس إلى جوارها مستردا هيئة الآدميين)، بعد نحو سنة، لا أكثر، من زمن ذلك اللقاء التصادفي، مع حورية البدري، في باحة كلية العلوم.