بريد السماء الافتراضي مع أحمد شوقي : قابلت خوفو الشاعر لأطرح عليه فكرة بناء هرم في السماء

23/10/2016 - 2:30:39

أحمد شوقى أحمد شوقى

كتابة وحوار: أسعد الجبوري - شاعر وروائي عراقي مقيم في الدنمرك

لم نكن نتوقع أن نراه بتلك الأناقة التي عرفته بها الناسُ بمصر وخارجها. كما لم يستوعب المرء رؤية الشاعر أحمد شوقي (1868 ـ 1932) بملابس رياضية، وهو يصطحبُ طاووسا، ويمضي في غابة من الأشجار الذهبية. كان الهواء مُعطرا بمادة سريعة التسلل إلى داخل كل عابر لتلك البقعة من السماء.
تابعناه بكل حماسة، متخيلين أن الرجل ربما نسي أن يكون شاعرا بعد مرحلة الانتقال إلى هنا. ولكن ذلك التخمين، لم يكن بمحله. إذ سرعان ما رأينا أحمد شوقي يتوقف إلى جانب شجرة من الرماد الأصفر، ويستعد للانخراط بإلقاء شعر عن شيء لم يكن نعرفه. إلا أنه، وما إن وجدنا أمامه، حتى ابتسم، ودعانا لالتقاط صورة سيلفي. قمنا بذلك، وبمجرد الانتهاء من مهمات التصوير، وجدنا جسمهُ ينقسم إلى نصفين. فيما كان الطاووس المرافق له يغني بصوت شجي لم نعرف شيئا عنه من قبل.
هذا الطَّاووسُ هو أم كلثوم ليس إلا.
أم كلثوم بجسد طائر حسن الشكلِ كثير الأَلوانِ، ينشر ذَنَبَهُ كالطَّاق في هذه الرقعة السماوية. نحن وإن لا نستكثر على "ثومة" هذا، إلا إننا بصدد الحوار معك.
ج: تفضل. قل ما عندك ولن تجدني إلا مجيبا على كل ما ترغب معرفته عن أحمد شوقي أمير شعراء العرب.
ـ كيف حصل ذلك: كأن تكون أمير شعراء العرب، وأنتَ فلزٌ ولد من تربيتن مختلفتين: أب كردي وأم من أصول تركية شركسية. فما المعدن الذي تنتمي إليه بالضبط؟
ج: ما يقوله التاريخ البيولوجي صحيح. ومع ذلك، فأنا أنتسب جسديا للتاريخ الجغرافي الأدبي بالضبط ليس إلا.
ـ بمعنى؟!
ج: أنني العربي هويةً وشغفا.
ـ هل حدث ذلك بفعل الثراء الذي سقطت بحضنه، كون جدتك لأمكَ كانت وصيفة في قصر الخديو إسماعيل على سبيل المثال؟
ج: أنا ولدت وبفمي ملعقةٌ من ذهب. ومع ذلك لم أترك نفسي جشعا بالكسل، ولم أطلق لنفسي العنان بالاستغناء عن مفاعيل الحياة أدبا واجتماعا وسياسة. تعلمت اللغة والبلاغة والقرآن وتدربت
بالمدارس لأقتفي خطى النوابغ.
ـ وهل أتاك الشعرُ متأخرا؟
ج: كنت أحس به نهرا هادئا يجري بداخلي، ودون معرفة كاملة بماهيته، وإلى أن أدخلت على خطى العمالقة من شعراء العرب، ممن تسربوا إلى تربتي، ولم أتمكن فيما بعد من الانفصال عنهم ولعا وغراما.
ـ ولكن أحمد شوقي، وبشكل مبكر من العمر (15 عاما) تركت الشعر بالذهاب إلى مدرسة الحقوق أولا. فكيف تمت تلك الاستدارة؟!
ج: فعلت ذلك لأن الشعر لم يشعل بجسدي ناره بعد. كنت ولدا آنذاك. وربما حاولت جدتي تأمين مستقبلي بالوظائف الحقوقية عند الدولة، كي أكون في سلك المحاماة. وهو شأن اجتماعي عالٍ لا يحصل عليه كائن من كان بتلك السهولة.
ـ هل يعتقد أحمد شوقي بأن انتسابه لقسم الترجمة، هو العامل الذي فتح للشعر في روحه المجرى الأول؟
ج: لم أعلم بالضبط حقيقة ذلك الانحراف الأدبي الذي حدث في سلوكي من الحقوق إلى الشعر!
ـ ربما كان ذلك بسبب وجودك في القصور الباذخة وطقوسها السحرية، لأنها تتطلب أن تكون شاعرا لا أن تكون محاميا أو قاضيا في دولة ميزان الخديو الذي كانت رؤيته للعدالة شأن خاص!
ج: لا أظنك محقا في هذا، لأن الخديو نفسه خصني ببعثة دراسية إلى باريس على حسابه. وهناك بدأت المرحلة الحقيقية لتكويني الشعري .أي في فرنسا بدأت نيران الشعر تظهر أولا بأول.
ـ باللغة الفرنسية تقصد؟
ج: لا. لم يكن يسيطر عليّ سوى هاجس الشعر الوطني العربي المناوئ لاحتلال مصر من قبل الإنجليز. بمعنى أدق: أن الريح بدأت تقتلعني من طقوس رفاهية القصور إلى ناس مصر التي كانت تنادي بنهضة البلاد على يد الزعيم الوطني مصطفى كامل.
ـ هل من أجل ذلك انخرط أحمد شوقي بتشكيل ما سُمي آنذاك في "جمعية التقدم المصري"؟
ج: ذلك ما فعلته بالضبط.
ـ من أجل دفع اللغة الشوقية إلى توسيع رقعة المدائح الخاصة بالخديو عباس؟!
ج: فعل ذلك من قبلي أغلبُ شعراء العرب. كانوا ينامون على أبواب السلاطين، بينما ولدت أنا في أحضانهم. ثمة فرق.
ـ كنت من أعلام المداحين للخديو، ليس لكونه عادلا أو ديمقراطيا، بل بتصور أنه عثماني يحمل جينات الخلافة الإسلامية فقط. أليس كذلك؟
ج: عشت في القاهرة ومدن مصرية بقصور عثمانية الانتماء، ولكنها لم تنتمِ للإسلام بشيء. كنت أنشد أشعاري على وقع كؤوس الخديو وما يُسمى بخليفة المسلمين، فكنا نغرق بكؤوس الخمر وأرداف الراقصات ليالي لا يليها نهارٌ.
ـ تعني أن الخليفة خيط من الإسلام الوهمي لخداع الملايين من بسطاء مصر؟
ج: بالضبط. ولم يستمر "تدبيج" المدائح على لساني بعد تلك الحقبة.
ـ بسبب نفيك إلى إسبانيا عام 1915 كما أظن؟
ج: ربما بسبب اتساع حقول معرفتي على الآداب الأوروبية. وهكذا كان ذلك النفي كثير الفوائد علىّ: تعلم لغات جديدة والحصول على ذخيرة مهمة من الأفكار التي سرعان ما أدت إلى انتمائي لحركات التحرر ورموز النضال الوطني التي ساهمت بإعادتي من المنفى إلى مصر عام 1920.


ـ هل تعتبر بأن ارتفاع منسوب وطنيتك، هي التي ساهمت إلى تكريس أحمد شوقي أميرا للشعراء عام 1927؟
ج: ربما لم يكن ذلك وحده، فهناك نتاجي في الشعر والمسرح هو الذي فرض مثل ذلك الواقع بالضبط، خاصة وأن مجمل الأعمال المسرحية كـ "مصرع كليوباترا" و"مجنون ليلى" تكللت بمرافقة موسيقية، لتصبح من أوبريتات تشغل الغناء العربي بثقلها فيما بعد.
ـ ولكن ألا يجد الشاعر أحمد شوقي أن لقب "أمير الشعراء" هو قميص يخنق لابسه؟
ج: الشعر في تلك الأيام مجموعة قمصان وثياب فضفاضة للتنافس. وأنا ملأت تلك الثياب بمئات من قصائد المديح والذم والرثاء والخمريات والوصف، حتى أن من تبعني صار سكرانا بالعواطف والحماسة والبلاغة التي تصبُّ رحيقها في العشق.
ـ هل لأنكَ كنت نظّاما، بلغ مجمل نتاجه 23500 ألف بيت من الشعر؟
ج: ومن منْ شعراء العرب القدامى والمعاصرين، لم ينتمِ للنظم في الشعر؟!
ـ الشاعر محمد مهدي الجواهري أو بدوي الجبل مثلا؟
ج: الاثنان بايعاني الإمارة. والاثنان نظما القصائد كما اللؤلؤ في فساتين العرائس. ثم لا أعرف ما سبب الهجوم على النظم الشعري، إذا كانت جميع قطع غيار جسم الإنسان، تعمل بشكل ميكانيكي منتظم؟
ـ هل من أجل ذلك كنت توثق التاريخ كشاعر أحداث؟
ج: كان التاريخ يلحُ عليّ لمطاردته في كل صادرة وواردة من عصور مصر المختلفة. ولذلك دوّنتُ في ديواني "الشوقيات" بأجزائه الأربعة كل ما يخطر على البال في الحب والسياسة والدنيا بفصولها المختلفة.
ـ منْ كنت تشبه في حياتك الأرضية؟
ج: فكتور هوجو.
ـ لماذا هوجو بالضبط؟ هل لأنه رومانسي أم من الارستقراطيين، فضلا عن كونه عضوا بمجلس الشيوخ الفرنسي وعضوا بالجمعية الوطنية الفرنسية؟
ج: لأنه كل هذا الذي قلته. ولأنه منْ قال "أنا الذي ألبست الأدب الفرنسي القبعة الحمراء" أي قبعة الجمال. كان هوجو يحدثني عن أحلامه وأحلامي سويةً في المنام. كان الرجل يعذبني بالأسى الذي يحمله داخل جسده من أجل القيم العظيمة للحرية.
ـ ومن شعراء مصر.. ماذا تعلم شوقي على صعيد بنية القصيدة؟
ج: كنت أستحسن البارودي، إلا أنني سرعان ما تجاوزته بفعل ثقل أدواته، وبفعل جنوحي نحو التحديث أكثر منه بعدة أمتار. فيما كان حافظ إبراهيم قليل النبض على الصعيد التخيلي، لذلك مات شاعرا وهو على قيد الحياة. فيما الآخرون، فلم أتذكر لهم ما يفتح في النفس مجرى لماء.
ـ أليس فيما تقوله شيء من الانتقام بسبب الهوية؟!
ج: لا. أبدا. فأنا لا أقوم بتصفية حسابات مع شعراء بسبب الهوية المصرية، كوني من التابعية "البرانية" كردي على تركي على شركسي. أنا مصري الهوى والدم بحسب نتائج المختبر الاجتماعي الغرامي. أما مسائل المختبر البيولوجي، فذلك لا يعنيني إطلاقا حتى وأنا في دار الآخرة كما تراني أجلس على هذه الصخرة منشدا مع محمد عبد الوهاب:
مضناك جفاهُ مرقده/ وبكاه ورحمَ عودُهُ
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ/ مقروح الجفنِ مسهده
ـ كأن هذه القصيدة هي الأعظم من كل شعر أحمد شوقي؟ هل كتبتها تحت تأثير عاطفي خالص، بعيدا عن الحالة أو الوصف الخيالي الافتراضي؟
ج: الشعر بمفهومي الخاص، هو الطريق الذي لا تجد فيه إلا نفسك. وبعد أن تفرغ من اكتشاف تفاصيلك، سرعان ما تأتيك المرأة، لتقبض عليك في ذلك الطقس السحري الذي لا خلاص منه دون الاتحاد بها.
ـ الاتحاد الجنسي بالمرأة تقصد، أم هو ذلك الاتحاد الذي يفتح الطرق إلى بلوغ اللذات بكامل أشكالها وألوانها؟
ج: ذلك ما تحددهُ القلوب.
ـ هل كان احتضانك لمحمد عبد الوهاب شأنا موسيقيا بحتا؟
ج: أنا سمعت الكثير من الأقاويل، ولكنها كانت علاقة بمنشإ فني، طالما سعيت إلى تطويره نحو القمة. وأعتقد بأن ذلك هو ما تحقق لذلك الغلام الغر الذي تعرفت إليه واحتضنته منذ بداياته الأولى، ليصبح الموسيقار المهم فيما بعد.
ـ بمعزل عن الطاقات اللحنية الأخرى التي خلقتها طقوسُ مصر؟
ج: لم نكن وحدنا في مصر آنذاك. فمع الكتّاب ومع الشعراء ومع الأدباء والسياسيين، كانت القناديل تشق نيل مصر ليلا، لتعقبها الشمس في النهار. من هنا، يمكن لي القول: إنني إلى جانب تعلقي بالشعر وبالموسيقى، رميت حياتي في الأتون السياسي الذي أوقعنا ببعض المصائب التي لم نكتشفها إلا لاحقا، وبعد عمر طويل.
ـ أن يعتقد أو أن يظن المصريون بأن السلطان العثماني هو خليفة المسلمين بحق وحقيقة؟!
ج: طالما خُدعنا بالأتراك. فقد كان حكامهم وسلاطينهم لا يعتبرون الإسلام إلا كرسيا وعرشا. أما الإيمان والدين وتفاصيل الشريعة، فكانت من القشور التي تُخدر بها طبقات الناس.
ـ تقول هذا بتوكيد؟
ج: لأنني عشت في قصور السلاطين عن كثب. ورأيت أنهم لا يتذكرون الله ورسوله ودينه إلا في مناسبات الأعياد فقط. وبقية أيامهم مسارح مليئة بالموبقات.
ـ وهل تستهجن الحياة التي عشتها بينهم بذلك المستوى العالي لتلك الملذات؟
ج: لا يمكن لشاعر ما، أن يعيش بمعزل عن عوالم الملذات. حتى الشعراء الذين أعدمت الحياة قدراتهم، يستطيعون تخيل تلك الملذات، وتجاوز الفقر أو العدم بقدراتهم خياليا.
ـ ماذا فعلتَ على أرض هذه الآخرة؟
ج: أعمالا جمةً. ولكن أعظمها لم يتحقق لي حتى الآن. مع ذلك فصبري طويل كما أعرف.
ـ ما الشيء الذي تصبر عليه أحمد شوقي؟!
ج: مقابلتي للفرعون ليس إلا.
ـ ولكن أي فرعون من الفراعنة الكثر قديما وحديثا؟!
ج: استلمت البارحة رسالة بالبريد الإلكتروني من خوفو يرصد حركتي في هذا المكان، ويوافق على استقبالي في منطقة الهرم الأعظم الواقع على مقربة من بحيرة التماسيح.
ـ وبشأن ماذا كانت رغبتك بمقابلة الفرعون؟
ج: كان خوفو شاعرا هندسيا لا مثيل له. لذلك كنت أريد أن أطرح عليه فكرة بناء هرم في السماء الرابعة.
ـ ولكن خوفو لم يتمتع بحس فانتازي، ليحقق لك رغبة من ذلك العيار الثقيل في هذه الأمكنة التي يحلم بتعبئتها بالتماسيح؟
ج: أنا سأشعلُ نارا بثيابه، وهو سيعرف ما يفعل بعد ذلك الحريق.
ـ أصبحت تتحدث بكلمات مُشفرّة، وكأننا على أبواب حرب يا سيدي. فماذا وراء هذه اللعبة؟
ج: سأقول لك ما موقفي الحقيقي من الأمر. أنا مع خوفو ضد خفرع.
ـ وما علاقة السماء بصراع من هذا القبيل يا سيدي؟
ج: لا جواب عندي. يمكنك أن تسأل عن ذلك سيدنا آدم.
ـ وما علاقة أبينا آدم بالرغبات التي تشتعل بدواخلكم؟!
ج: هنا كل شيء يجري وفقا للعقل الثالث. فلا عقل الظاهر ينفع، ولا عقل الباطن يستطيع إظهار طاقاته بالتحليل وبالتأويل وبالاستنتاج.
ـ وماذا عن هذا العقل الثالث. هل لك بتوضيح ذلك؟!
ج: إنه العقل الاختصاصي بفك الرموز التي قادت البشرية لصناعة الأساطير على الأرض. ففي تربته تجري معادلات رياضية صعبة: كم من مؤمن بتلك الأساطير وكم من متخلف عن معرفتها. وعندما يصل المرء إلى تلك النتائج، سيدرك أهمية الديانات الأرضية، وكيف تم البناء عليها.
ـ لنرجع إلى الشعر. لنسترجع ما سبق وما كتبته عن "نكبة دمشق" عندما قلت:
بني سوريّة اطرحوا الأماني/ وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
وقفتم بين موت أو حياة/ فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
وللأوطان في دم كل حرٍّ/ يد سلفت ودين مستحقُّ
وللحرية الحمراء باب/ بكل يد مضرجة يُدَقُّ
اليوم تمر دمشق بمجرى حرب متوحشة بقدر لا يوصف من الهلاك والدمار. فما الذي تشعر به الآن عن دمشق وبلاد الشام عموما؟
ج: كتبتُ آنذاك عن ثورة السوريين ضد الاحتلال الفرنسي. أما الآن، فالكارثة أكبر من أن تستوعبها قصيدة حتى وإن كانت من صنف المعلقات. أشعر وكأني مضرجٌ بدم الشام هنا.
ـ هل نظمت قصيدة بموتك؟
ج: من الآنَ فصاعدا، سأكتب في النيل المعلقات. فذاك النهر ما زال يجري بصمت في شراييني.
ـ حسبتك ستكتب معلقةً من المدائح بحق كمال أتاتورك، تنظيفا لسجلك القديم، يوم وقفت ضد علمنة الدولة العثمانية التي قام بها الرجل؟
ج: أية صدمة يُحدثها سؤالٌ كهذا. ولكن سأستودعكم الله، للقيام بجولة بحث عن السيد أتاتورك. يجب الاعتذار إليه على ما فعلته من سوء بحقه.
انتهى