باسمك يا بلدي .. علي إسماعيل ونصر أكتوبر

23/10/2016 - 2:27:22

على إسماعيل ونبيلة قنديل على إسماعيل ونبيلة قنديل

د. رانيا يحيى - عازفة وكاتبة مصرية

حينما تمر ذكرى العبور وانتصار أكتوبر 1973 كل عام نتذكر واحدا من أشكال القوة الناعمة وهى الفنون، وفى مقدمتها الأغنية، حيث تعلق فى أذهان الجماهير وخاصة حينما تكتمل أركانها الأساسية الداعمة للجمال. فالأغنية ذات ثالوث فنى يتضافر كلية فيما بين الكلمة واللحن والصوت وما يمتلكه من مشاعر تضفى حالة جمالية، ولكن ما يسبقه من حيث الكلمة واللحن فهما إبداع حقيقي يتولد لدى صانع كل منهما، حيث يتمازجا فى بوتقة الحالة الفنية التى تنتج للجمهور الأغنية في شكلها البسيط.
ومن أجمل ما قدم فى هذه المناسبة أغنيتان أود أن أتوقف عندهما للفنان الملحن علي إسماعيل. الأولى أغنية "راجعين" في مقام النهاوند وهو السلم المينير (الصغير) فى الموسيقى الغربية، ولذا توافقت التوزيعات الآلية وهذا المقام، وخلق تنوّع أداء الكورال بجانب التوزيع الآلى حالة شعورية جاذبة للمستمع، وخاصة مع الكلمات المعبرة للشاعرة نبيلة قنديل (زوجة علي إسماعيل)، وهنا حدث حالة من التكامل والتزاوج الإيجابى بين كلمات شديدة الحماسة ترفع عزيمة الجنود، وتدعو للتكاتف ووحدة الشعب ضد العدو وتؤكد الإيمان بالواجب الوطنى والقسم باسم مصر، وبين لحن جميل.
وعلى الرغم من أن كلمات الأغنية ذات إطار وطني إلا أنها ترتبط بحالة وجدانية وعاطفية تعبر عن فيضان مشاعر الحب للوطن، فقد تميز اللحن بالمزج بين الصرامة والجدية فى كلمات السلاح والنصر وخلافه، وبين "باسمك يا بلدي، نيلك وشعبك"، فنشعر بالتماهي بين القوة والإصرار على النصر وبين هذا الحب الجارف، كما ترجمه علي إسماعيل فى التوزيع الآلي أيضا، حينما وضع القانون بشرقيته ورنينه الصوتى المميز، بجانب السينير كآلة إيقاعية توحى بخطوات سير الجنود، ووجود آلات النفخ لإبراز زخارف لحنية من خلال الحليات أو الزغردة؛ لإكساب اللحن حالة جمالية بين الحين والآخر. وينبغى أن نذكر ضربات السيمبال بقوتها لتدعيم الحالة النفسية.
جاء اللحن سلسا ومعبرا فى تصاعد وهبوط مستمر ليتوافق مع النص فى تلوينات صوتية جذابة، ومع كلمات النصر والتحدى نلاحظ التصاعد المواكب لهذه الحالة الشعورية، وأكد أداء المجموعة رجال وسيدات هذه الروح الوطنية، إذ خلقت الأصوات النسائية بحنوها وعطفها بجانب الأصوات الذكورية بقوتها وإصرارها حالة جمالية مع بساطة اللحن وصدق الكلمات وروعة التوزيع بالصوت البارز للقانون المتصدر للمشهد السمعي غاية فى الرقة والجمال، رغم ما عبرت عنه الأغنية من معاني القوة والصلابة، ولكن حالة التغزل من الشاعرة فى وصفها لمصر باعتبارها أنثى تستحق الدلال بكلماتها "شعرك ونغمك، نيلك وهرمك، وأفدى بروحى عيونك يا مصر"، جعل المستمع يقع تحت تأثير مفاتنها الساحرة التى تستحق كل هذا الفداء.
أغنية "راجعين" رغم بساطة تكويناتها وعناصرها إلا أنها باقية لما فيها من صدق وجمال باطن، وربما توجد أغنيات تعلق أكثر بأذهان الجماهير فى هذه المناسبة، لكن هذه الأغنية ـ كلمات ولحنا وتوزيعات وأداء ـ تجعلنا نعيد النظر فيها مرات ومرات لما تتمتع به من صدق وطني وفني، وقد أهداها المخرج يوسف شاهين للإذاعة بناء على رغبة ملحنها علي إسماعيل بعد انتهاء إعدادها لفيلم "العصفور" وأهديت بهذه المناسبة قبل طرح عرض الفيلم، لتتواكب مع أوج النصر، وتصبح بصمة انتصار أكتوبر 1973.
مع حالة التوهج الوطني والفرحة بالنصر فى أجواء أكتوبر كان الفن ملازما لتلك الروح التى جمعت المصريين، وتحول الجميع إلى جنود مدافعين عن تحرير أرضنا المحتلة، وأسهمت المرأة المصرية بالتضحية والفداء من أجل الوطن، ومن أجمل ما عبر عن هذه الحالة أغنية "أم البطل" للمطربة شريفة فاضل، وهى الأغنية الثانية التى لحنها علي إسماعيل وكتبتها نبيلة قنديل، وعبرت الأغنية بصدق عما عاشته المطربة وجسدته فى الواقع المرير لفقدان ولدها الأكبر "السيد بدير" واستشهاده فى الحرب، وما في هذه الحالة من تناقض بفخر الأم بابنها البطل كأحد رموز قواتنا المسلحة البواسل وبين حزنها الدفين على فراقه.
الأغنية وضعها الملحن في مقام العجم وهو السلم الماجير (الكبير) فى الموسيقى الغربية، ويغلب هنا صدق الأداء لشريفة فاضل التى أبدعت فى التأكيد على كل معنى وكل كلمة بإحساس فحققت نجاحا كبيرا. والأغنية تبدأ بمقدمة موسيقية بها لمحة شجنية بالأداء المتقطع (استكاتو) من الوتريات والكي بورد يجعلنا فى حالة ترقب لما هو آت، ثم تدخل الفيولينة المنفردة باللحن للكوبليه وهذه الآلة معروف مقدرتها على التعبير وكأنها تتحدث إلينا، فنشعر بألم الفراق فى هذه الجملة، ولكن من استمع إليها من قبل يجد نفسه يكرر الكلمات الإبداعية التى برعت فيها نبيلة قنديل للتعبير عن حالة صديقتها وهو قمة التعبير بالآلة الموسيقية، فكأنها تنطق كالبشر، وتقوم بقية الآلات الوترية بأداء اللزم الموسيقية لتدخل المطربة بصوتها القوى بأول كلمة "ابنى" فتؤكد الوجيعة الداخلية والألم النفسي الذى يعتصر قلبها، لكننا نرى كم التضحية من الأم المصرية وإعلاء مستوى الحدث القومى على انكسارها الشخصى، فترفعت عن هذا الشعور لأجل الهدف الأسمى.. مصر.
وكانت التوزيعات الآلية منسابة ورقيقة وخلفية للمطربة بحيث لا تتعارض أو تسيطر على الحالة السمعية، للتأكيد على المعانى المراد توصيلها فى هذا الأداء المتميز، وواقعية الحدث أضفت بعدا جماليا يصعب تكراره فى أى حالة غنائية أخرى حتى لو تشابهت فى التعبير، فهنا أضفى القدر والواقع المرير حالة نادرة الحدوث، ومع الانتباه للتوزيع الآلى داخل طيات هذا اللحن الرشيق رغم ما يعتريه من حزن عميق نجد الإيقاعات والرق، لكى تتناسب مع التهانى بالنصر، وأن الفرحة بتحرير الأرض أهم وأكبر من مصيبتها الشخصية لهذا الفراق، وفى كلمة "طبعا ما أنا أم البطل" نستشعر الشموخ والفخر أنها دفعت بأعز ما لها فداء للوطن، والتكرار للتأكيد على هذا المعنى البطولى. وكلمة "يا مصر" بمرافقة الكورال تجعلنا فى حالة من الاندماج داخل روح وطنية مسيطرة أكبر من أى أزمة شخصية مهما تكن المعاناة. وتعد هذه الأغنية من أفضل وأصدق ما قدم للتعبير عن أمهات الأبطال.
ونلاحظ ارتباط علي إسماعيل كثيرا بهذين المقامين (العجم ـ النهاوند) لأنهما الأكثر تطويعا لاستخداماته الآلية التى عودنا عليها، حيث يرتكز كثيرا فى توزيعاته الآلية على آلات النفخ وهى آلات أوركسترالية تندرج تحت الموسيقى الغربية الكلاسيكية فى الأساس، ولذا فدخولها مع آلاتنا الشرقية وأغنياتنا شرقية الطابع أو فى موسيقانا العربية عموما يخلق لونا صوتيا مميزا وخاصة حينما يحسن الملحن أو الموزع استخدامها إذا كان على دراية موسيقية واسعة بكيفية توظيفها بما يتلاءم والحالة الوجدانية، فيأتي المكون الجمالي لصالح العمل الإبداعي.
كان علي إسماعيل موسيقيا مصريا من نوع خاص، تعددت مواهبه بين العزف على آلات النفخ الخشبية الكلارينيت والساكسفون والآلات النحاسية التى أتقنها عن والده إسماعيل خليفة، مدرس الموسيقى وقائد الفرقة الموسيقية الملكية، كما اشتهر بموسيقى أفلامه التي بلغت ثلاثمئة وخمسة وستين فيلما، بجانب ما قدمه من أعمال في الإذاعة والمسرح وفرقة رضا للفنون الشعبية.
وقد تدرج علي إسماعيل في التعليم حتى حصل على دبلوم مدرسة الصناعات البحرية من السويس، وكان بحكم الموهبة والنشأة يتمتع بأذن موسيقية حساسة، ودرس الموسيقي الغربية على يد الأستاذ (برنتي) والتحق بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية بقسم الآلات إلى جانب عمله كموسيقي مجند بالجيش، وكان زميلا لأسماء لمعت في عالم الموسيقى بعد ذلك مثل عبد الحليم حافظ، وكمال الطويل ، وأحمد فؤاد حسن ، وفايدة كامل. وعمل في فرقة محمد عبد الوهاب، كما أصبح رئيسا لفرقة الأختين رتيبة وإنصاف رشدي وكان يعزف في الملاهي الليلية في عدة فرق منها فرقة (ببا عز الدين) و(إحسان عبده)، وشجعه محمد حسن الشجاعي الذي كان يشغل منصب مستشار الموسيقى في الإذاعة المصرية في ذلك الوقت، حيث كان صديقا لوالده واشترك في برامج كثيرة، كما سمح له الشجاعي بتكوين فرقة كاملة بالإذاعة. وعندما كون الأخوان (علي رضا ومحمود رضا) فرقة رضا للفنون الشعبية كان علي إسماعيل رئيس الفرقة الموسيقية ومؤلف موسيقى كل الرقصات والاستعراضات وطاف معهم أغلب دول العالم وهو أهم انجازاته الموسيقية، ومن تلك الأعمال: رنة الخلخال، ورقصات صعيدية، وفاء النيل، وخان الخليلي، والناي السحري، وعلي بابا والأربعين حرامي، وابتكر علي إسماعيل (فرقة الثلاثي المرح: صفاء ووفاء وسناء) ولحن لها أغنيات شهيرة (العتبة جزاز، يا أسمر يا سكر، مانتاش خيّالي يا وله، وغيرها).
وبعد رحلة عطاء رحل علي إسماعيل في 16 يونيو 1974 وهو فى الثانية والخمسين، بعد أن نال في حياته بعض التكريمات منها وسام العلوم والفنون عام 1961، وسام الملك حسين عام 1966، وشهادة تقدير من المهرجان العالمي التاسع بصوفيا عام 1968، وجائزة المهرجان القومي الأول للأفلام الروائية عام 1971، كما حصلت موسيقى أفلامه على عدة جوائز، وبعد وفاته حصل على جائزة الدولة التشجيعية لاسمه عام 1975، وافتتح الرئيس أنور السادات متحفا في منزله يوم 13 يونيو 1975 تكريما لذكراه. وقد وصف الكبير إحسان عبد القدوس رحيله بأنه الوفاة الثانية لسيد درويش باعتباره امتدادا لهذا الموسيقي العملاق، رحم الله سيد درويش وعلي إسماعيل.