مثقفون في البرلمان المصري

23/10/2016 - 2:31:32

محمد عبد الوهاب فى مجلس الشورى محمد عبد الوهاب فى مجلس الشورى

د. عمر مصطفى لطف - كاتب مصري

لم تعرف مصر مجالس تنوب عن الشعب وتشارك الحاكم مسؤولية حكم البلاد طوال تاريخ مصر القديم والوسيط حتى عصر محمد علي، حيث تغيرت الأمور بعد قدوم الحملة الفرنسية والصدمة الحضارية التى أصابت المصريين وجعلتهم ينظرون إلى الغرب لمحاكاته حضاريا، فكانت أول إرهاصة لقيام حياة نيابية عام 1829 عندما أنشأ محمد علي مجلسا للمشورة يتكون من كبار التجار والأعيان والعمد والمشايخ والعلماء، وانحصرت وظيفته الأساسية في إبداء الرأى في المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد علي بتنفيذها، فكان رأى المجلس استشاريا.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الفضل يرجع إلى محمد علي في ابتداع هذا المجلس الذى تطورت وظائفه وصلاحياته حتى أصبح يضاهى المجالس النيابية في أوروبا. وبعد وفاة محمد علي، تعطل هذا المجلس، لأن عباس وسعيد لم يكونا متحمسين له، وفي عهد الخديو إسماعيل حقق البرلمان طفرة كبيرة بقيام مجلس شورى النواب في 25 نوفمبر 1866، وتكون من 75 نائبا ينتخبهم الشعب من طبقة كبار ملاك الأراضى الزراعية كل ثلاث سنوات، وتسجل المصادر التاريخية أن إسماعيل كانت لديه رغبة حقيقية في إشراك الشعب ممثلا في طبقة كبار الملاك في إبداء الآراء في المسائل التى تتعلق بتسيير شؤون الحكومة المصرية.
وكان رأى هذا المجلس استشاريا وليس إلزاميا، ولكنه واكب ظهور الرأى العام المصرى الذى تشكل مع ظهور الصحافة المصرية والحركة التحررية ضد التدخل الأجنبى الذى كان في ازدياد في نهاية حكم إسماعيل. ولعب مجلس شورى النواب دورا مناهضا للتدخل الأجنبى في شؤون البلاد أثناء أزمة الديون الخارجية، وأصر على أحقيته في مناقشة ميزانية الحكومة التى كان يتولاها وزير مالية إنجليزي نتيجة الضغط على الخديو من قبل الباب العالي والدائنين الأجانب.
جرت أول انتخابات في عهد إسماعيل الذى أنشأ مجلس شورى النواب في 25 نوفمبر 1866، وتكون من 75 عضوا منتخبا من قبل الأعيان لكن مع مرور الوقت اتسعت صلاحيات المجلس، وظهرت نواة الاتجاهات المعارضة، وساعد على هذا التطور انتشار أفكار التنوير، وظهور الصحف، مما عزز المطالبة الشعبية بإنشاء مجلس نيابى له صلاحيات واسعة، إلا أن الخديو توفيق بعد توليه الحكم في يونيو 1879، رفض اللائحة وأصدر أمرا بفض المجلس.
ثم جاء دستور 1923 الذى تمخض عنه أول مجلس نيابى حقيقى له سلطة مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها، ولا تستطيع الحكومة أو الملك سن أى قوانين أو تشريعات جديدة قبل عرضها على المجلس والتصويت عليها إما بالقبول أو بالرفض. وبعد نشأة أول مجلس نيابى حقيقى له سلطة حقيقية تشريعية ورقابية، تنوعت تركيبة المجلس وتعددت أطيافه ما بين أدباء وساسة وعلماء، وعبر العقود التالية، فدخله أدباء مشهورون، وبدأت العلاقة الجدلية بين البرلمان والأدباء، وشهدت قبة المجلس حضور تكتلات خارج التصنيف السياسى الأيديولوجي، فتمكن مثقفون ورموز للحقل المعرفى من إثبات حضورهم في المؤسسة التشريعية والرقابية الأبرز في البلاد.
وكانت البداية مع أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد، الذى أسس حزب "الأمة" عام 1907، وتم اختياره سكرتيرا عاما للحزب ورئيسا لتحرير صحيفته "الجريدة"، ثم ترشح لعضوية البرلمان عن دائرة الدقهلية، وعرف عنه إقامته للمؤتمرات الجماهيرية التى لم تخل من ممارسة دور تنويري، وتعريفى بأهمية الديمقراطية وضرورة انتزاع الحقوق، ولكن أطلق أحد منافسيه في دائرته شائعة بأن لطفى السيد ديمقراطى، وهى تعنى الكفر، فخاف منه أهل دائرته واعتبروا ذلك كفرا، وأنه ترك الإسلام، واعتنق الديمقراطية، فانتظروا حتى يوم مؤتمره الانتخابى، وسألوه هل أنت ديمقراطي؟ فأجاب: نعم، فانصرفوا عنه.
أما عباس محمود العقاد، فانتخب عضوا بمجلس النواب، وخاض معركة سياسية عندما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تقول إحداهما أن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان، والأخرى إن الأمة مصدر السلطات. ارتفع صوت العقاد تحت قبة البرلمان ودافع عن حقوق الشعب التى ينص عليها الدستور، وقال "إن الأمة على استعداد أن تسحق أكبر رأس يخون الدستور أو يعتدى عليه"، فقدم العقاد بعدها للمحاكمة بتهمة إهانة الذات الملكية، وحكم عليه بالسجن لمدة تسعة شهور عام 1933.
معركة أخرى قادها العقاد داخل البرلمان، فقد أثار كتاب «في الشعر الجاهلي» للدكتور طه حسين ضجة كبيرة، وكان وقتها من خصوم العقاد السياسيين، وكان صاحب هذه الحملة حزب الوفد والذي من المنتظر أن ينضم إليه العقاد في حملته بوصفه من الأعضاء الوفديين في البرلمان، لكن العقاد دافع عن حرية الرأى وحق الكاتب في الاجتهاد.
وتمكن الدكتور محمد حسين هيكل، مؤلف رواية "زينب"، من الوصول إلى "مجلس الشيوخ"، ثم أصبح "رجل التشريع الأول" عندما تمكن من رئاسة المجلس عام 1945، ولكن صدور مرسوم حينذاك أفقده صفته البرلمانية بعد هجومه على كريم ثابت أحد مستشارى الملك فاروق.
وتكون مجلس الشورى عام 1980 من 270 عضوا، جرى انتخاب ثلثيهم، وعين الرئيس أنور السادات 90 عضوا، بعضهم أدباء وفنانون، في مقدمتهم توفيق الحكيم ومحمود المليجى ومحمد عبد الوهاب وثروت أباظة ـ الذي صار وكيلا للمجلس لمدة 16 عاما ـ وأمينة السعيد.
ومن الطرائف التى حدثت في المجلس أن محمد عبد الوهاب كان يخفي عمره الحقيقى، إلى أن طلب رئيس المجلس مصطفى كمال حلمي، في إحدى الجلسات، إلى توفيق الحكيم أن يترأس الجلسة بصفته أكبر الأعضاء سنا، فأشار الحكيم إلى عبد الوهاب، وقال: "هو أكبر مني"، فضجت القاعة بالضحك، فأوضح عبد الوهاب موقفه قائلا: "شهادة ميلادى تقول إننى من مواليد 1910 بينما شهادة ميلاد أستاذنا توفيق الحكيم تقول إنه من مواليد القرن الثانى عشر فأى منا يكون أكبر من الثاني؟" فباغته الحكيم: "أعلم أنك من مواليد 1901 وليس 1910"، وبسرعة بديهته أجاب عبد الوهاب: "كان هذا خطأ الموظف الذى حرر شهادة الميلاد فبدلا من أن يضع الصفر في الخارج وضعه في الداخل ولكننى صححت ما وقع فيه الموظف من خطأ".
وكان أنيس منصور ممن عينهم السادات في مجلس الشورى عام 1980، واستمرت عضويته 24 عاما، وقد وصف لجان البرلمان بأنها "المطبخ السياسى لأي برلمان في العالم". أما أحدث الأدباء المعينين بمجلس النواب في دورته الحالية، فهو يوسف القعيد. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد عين 28 عضوا يوم 31 ديسمبر 2015، ومنهم القعيد الذي عني بالتعبير عن القرية المصرية في أغلب أعماله الروائية والقصصية.