عبد الوهاب ينال لقب « مطرب الملوك والأمراء » وإسدال الستار على مسرح سيد درويش .. أول دستور للموسيقى العربية في مؤتمر بمصر 1932

23/10/2016 - 2:32:21

أعضاء المؤتمر أعضاء المؤتمر

د. عصمت النمر - طبيب وكاتب مصري

في عام 1932 شهدت القاهرة حدثا تاريخيا بكل المقاييس حيث نظمت أكبر احتفالية موسيقية في تاريخ الوطن العربي ألا وهو مؤتمر الموسيقى العربية الأول ولمدة ثلاثة أسابيع. فكرة المؤتمر في البداية كانت القيام بالحفاظ على الموروث الثقافي من أجل تجديد الموسيقى العربية. هذا المؤتمر واحد من أهم المحطات في التطور التاريخى الحديث للموسيقى العربية، حيث شهدت الموسيقى العربية في القاهرة نوعا من ولادة جديدة. وكان للمشاركين من الأووربيين اهتمامهم الخاص بالموسيقى العربية. فبارتوك ولاخمان كانا يعيشان في تونس. موريس فون هورنبوستل من هواة جمع الآلات الموسيقية العربية التقليدية، ودرس الموسيقى العربية بكل أشكالها.
نوه الأستاذ سليمان توفيق في مقال موجز بعنوان "مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932" بقوله: "مهّد المؤتمر الطريق لنشوء علم الموسيقى العربية. وقد تم تحديد مصطلح "الموسيقى العربية" من جديد، بعدما كان سابقا جزءا من مصطلح جماعي هو "الموسيقى الشرقية"، الذي كان يضم أيضا الموسيقى التركية والفارسية والهندية والصينية. وقد تبين في المؤتمر ولأول مرة بشكل واضح وجود تقاليد موسيقية مختلفة. حتى أن بعض الموسيقيين العرب أبدوا العديد من الأسئلة المشروعة حين شاهدوا الاختلافات الموسيقية الهائلة التي تفصلهم عن بعضهم البعض. على سبيل المثال موازين الموسيقى العربية في المشرق العربي مختلفة تماما عن الموازين المستخدمة في المغرب العربي، القريبة من النظام الزمني الأوروبي. وعلى العكس من الموسيقى العربية في المغرب تستخدم الموسيقى في كل من سوريا ومصر والعراق ـ وبشكل طبيعي ـ "ربع الصوت".
بزوغ الفكرة
جاءت فكرة المؤتمر من عالم الموسيقى المصري محمود أحمد الحفني الذي عاد للتو من الدراسة في برلين، وكان أول عربي يدرس علوم الموسيقى. بدأ عمله في القاهرة مفتشا للموسيقى، ومسؤولا عن التعليم الموسيقي في وزارة المعارف في مصر. ومن خلال تجربته في ألمانيا رأى الحفني بوضوح ندرة الأبحاث في الموسيقى العربية، فأراد تجديدها لتتواصل مع الموسيقى الأوروبية دون المساس بسماتها الأساسية. كان لبعض الأوساط الموسيقية العربية المنفتحة اهتمامات بالأفكار والآلات الموسيقية الجديدة، وكذلك بالتقنيات التلحينية الحديثة. وكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة للتجديد.
وكان الدكتور الحفنى أول من أدخل دراسة الموسيقى في المدارس المصرية وكان رئيس تحرير أول مجلة متخصصة في الموسيقى، وصدر عدده الأول في القاهرة في مايو 1936. وكانت مجلة "الموسيقى" موسوعة ثقافية وأدبية وعلمية، وموردا عذبا ينهل منها كل مثقف، وكل عالم، وكل متأدب، شيخا، وكهلا، وشابا، وناشئا، إضافة إلى تخصصها في مجال علوم الموسيقى.
كتب الحفنى أول بحث نشر في كتاب مؤتمر الموسيقى العربية الذي صدر عام 1932 مشمول برعاية جلالة الملك فؤاد الأول. وقام بإعداد الكتاب التذكاري الذي يقوم بالتوثيق الكامل للمؤتمر، في مجلد ضخم أصدرته المطبعة الأميرية بالقاهرة سنة 1933. وهو وثيقة نادرة في شمولها، غنية بمعلوماتها التفصيلية، التي شملت كل شيء، ابتداء من أسماء المشاركين العرب والأجانب، مرورا بلجنتي التنظيم والإعداد، وانتهاء بعدد ضخم من الصور التذكارية عن المعهد نفسه، وعن الجماعات البشرية، التي أقبلت من كل صوب وحدب.
أمر ملكي
أصدر الملك فؤاد الأول الأمر الملكي رقم 9 لسنة 1932 بتشكيل لجنة تنظيم المؤتمر التي راعت أن تضم إلى أعضائه عددا من كبار المشتغلين بالفن في مصر على النحو التالي: وزير المعارف العمومية حلمي عيسى باشا (الذي كان سبب طرد طه حسين من الجامعة) رئيسا للجنة بحكم توليه وزارة المعارف، وعبد الفتاح صبري باشا وكيل الوزارة نائبا للرئيس، وأحمد نجيب الهلالي بك، ومصطفى رضوان بك، ومحمد زكي علي بك، ويعقوب عبد الوهاب بك، ود. محمود أحمد الحفني أفندي سكرتيرا عاما، والبارون دي أرلنجر، والمسيو كانتوني مدير دار الأوبرا الملكية. ويلحق الملك قرار تشكيل لجنة التنظيم بقرار آخر يقضي بتعيين البارون رودلف دي أرلنجر نائب رئيس فني للجنة تنظيم المؤتمر، ومعه عبد الفتاح صبري باشا وكيل وزارة المعارف نائبا لرئيس المؤتمر، وانضم إلى اللجنة كل من أحمد أمين الديك أفندي، وأحمد شوقي بك الشاعر، وأميل عريان أفندي، وراغب مفتاح أفندي، وصفر علي أفندي، وعلي الجارم أفندي الذي أخذ شعره يلفت الأنظار إليه في مدرسة أحمد شوقي، ومسيو كوستاكي، ومحمد كامل حجاج أفندي، ومحمد فتحي أفندي.
وأعان هذه اللجنة من هم أقرب إلى الجانب التنفيذي بوصفهم أعضاء في اللجان: إبراهيم خليل أنيس أفندي، وجورج سمعان أفندي، والشيخ حسن المملوك، وداود حسني أفندي، والشيخ درويش الحريري، وسامي الشوا أفندي، والشيخ علي الدرويش، وكامل الخلعي أفندي، ومحمود حلمي خورشيد أفندي، ومحمد عبد الوهاب أفندي وكان محمد عبد الوهاب شابا يافعا واعدا، لم يجاوز الثانية والعشرين.
أول ما يلفت الانتباه في الأسماء السابقة أنها تمثل الطوائف الدينية للأمة دون تحيز من أي نوع. وبعيدا عن المناصب الكبرى التي تضم الوزير حلمي عيسى باشا ووكيل الوزارة عبد الفتاح صبري باشا، هناك من ينتسب إلى الدين الإسلامي، وهم الأغلبية بحكم أن الإسلام دين الأغلبية على نحو ما نصّ دستور 1923، في الباب الأخير منه، وهو باب مخصص للأحكام العامة.
الأمر الثاني أن اللجان تجمع بين مشايخ من مثل علي الدرويش ودرويش الحريري وحسن المملوك، جنبا إلى جنب الأفندية والبكوات والباشاوات، وأخص الأفندية من أمثال الشاعر علي الجارم ومحمد كامل حجاج ومحمد فتحي أفندي، أضف إليهم سامي الشوا ومحمود حلمي خورشيد ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من الأفندية.
وثالث ما يلفت الانتباه تنوع الأجيال المتلاحقة التي جمعت بين كبار السن من عشاق الموسيقى وأعلام الغناء وممثلي الشباب كمحمد عبد الوهاب الذين أكملوا الرسالة وحملوا الأمانة على خير وجه.
وأخيرا لم يكن في التشكيل ما يميز بين المواطن والوافد، ولذلك كانت اللجان تضم مسيو كوستاكي ومسيو كانتوني وجناب البارون رودلف أرلنجر الذي منعته ظروفه الصحية التي أدّت إلى موته من المشاركة في المؤتمر الذي تحمّس له.
افتتح المؤتمر رسميا في 28 مارس 1932 بخطبة صاحب المعالي وزير المعارف، وبدا عمل المؤتمر بعدها (قبل الافتتاح بأسبوع جرى فحص تقارير اللجان الفنية وتلقى كل مايصلها من اقتراحات وأراء في المسائل التي ستكون محل بحث في المؤتمر).
1 ـ أعضاء المؤتمر
أحمد أمين الديك أفندي.
أحمد شوقي بك
أميل عريان أفندي
راغب مفتاح أفندي
صفر علي أفندي
علي الجارم أفندي
مسيو كوستاكي
محمد كامل حجاج أفندي
محمد فتحي أفندي
محمود زكي أفندي
محمود علي فضلي أفندي
منصور عوض أفندي.
نجيب نحاس أفندي
2 ـ أعضاء اللجان
إبراهيم خليل أنيس أفندي
جميل عويس أفندي
جورج سمان أفندي
الشيخ حسن المملوك
داود حسني أفندي
الشيخ درويش الحريري
سامي الشوا أفندي
الشيخ علي الدرويش
كامل الخلعي أفندي
محمود حلمي خورشيد أفندي
محمد عبد الوهاب أفندي
أسماء حضرات أعضاء المؤتمر الحاضرين من الخارج وفقا للترتيب الهجائي لأسماء الدول
إسبانيا:
الأستاذ سالازار مدير القسم الموسيقي بمسرح ليريك بمدريد والناقد الموسيقي.
ألمانيا:
الدكتور هاينتز جامعة هامبورج.
الأستاذ هيندميت مدرس الموسيقى العليا الحكومية ببرلين.
الدكتور لاخمان دار الكتب الحكومية ببرلين.
الدكتور فون هورنبوستل جامعة برلين ومدير معهد المحفوظات الفوتوغرافية.
الدكتور زاكس جامعة برلين ومدير متحف الآلات الموسيقية.
الدكتور وولف جامعة برلين ومدير قسم الموسيقى بدار الكتب الحكومية.
المجر:
الأستاذ بارتوك أكاديمية موسيقى بودابست.
النمسا:
الدكتور فيللز جامعة فيينا.
إيطاليا:
الكولونيل بيزينتي (مستشرق).
الأستاذ زامبييري معهد ميلانو.
بريطانيا العظمى:
الدكتور هنري فارمر زميل من جامعة جلاسجو.
تركيا:
رءوف يكتا بك معهد الموسيقى باستامبول.
مسعود جميل بك شركة الراديو باستامبول.
تشيكوسلوفاكيا:
الأستاذ هابا المعهد الموسيقي ببراج.
سوريا:
الأب كولنجيت جامعة سان جوزيف ببيروت.
فرنسا:
البارون كارادي فو مستشرق في اللغة العربية.
الأستاذ شانتفوان سكرتير عام معهد الموسيقى الوطني بباريس.
الأستاذ شوتان قسم الفنون الأهلية بالرباط.
مدام هرشر كليمان معهد علم الأصوات بباريس.
مدام لافرني معهد علم الأصوات بباريس.
الأستاذ رابو عضو المعهد العلمي ومدير معهد الموسيقى الوطني بباريس.
الأستاذ سترن أمين مساعد متحف جيميه بباريس.
الأستاذ فويلرموز وزوجته ناقدان موسيقيان.
السيد قدور بن غبريط الوزير المفوض لصاحب الجلالة الشريفية.
السيد محمد بن غبريط رئيس وفد المغرب الأقصي.
الأستاذ ريكار رئيس قسم الفنون الأهلية بالرباط.
السيد حسن حسني عبد الوهاب مدير مقاطعة المحمدية.
السيد محمد بن عبد الله مستشار عام ومندوب مالي تلمسان.
لبنان:
الأستاذ وديع صبرا رئيس معهد الموسيقى الأهلي بلبنان.
أسماء أعضاء الفرق الموسيقية الموفدة من البلاد العربية
الوفد السوري:
شفيق شكيب
أحمد الإبري.
إلياد باي.
نصوح كيلاني
عثمان قطرية
فوزي قلطقجي
سليم حنفي
توفيق الصباغ
دكتور سالم
إبراهيم سامي
حمدي بابل
الوفد اللبناني:
وديع صبرا
إدوار قدمجي
بشارة فرزان
الفرقة العراقية:
محمد القابنجي
عزوري هارون
يوسف زعروري الصغير
صالح شميل
يوسف بتو
إبراهيم صالح
يهودا موشي شمان
الفرقة الجزائرية:
الحاج الأربي
ساري رضوان
ساري محمد
سي توتي عبد الحميد
خالد أولد سي لميسا
ابن ساري محمد
ابن منصور عبد الله
الفرقة المراكشية:
سي عمر فايد
فاكيه مطيري
محمد مبيركو
محمد شويكا
حاج عبد السلام بن يوسف
أصنان تازي
محمد دادي
الفرقة التونسية:
محمد غانم
علي بن عرفا
محمد بن حسن
محمد المركراني
خنايس للعاطي
خنايس تارنان
أسماء أعضاء اللجان بعد تكوينها ورئيس كل لجنة
لجنة المسائل العامة:
البارون كارا دي فو رئيس اللجنة
محمد فتحي أفندي سكرتير اللجنة
الدكتور هنري فارمر
الدكتور أ. فون هورنبرستل
الدكتور ر. لاخمان
الدكتور كورت زاكس
صفر علي أفندي
محمد زكي علي بك
محمود حلمي خورشيد
مصطفى رضا بك
لجنة المقامات والإيقاع والتأليف:
ر. يكتا بك رئيس اللجنة
صفر علي أفندي سكرتير اللجنة
م. جميل بك
البارون ر. دي ارلنجر
الأستاذ هابا
مدام لافرني
الأستاذ سالازار
أحمد شوقي بك (أمير الشعراء)
جميل عويس أفندي
الشيخ حسن المملوك
داود حسني أفندي
سامي الشوا أفندي
الأستاذ علي الجارم
الشيخ علي الدرويش
كامل الخلعي أفندي
مصطفي رضا بك
منصور عوض أفندي
ناقش المؤتمر أهم مشكلات الموسيقى العربية وقضاياها، وأجمع كل الباحثين أن هذا المؤتمر كان أهم مؤتمر للموسيقى العربية في العصر الحديث. وقام كل من بيلا بارتوك وروبرت لاخمان بمساعدة شركة هيز ماستر فويوس وجراموفون في الإسكندرية بتسجيل الموسيقى التي عزفتها الفرق المشاركة. فتم إصدار 360 أسطوانة ليست للبيع وإنما للأرشيف. وعزفت بعض الفرق غير المعروفة من قبل، لتكون مستندات محفوظة تحتوي على ما يمكن جمعه من فنون الموسيقى والغناء العربي، فأتيح توثيق أعمال عبده الحامولي ومحمد عثمان وسيد درويش، ومن أحداث المؤتمر أن الموسيقي اللبناني وديع صبره قدم بيانو معدلا لتأدية المقامات العربية، فاختبره محمد عبد الوهاب وأم كلثوم بغنائهما، وحكما بعدم صلاحه، من النقط التي احتد بشأنها النقاش مسألة السلم الموسيقي العربي والربع تون وقد ترك المؤتمر الحكم النهائي للموسيقيين المبدعين، وللمؤلفات الموسيقية، في شأن صلاح الآلات والوسائل والأساليب الموسيقية، وفقا لتطور طبيعي يحترم خصائص الموسيقى الشرقية وعناصرها وروحها، فأثبت تطور الموسيقى العربية في السنوات التي تلت المؤتمر، أن التطور لم يكن بحاجة إلى مسخ شخصية الموسيقى العربية وتشويه مقاماتها.


ويبقى خلود هذا المؤتمر إلى اليوم راجعا إلى أنه طرح وناقش واتخذ قرارات في قضايا مازالت هي قضايا الموسيقى العربية المعاصرة: كيف يستفاد من آلات الموسيقى الغربية ومتى؟ كيف يخطط للتربية الموسيقية؟ كيف تصنف وتحفظ الموسيقى العربية؟
وفى تقرير للباحث سليمان توفيق بعنوان "ثمانون عاما على مؤتمر تجديد الموسيقى العربية" ذكر أنه جرت حوارات ثرية حول تنويط (تنويت) الموسيقى العربية والانفتاح الموسيقي حيث تمت مناقشة الموضوع الرئيسي المتعلق بضرورة "تنويط" الموسيقى العربية. ففي بداية القرن الماضي كان الرأي السائد يقول إن الموسيقى العربية تفتقد لقاعدة نظرية. من الناحية الثانية اخترع الفيلسوف والطبيب وعالم الموسيقى الكندي في القرن التاسع النوتة وكانت هناك نظريات موسيقية متطورة. رغم ذلك لم يستطع العرب على مدى القرون التالية تدوين الموسيقى كما في أوروبا ولم يتم تطوير نظرية أساسية عامة للموسيقى.
ثمة ميزة في الموسيقى العربية، ألا وهي حب الارتجال. لذلك من الصعب (تنويطها). فكل موسيقي يعزف نفس القطعة بشكل مختلف. ولا يتقيد بالصيغة الموضوعة للقطعة الموسيقية. لهذا كان العديد من المشاركين الأوروبيين غير متحمسين (للتنويط) خشية أن تفقد الموسيقى العربية بذلك أصولها. وفي المؤتمر نوقشت أيضا موضوعة إدخال الآلات غربية إلى الموسيقى العربية. وأثار هذا الموضوع الجدل الكثير، لأن البعض اعتبر ذلك تغييرا للسلم الموسيقي. كما حظي هذا التوجه الجديد بمؤيدين متحمسين رأوا فيه فرصة لتجديد الموسيقى العربية من حيث تحقيق المزيد من "الهارموني" (الانسجام) وتعدد الأصوات، إضافة إلى توسيع الأوركسترا.
وكانت هناك فئة عارضت هذا المنحى خشية فقدان هوية الموسيقى العربية. وبرر أنصار هذا الرأي موقفهم هذا بالقول إن الآلات الغربية لا تصلح للموسيقى العربية المتميزة باستخدام (ربع الصوت) في سلمها الموسيقي. مع مرور الوقت ثبت أن مزج هذه الآلات في فرقة واحدة كان ممكنا. حتى أن أحد الموسيقيين صنع بيانو خاصا يستطيع عزف ربع الصوت أيضا.
وكان من رأي القائلين بالاختلاط أن العديد من الأفكار والآلات الموسيقية التي تطورت في أوروبا هي من أصول شرقية، وصلت إلى أوروبا قبل قرون وها هي الآن تعود مُعدلة ومتطورة إلى الثقافة العربية. على سبيل المثال: (الربابة) هذه الآلة التي منها تطور الكمان، جاءت إلى أوروبا من الفضاء الثقافي الشرقي حيث تم تحسينها بشكل كبير في الأداء والصوت. أراد المشاركون العرب إدخال التكنيك الغربي في العزف على موسيقاهم. كان رأي المشاركون من الأوروبيين كالتالي: "صونوا موسيقاكم الجميلة! لا تهتموا بالسيمفونيات والكونشرتات. وعندما تتقدمون في أبحاثكم، عند ذاك تستطيعون أن تهتموا بهذه الأشياء".
كان الأوروبيون ينظرون إلى موسيقاهم على أنها الوحيدة المتطورة. بينما الموسيقى العربية كانت بالنسبة لهم أشبه بالفن التاريخي الذي يعيش بشكله القديم. الطريق بعيد أمامه للوصول إلى مستوى "الإنجاز الأوروبي". أرادوا الحفاظ عليه في المتحف كتاريخ للموسيقى. مثال على ذلك الرأي الذي ظهر في المؤتمر ما صرح به بير كولانجيت: "إن المساس بهيكل الموسيقى العربية التقليدية هو عمل إجرامي. نريد لهذا الفن الجميل الذي عرف تألقه في الماضي ووصل إلينا بهذه الديمومة، أن يبقى عربيا".
فتوجه إليه محمد فتحي أحد المشاركين العرب بالقول: "قبل أن تعطي حكمك حول مسألة تطوير موسيقانا، أريد أن أسألك: ترى لو أعطيناكم موسيقانا الجميلة حسب رأيكم، كما هي الآن، وأنتم تعطوننا موسيقاكم بالمقابل، فهل ستكون راضيا؟".
مهّد المؤتمر الطريق لنوع جديد من الموسيقى العربية موسيقى مُتجذرة في التقاليد المحلية والثقافات المتنوعة، وقد اكتشفت في الوقت نفسه نقطة انطلاقتها الخاصة. وبذلك اكتسب الموسيقيون العرب حرية أكثر في الحركة، واعتبر الكثيرون توجههم الحداثي واستخدام وسائل وتقنيات جديدة نوعا من مضاعفة الإمكانيات الموسيقية المتاحة لهم. في المقابل، لم تستورد الموسيقى الأوروبية فكرة الاستفادة من ربع الصوت المتوفر في الموسيقى الشرقية، في الوقت الذي استفادت فيه من تنوع الإيقاع والألوان الصوتية العربية.
اعتبر الكثير من الباحثين أن أهم نتائجه اعتماد التدوين الموسيقي الشرقي على الطريقة العالمية، وتسجيل المقامات الخاصة بالموسيقى العربية وإعداد خطط لتدريس الموسيقى بالمدارس العامة تبدأ بإعداد كوادر تدريس فى معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية وتنظيم دورات تثقيفية عامة ومتخصصة للموسيقيين المحترفين.
فى المؤتمر تم إعلان الفنان محمد عبد الوهاب ملكا غير متوج على عرش الفن بإهدائه لقب "مطرب الملوك والأمراء"، بهذا تمت السيادة الكاملة لعصر المطربين وأسدل الستار على مسرح سيد درويش. قاد هذه الحملة مصطفى بك رضا وهو فنان محافظ عازف للقانون شغل منصب عميد معهد فؤاد الأول، وآخرون من أساتذة المعهد وقتذاك ممن عارضوا فن سيد درويش الثائر.
حفل الختام
في دار الأوبرا الملكية مساء الأحد الثالث من أبريل 1932. وكان الحضور بملابس السهرة الرسمية، ليليق بحضور حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الذي تشرف الحفل بوصوله في التاسعة مساء، وبدأ الحفل بعد السلام الملكي، وخطبة مندوب أعضاء المؤتمر بفرقة العقاد الكبير بمعهد الموسيقى الشرقية، ثم فرقة العراق التي عزفت «مارش جلالة الملك» (رمز الأخوة بين مصر والعراق)، ونشيد جلالة الملك، و عزفت فيه فرق مراكشية وسورية وتونسية، وصدحت، وغنت فيه الآنسة أم كلثوم إبراهيم "أفديه إن حفظ الهوى". وشهدت خشبة المسرح الفصل الرابع من مسرحية «مجنون ليلى» ومن «قمبيز»، وكلتاهما من تأليف أحمد شوقي، وأداء فاطمة رشدي (ليلى) وحسين رياض (المجنون)، ويوسف وهبي والآنسة أمينة رزق، واقتربت النهاية مع غناء من الفرقة الجزائرية، وقطعة موسيقية مقام بياتي أصول مربع وتقاسيم، وسماعي مقام بياتي أصول دارج من عزف كمان سامي الشوا الشهير.
واختتم الحفل كما بدأ بالسلام الملكي الذي وقف الجميع أثناء عزفه تحية وإجلالا.
أصداء دولية
كتب الباحث مارين لويج تحت عنوان:
The Conference on Arabic Music in Cairo
1932
esternisation and the Search for a National Identity
التغريب والبحث عن الهوية الوطنية
استعرض فيه تاريخ الموسيقى الشرق أوسطية التقليدية والفن في متناول جمهور أوسع. وتطور الموسيقى المصرية بقدوم محمد علي وتأسيس دار الأوبرا واستقدام الأوبرا والأوركسترا السيمفونية من أوروبا إلى مصر. ثم عرج على مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة عام 1932، واعتبره نقطة تحول رئيسية في تأسيس علم الموسيقى العربية وإعادة بناء الموسيقى المصرية على المبادئ العلمية التي من شأنها أن تسمح لها بالتقدم إلى مستوى متساو من التطور والإنجاز والموسيقى للفن الأوروبي.
الرحلة الفنية إلى الديار المصرية
الفرنسي أليكسي شوتان، مدير "دار الطرب" أو المعهد الموسيقي العربي بالرباط، وعضو الوفد المغربي لمؤتمر الموسيقى العربية الأول، كتب مذكراته عن رحلة وفد المغرب للمؤتمر في مجلة" السعادة" المغربية عام 1932 بعنوان" الرحلة الفنية إلى الديار المصرية"، يقول إن مصر احتضنت أول جمع موسيقي على مستوى العرب للتدارس في كيفية وضع قواعد لجمع الأعمال القديمة وتطوير الأعمال الجديدة وتنظيم المسألة الفنية، فدعت خبراء الموسيقى العرب والأجانب سواء من المحتلين أو من الخبرات الخارجية تحت رعاية الملك فؤاد.
كان لمصر باع في مجال الموسيقى حينئذ فرغم وفاة صانع النهضة الموسيقية سيد درويش إلا أن أثر ثورته الموسيقية كان لا يزال مدويا، وبجانبه إسهامات عبده الحامولي وألمظ بينما بزغ نجم أم كلثوم التي ستصبح فيما بعد علامة الطرب في الوطن العربي على امتداد، فيما تحمل المغرب إرثا عظيما من الموسيقى الأندلسية.
ألوان الموسيقى العربية بعيون شوتان
قضى شوتان مع باقي أعضاء لجنته من الوفود الأخرى ومن المصريين عدة أيام في التحضير للمؤتمر كانوا يعملون في النهار على الاستماع إلى الفرق الموسيقية المشاركة وتسجيل أعمالها، ويستعرض الكاتب أداء الفرق فيقول عن الجوق العراقي: "أرانا أفراده أمورا جديدة، لم نر مثلها قط، حصلنا منها على فوائد جمة، أنشد المغني أغنية بدوية جميلة، تأخذ بمجامع القلوب"، أما الجزائريون والتونسيون فنغماتهم عذبة، وغنائهم حلو المذاق، وهو وإن كان لا يقل جمالا عن الطرب العراقي لكن الفرق بينهما كبير في رأي شوتان، فالأول "من غناء العرب الرحل، المطلق لهم الحبل على الغارب، في حياتهم المملوءة بالحوادث، والثاني يذكرنا بأهل الحواضر المتمدينين السائرين في حياتهم، دائما، بحسب نظام مسنون".
ويشيد شوتان بالسوريين، ويرى أنهم "تطوروا وركضوا بخطى واسعة في ميدان الثقافة، عالمون بفن الموسيقى النظرية والاستعمالية كما يجب"، أما أداء الفرقة الموسيقية والطوائف الصوفية فكان "جميل للغاية، يلذ للسامع الإنصات إليه".
الموسيقى عند المصريين والمغاربة في 1932
هناك مقارنة يعقدها شوتان بين تلقي المصريين للموسيقى وبين تلقي أهل المغرب لها، ففي حفلة نظمها المؤتمر بمعهد الموسيقى، وبدأتها بالعزف الفرقة المغربية. يقول: "آذان المصريين غير متعودة سماع أدوار موسيقية طويلة مثل هذه، تستغرق نحو نصف ساعة تقريبا، فقد ظهر عليهم (المصريين) بعض الملل والضجر، فـهذه الموسيقى التي يتحملها السامع من غير أن يصغي إليها، كما يقع ذلك في الولائم والأفراح المغربية، هي ملائمة في تنميقها للزخرفة الهندسية وكيفية تأثيث البيوت والمنازل، وتتناسب مع خرير المياه وتغريد الطيور، وتلائم المولعين باحتساء كؤوس الشاي المعنبر، وكل هذا يعد في أعين المصريين العصريين، من الأمور التي أكل الدهر عليها وشرب، وأصبحت الآن، من سقط المتاع".
على هامش المؤتمر أيضا، التقى شوتان الدكتور محمود أحمد الحفني، رائد تعليم الموسيقى في مصر، ووالد الدكتورة رتيبة الحفني، التي ستكون أول سيدة تتولى رئاسة دار الأوبرا. كان الحفني الكاتب العام للمؤتمر (السكرتير)، ويصفه ريكار، رئيس وفد المغرب، بأنه "العالم بالموسيقى الأوروبية والقائم بمهمة خطيرة متعبة" في المؤتمر، ويسجل شوتان أن الحفني وقتها كان قد ألّف ولحّن" أنشودة الفلاح"، التي كان يغنيها التلاميذ عند توليه تفتيش الموسيقى في وزارة المعارف (التعليم)، ويقول شوتان: "كان التلاميذ يغنونها، ويصحبون كلماتها بانفعالات الفلاح، وهم مرتدون أرديته الحمراء والسمراء، والحاصل أنها الأغنية الوطنية المستخرجة من التاريخ المصري، فعلى منوالها يجب الاقتباس، وفي مثل هذه الطريق، ينبغي السير".
وبمبادرة من القائمين على راديو التراث "مصرفون" وفى سابقة في مصر والوطن العربي تم بث تسجيلات مؤتمر الموسيقى العربية لمدة خمسة أيام متوالية ولقيت قبولا كبيرا من المستمعين في العالم العربي مما يحدونا أن نتوجه للإذاعة المصرية أن تخصص عدة حلقات عن هذا الحدث التاريخي.