حافظ إبراهيم وقصيدته المجهولة « بين السفور والحجاب »

23/10/2016 - 2:29:40

حافظ إبراهيم حافظ إبراهيم

أحمد عنتر مصطفى - شاعر مصري

شهدت مصر مع نهاية القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأوليات من القرن العشرين حراكا نهضويا على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي. كان الاحتلال البريطاني قد ألقى عصاه في بر مصر منذ عام 1882، وكان الجرح غائرا في نفوس المصريين لهزيمة بطلهم أحمد عرابي، ما تسبَّب في انكسار الروح وفقدان البوصلة لسنوات قلائل، لم تلبث بعدها أن استعادت مصر واستجمعت قواها لتمتلك أسباب النهضة وآلياتها بفضل مجموعة من بناة هذه النهضة في شتى المجالات، منهم على سبيل المثال: أحمد لطفي السيد، د. طه حسين، قاسم أمين، عباس محمود العقاد، مصطفى كامل، سعد زغلول، محمد فريد، د. محمد حسين هيكل. وكان هذا اللفيف من أبنائها قد أدركوا قيمة العلم وأهمية التسلح بالقيم الحضارية المعاصرة، مع استلهام الأصيل من القيم المصرية البناءة وفرز المتهالك المتخلف السلبي منها للقضاء عليه وطمس آثاره، وقد نهل أكثر هؤلاء من حضارة أوروبا وخبروا مناهج الدرس في أرقى جامعاتها، وعادوا برؤى جديدة وفكر حديث.
كما كان لانتشار الصحافة وصدور الصحف والمجلات أمثال الهلال والمقتطف والمنار، واحتضان مصر للشخصيات والأقلام العربية المهاجرة إليها مثل يعقوب صروف وجرجي زيدان وآل تقلا أثر فاعل في مواكبة تلك النهضة والإسهام في تطورها. وأضفى وجود شخصيات مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بُعدا آخر في مجال الفكر الإصلاحي، وساعد على توهج هذه الانطلاقة أن احتضنها الخديو الشاب عباس حلمي الثاني الذي عين واليا على مصر في 18 يناير 1892 أى بعد عشر سنوات من هيمنة الإنجليز على مقاليد البلاد. وتقرَّب إلى المصريين، وجمع حوله هذا اللفيف المستنير من رجالات الفكر الإصلاحي، في مواجهة السلطة الإنجليزية المتعنتة، فتحدى اللورد كرومر، وكتشنر (الحاكم الإنجليزي للسودان) وتصاعدت اشتباكات الأهالي مع جنود الاحتلال في أكثر من مكان في مصر، حتى بلغت المأساة ذروتها بحادثة دنشواي عام 1906 والتي استثمرها مصطفى كامل في حراكه السياسي، كل هذا أوغر صدر الإنجليز على عباس حلمي فانتهزوا فرصة قيام الحرب العالمية الأولى، وكان الخديو موجودا بالآستانة فأعلنوا الحماية على مصر وعزلوه في 19 ديسمبر 1914 وجاءوا بحسين كامل سلطانا، وقد حفظ الوجدان الجمعي الشعبي لعباس حلمي هذا الموقف، فكانت الأغنيات الموجعة: "يا أمة الإسلام ليش حزينة.. إن كان على عباس بكرة يجينا"، وسرعان ما تتحول هذه النغمات الحزينة إلى هتافات صارخة في المظاهرات ضد الإنجليز معبرة عن الأمل في عودة الشاب المخلوع، أو إغاظة ونكاية بالمحتل لتردد الجموع: "الله حيْ.. عباس جاي".
في هذه الحقبة المفصلية من تاريخ مصر الحديث صدرت أهم وأخطر ثلاثة كتب كان لها الأثر كل الأثر في تغيير مفاهيم وترسيخ معايير اجتماعية وسياسية وثقافية، وكان لها مردودها الإيجابي على الفكر المصري. صدر (تحرير المرأة) لقاسم أمين (1899)، و(الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق (1925)، و(في الشعر الجاهلي) لطه حسين (1926).
جاءت دعوة قاسم أمين في سياق تيار النهضة الجارف الذي عمّ مصر آنذاك، وقد دعمت جبهات الإصلاح قاسم أمين، كما جابه دعوتَه بالرفض والتنديد سدنة التقاليد من المحافظين والمتشددين الذين وصفوا أفكار قاسم أمين بالهذيان، وأنه ممن فتنتهم زخارف التمدن الأوروبي الخادع. وكان فيمن أيَّد دعوتَه شخصيات مرموقة مثل سعد زغلول، الذي أُثِر عنه قوله لقاسم أمين: "امضِ في طريقك.. وأنا سأحميك.." والشيخ محمد عبده، ولطفي السيد وكثير من الشعراء في طليعتهم شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي عُرِف بإسهاماته الشعرية في مجال الاجتماعيات، وأنه لم تسنح له شاردة أو واردة في هذا المجال إلا احتشد لها، فهو يكتب عن (حريق ميت غمر) وعن (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها) وفي افتتاح الأندية الاجتماعية وعن دور اليتامى ورعاية الأطفال والملاجئ والجمعيات الخيرية، وفي الحث على بناء الجامعة المصرية.. وفي قصيدته التي ألقاها بمدينة بور سعيد في حفل أقيم لإعانة مدرسة للبنات، في مايو 1910، يعرض للقضية التي استقطبت شرائح المجتمع المصري آنذاك: قضية الحجاب والسفور:
مَنْ لي بتربيةِ النساءِ ؟ فإنها في الشرقِ علّةُ ذلك الإخفاقِ
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددتَ شعبا طيبَ الأعراقِ
الأمُّ روضٌ إن تعهَّده الحيا بالريِّ أورقَ أيَّما إيراقِ
الأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الأُلَى شغلتْ مآثرُهم مدى الآفاقِ
أنا لا أقولُ دعوا النساءَ سوافرا بين الرجال يَجُلْنَ في الأسواقِ
يدرجن حيث أردن لا من وازعٍ يحذرن رِقبَتَهُ ولا من واقي
يفعلن أفعال الرجالِ لواهيا عن واجبات نواعس الأحداقِ
كلا ولا أدعوكمُ أن تسرفوا في الحجبِ والتضييقِ والإرهاقِ
ليست نساؤكمُ حُلّى وجواهرا خوف الضياع تُصَانُ في الأحقاقِ
ليست نساؤكمُ أثاثا يُقتَنى في الدور بين مخادعٍ وطباقِ
تتشكلُ الأزمانُ في دورانها دُوَلا، وهُنَّ على الجمودِ بواقي
فتوسطوا في الحالتين، وأنصفوا فالشرُّ في التقييدِ والإطلاقِ
ربُّوا ا البنات على الفضيلةِ إنها في الموقفين لهن خيرُ وثاقِ
وعليكمُ أن تستبينَ بناتُكم نورَ الهدى، وعلى الحياءِ الباقي
ومن يقرأ أبيات حافظ إبراهيم التي تتناول هذه القضية يراه فيما بين السطور مؤيدا مناصرا للسفور، ولكنه لا يصرح برأيه واضحا، وكعادته في مثل هذه المواقف (نُذَكِّرْ هنا بقصيدته في وداع اللور كرومر) يُمسك – كما يقولون – العَصَاةَ من المنتصف، حتى في رثائه لقاسم أمين يتجرد من إبداء رأي قاطع، ويترك للأيام أن تحكم على الرجل:
إنْ رَيْتَ رأيا في الحجاب ولم تُعْصَمْ، فتلك مراتِبُ الرُّسُلِ
الحكمُ للأيامِ مرجِعُهُ فيما رأيت فَنَمْ ولا تَسَلِ
وكذا طُهَاةُ الرأيِّ تتركُهُ للدهر يُنْضَجُهُ على مَهَلِ 
فإذا أصّبتَ فأنت خيرُ فتى وضَعَ الدواءَ مواضعَ العِللِ
أو لا، فحسبُك ما شرفتَ به وتركتَ في دنياك من عّمَلِ
وهو يريد للمرأة المصرية أن تفك إسارها وأن تقتدي بالفتاة اليابانية (قصيدة: غادة اليابان) لكنه لم يطلق رأيه صريحا في وجه سدنة التقاليد من أنصار الحجاب، كما ساقه شوقي مثلا:
إذا لم يسترْ الأدبُ الغواني فلا يُغني الحريرُ ولا الدمقسُ
أو كما جاهر جميل صدقي الزهاوي بصوته من بغداد محرضا على نبذ الحجاب:
أسفري ما الحجابُ يا ابنةَ فِهْر؟ هو داءٌ في الاجتماعِ وخيمُ
أسفري فالسفور فيه صلاح للفريقين ثم نفع عميم
زعموا أن في السفور انثلاما كذبوا فالسفور طهر سليم
كان حافظ – بعد تسريحه من الخدمة بالجيش المصري في السودان – قد عاد إلى القاهرة، ليختلف إلى منتدياتها ومجالسها الأدبية التي رحبت بشاعريته وظرفه. في هذه المنتديات تعرف إلى الشيخ محمد عبده وصار أحد مريديه، كما تعرف إلى وجوه الثقافة والأدب والسياسة كلطفى السيد وسعد زغلول وقاسم أمين ومصطفى كامل. وساعده أحمد حشمت باشا، ناظر المعارف، على أن يجد وظيفة فى دار الكتب، تلك الوظيفة التى أنقذته ماديا واجتماعيا، وإن حدَّتْ من انطلاقته شاعرا معبرا عن آمال وطموحات مجتمعه، ذلك أنه حرص على تلك الوظيفة حرصا شديدا. فلم يقل من الشعر ما يُغضب به أحدا من ذوى السلطان، كما كان يفعل قبل تقلده لها. فهو كما يقول أحمد أمين فى مقدمة ديوانه: "كان فى شعره سجل الأحداث" و"كان يقف موقف الصحافة الوطنية والخطباء الوطنيين وقادة الرأى الاجتماعيين".
هكذا كانت وظيفة حافظ الشاعر. ولكن الشاعر بعد تعيينه فى دار الكتب ــ على سبيل المثال ــ ينشر قصيدة (مظاهرة السيدات) يرصد فيها حركة المرأة المصرية ودورها إبّان ثورة 19، ينشر قصيدته هذه الرائعة التي تعكس لنا قدراته وتمَكُنَّه من صوغ السخرية اللاذعة. يقول مطلعها:
خرج الغواني يحتججن، ورحت أرقب جمعهنَّه
نشرها عام 1929 فى الصحف باسمه، بعد أن أمن عاقبة نشرها وبعد مرور عشر سنوات على الثورة!، ويروي أحمد أمين أنه حثَّه على نشر قصيدته "قد مر عام يا سعاد وعام" التى هاجم فيها وزارة إسماعيل صدقى، فأبى حتى أن يحتفظ بنسخة منها قائلا: "إنى أخاف السجن.. ولستُ أحتمله". ومن اللافت للنظر، ومن المؤسف معا أن يطالع القارىء هذه القصيدة الثائرة فى ديوان الشاعر الجزء الثانى، تحت عنوان: (فى شؤون مصر السياسية) وقد قُدِّم لها بكلمات جاء فيها: "قالها فى عهد وزارة إسماعيل صدقى وقد نظمها حافظ بعد إحالته إلى المعاش سنة 1932 وكانت تبلغ مائتى بيت.. لم نعثر منها إلا على هذه الأبيات". ثم تأتى القصيدة فإذا هى أحد عشر بيتا. ولا غرو فالشاعر نفسه خاف أن يحتفظ بنسخة منها!
أما قصيدته التي نحن بصددها، فهى منشورة في مجلة "المنار"، لم يهتدِ إليها جامع الديوان العلامة أحمد أمين، فلم تنشر في أيٍ من جزئيْ الديوان، ولم ترِدْ أيةُ إشارة أو تنويه إليها في مقدمته، وعلى ذلك ربما يكون هناك قصائد أخرى ضائعة أو مجهولة لحافظ إبراهيم. وكنتُ أحفظ عن معلمي في الصف الأول الثانوي الأبيات الأربعة الأخيرة من هذه القصيدة إعجابا بها. وفي الآونة الأخيرة حاولت استظهارها واستعادتها في إحدى المناسبات، ونشرت الأبيات الأربعة على الفيسبوك فاستحسنها روادُه وكثرت تعليقاتهم الإيجابية، ما جعلني أسعى إلى البحث عن القصيدة كاملة، وكان أن مدَّ يدَ العون لى الصديق الشاعر والكاتب محمد محمد السنباطي – الذي خلبته الأبيات الأربعة المنشورة، وكان أكثر مني علما ومهارة في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وأعطاني رابطا دخلتُ به على موقع مجلة "المنار" – وكنت أظنها منشورة في "المقتطف" - ووجدت القصيدة كاملة وقد قدَّم لها صاحب المنار محمد رشيد رضا بكلماته: "انتقاد الأخلاق والعادات.. لمعَرِّي العصر في فلسفة الشعر محمد أفندي حافظ إبراهيم".
القصيدة:
1 - لحاظُك والأيامُ جيشٌ أحارِبُهْ/ فهذي مواضيهِ وهذي كتائبُه ْ
2 - وهَمَّيْنِ ضاق القلبُ والصدرُ عنهما/ غرامٌ أعانيه وعيشٌ أغالِبُه ْ
3 - وليلٍ كَمُطلِ القومِ كابدتُ طُولَهُ/ وأيقنتُ أني لا محالةَ صاحِبُه ْ
4 - كأنّ دياجيهِ صحيفةُ مُلْحِدٍ/ تُخَطُّ بها أعمالُه ومثالِبُه ْ
5 - قَريتُ به جيشَ الصبابةِ والأسى/ وأنزلتُهُ صدرا تداعتْ جوانِبُه ْ
6 - وعلمتُ نفسي كظْمَ غيظي ولم أبُحْ/ بما فعلتْ بين الضلوعِ قواضِبُه ْ
7 - تماسكتُ حتى لو رأى القومُ حالتي/ رأوا رجلا هانت عليه مصائبُهْ
.........
8 - رجائيَ في قومي ضعيفٌ كأنّهُ/ جنانُ وزيرٍ سَوَّدتهُ مناصبُه ْ
9 - ودائي كداءِ الديْن عزَّ دواؤه/ وحظي كحظِ الشرقِ نحسٌ كواكبُهْ
10- فيا ليت لي وجدانَ قومي فأرتضي/ حياتي ولا أشقى بما أنا طالبُهْ
11 - ينامون تحت الضيمِ والأرضُ رحْبَةٌ/ لمن بات يأبى جانبَ الذُّلِ جانبُهْ
12 - يضيقُ على السُّوريِّ رحبُ بلادِهِ/ فيركب للأهوالِ ماهو راكبُهْ
13 - فما هى إلا أن تُجَشِّمهُ النوى/ وما هو إلا أن تُشَدَّ ركائبُهْ
14 - ويحرج بالروميِّ مذهبُ رزقِهِ/ فتفرج في عرضِ البلادِ مذاهبُهْ
.....
15 - أقاسمَ إن القومَ ماتتْ قلوبُهم/ ولم يفقهوا في السِّفْر ما أنت كاتبُهْ
16 - إلى اليومِ لم يُرفَعْ حجابُ ضلالِهم/ فمن ذا تناديه ومن ذا تعاتبُهْ
17 - فلو أنَّ شخصا قام يدعو رجالَهم/ لوضعِ نقابٍ لاستقامتْ رغائبُهْ
18 - ولو خطرتْ في مصرَ حواءُ أمُّنا/ يلوحُ مُحَيَّاها لنا ونراقبُهْ
19 - وفي يدِها العذراءُ تسحبُ ذيلَها/ تصافح مَنَّا من ترى وتخاطبُهْ
20 - وخلفهما عيسى وموسى وأحمدٌ/ وجيشٌ من الأملاكِ ماجَتْ كواكبُه
21 - وقالوا لنا: "..رفعُ الحجابِ مُحَلَّل"/ لقلنا: "نعم حقٌ.. ولكنْ نُجَانِبُهْ"
بداية نلفت النظر إلى تقديم محمد رشيد رضا للقصيدة والشاعر، إذ وصف القصيدة بأنها: (انتقاد الأخلاق والعادات) وكأنه أطلق عليها اسمَها الملائم لذاك العصر، أما تقديمه للشاعر فهو على حد تعبيره: (معري العصر في فلسفة الشعر) وهو بهذا التعريف يضفي على حافظ إبراهيم سمة الفيلسوف. فهو صاحب النظرة الثاقبة في الأمور والحكيم الذي ينطق عن حنكة وخبرة. وهو يراه نظيرا لأبي العلاء المعري، حيث تلتقي روحُهُ النَقَّادة مع مزاج أبي العلاء الذي عَرَّفّهُ أحمد أمين بأنه "فيلسوف يتشاعر". وإن اختلف الشاعران في أسلوبية الخطاب الشعري عند كليهما، فإذا كان أبو العلاء يَمتاحُ من مَعِينِ معجم عربي جزلٍ حتى يكاد يصبح شديد الغرابة، خاصة في لزومياته، فإن حافظ ينحو إلى البساطة في لغته وصوره حد الوصول إلى شعبية الصياغة.
والقصيدة عد أبياتها واحد وعشرون بيتا، قمنا بتقسيمها إلى ثلاثة مقاطع، كل منها يعبر عن فكرة أو رؤية. فالأبيات من 1 – 7 تبدأ بمحاولة لغزلٍ تقليدي: (لحاظك) ثم الشكوى من الأيام وصراع الشاعر مع جيوش الهموم وكتائب الأسى، وهو من الكرم بحيث يستضيف هذه الكتائب والجيوش، بل (يُقريها) أي يقدم لها القِرى – وهي صورة غاية في القدم والتقليد والمجانية، ثم بعد هذا كله يزعم أنه يكظم غيظه ولا يبوح بآلامه فهو متماسك، ومن يره يظنه رجلا غير عابئ بمصاعب الحياة أو نوازل الدهر.
وشكوى حافظ هنا لا تثير الإعجاب بها فنيا، فهى رتيبة مملّة، وليس بالأبيات أية سمة من سمات الابتكار، ولغتها فاترة ليست في حِدِّة أو حرارة شعر الشكوى كما عرفناه لدى حافظ، كقوله:
حطمتُ اليراع فلا تعجبي/ وعِفْتُ البيانَ فلا تعتبي
فما أنتِ يا مصرُ دار الأديب/ وما أنتِ بالبلد الطيبِ
أو في قصيدته (لا تلم كفي إذا السيفُ نبا):
أنا لولا أنّ لي من أمتي/ خاذلا ما بتُّ أشكو النُوَبا
أمة قد فتَّ في ساعدها/ بغضُها الأهل وحب الغربا
تعشق الألقابَ في غير العلا/ وتُفَدِّي بالنفوسِ الرُّتَبا
والبيتان الأخيران هنا نجد أصداءهما في المقطع الثاني (الأبيات من 8 – 14) حيث ينتقد الشاعر (الأمَّة) فهو غير واثق بجديتها ، رجاؤه فيها ضعيف، وكواكب حظه كلها نحسُ وشؤم. ويتمنى لو اكتسب من قومه بعض اللامبالاة، ربما استراح ونام على الضيم مثلهم، ويعجب من هذه الأمة التي ركن أهلها إلى الخنوع والاستكانة في حين ترفض شتى الأجناس أن تحيا في مستنقع الذل فتهاجر وتغامر في عزة وجرأة.
وفي رأيي أن الأبيات في المقطعين (من 1 – 14) لم تكن إلا توطئة وتمهيدا للمقطع الأخير (15 – 21) الذي يتوجه بالحديث فيه إلى قاسم أمين. فهذا المقطع أكثر اتساقا مع روح حافظ وأسلوبه الشعري، حيث يعرض في سلاسة لقضية الحجاب، ويرسم في الأبيات الأربعة الأخيرة تلك اللوحة الرائعة التي تنتهي بها القصيدة. ولكم وددت لو اقتصرت القصيدة على المقطع الأخير وحده. وأظن أن حافظا – رحمه الله – كان يهدف إلى هذه الأبيات فقط ولكن ترك نفسه يقطع طريقا وعرا تجشَّم عناءه في رحلة فقد فيها أكثر من نصف قواه حتى وصل إلى غايته.