« كنت معلما » .. تأريخ لمرحلة من تطور التعليم العمومي بالمغرب

23/10/2016 - 2:19:24

د. عبد الجبار العلمي - كاتب مغربي

ينتمي كتاب "كنت معلما" للأديب المغربي العربي بنجلون إلى أدب السيرة الذاتية، لكنه ـ كما يشير عنوانه ـ يتوقف عند جزء من سيرته العامة، هو سيرته التربوية التعليمية أو كما حددها المؤلف نفسه هو "فصول من حياته المهنية".
والجدير بالذكر أن الكاتب أصدر كتابين في هذا الجنس الأدبي، رصد فيهما مراحل أخرى من حياته (طفولته ـ شبابه ـ مسيرته الكتابية)، ولم يرد أن يصب كل سيرته في كتاب واحد جامع دفعة واحدة، فهو يخشى أن يستنفد كل ما لديه من مخزونه الحكائي، وتجاربه الحياتية المتنوعة، ذلك أنه ينطلق من قناعة مفادها أن التوقف عن الحكي (الكتابة بصفة عامة) يعني الموت، وأن الاستمرار في ممارسته يعني الحياة والتجدد. ويورد مثالين من الواقع الأدبي يؤكدان ما ذهب إليه، هما: الكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي الذي وضع حدا لحياته حين أحس بأنه لم يعد له ما يقوله، والروائي المصري محمد البساطي الذي مات حين توقف عن الكتابة.
بالحكي يتحدى الكاتب الموت، ويحتال عليه للاستمرار في الحياة، وذلك كان صنيع شهرزاد حين أنقذت حياتها من الموت المحقق بحكيها الشائق الممتع، ولو أتمت حكاياتها لشهريار في ليلة واحدة، لكان الموت مصيرها تلك الليلة.
يصرح الكاتب في مستهل كتابه بأنه يحتفظ برصيده من التجارب الحياتية وكذلك بما سيتوفر عليه من مشاريع كتابية أخرى قادمة، لكي يوزعها في كتب متعددة، ولا يحب أن يستنفدها في كتاب واحد، فيقعد ملوما محسورا. إن كتابه "كنت معلما"، يدخل ضمن هذه الاستراتيجية الكتابية التي خطها المؤلف لنفسه، فقد رصده لتجربته التربوية التعليمية في مرحلة من مراحل حياته المهنية الطويلة، هي مرحلة التعليم الابتدائي.
يتألف الكتاب من عشرة فصول قصيرة، يعنى المؤلف بوضع عناوين دالة على مضامينها، كما يلي: أسباب النزول، عشيقة عمري، نون وما يظنون، بائع الأقراط، خذ كتابك بيمينك، مدينة بحجم الكف، لنحذر هداياهم، الاعتقال الناعم، الإرث الحقيقي، وعاد إلى الحياة.
وقد وفق المؤلف في اختيار هذه العناوين لفصول كتابه، فهي عتبات نصية محفزة، صاغها الكاتب بأسلوب لا يخلو من طرافة وتشويق، تدفع القارئ إلى الدخول إلى متن الكتاب (النص الكبير) للتعرف على ما تخفيه العناوين (النصوص الصغيرة) بين ثناياها من خبايا وأسرار.
يوجه الكاتب خلال سرده لأطوار حياته المهنية نقدا لاذعا لكثير من السلوكات والظواهر السلبية التي لاحظها سواء في مجال مهنته أو داخل المجتمع بصفة عامة، منها:
ـ النفاق والتملق والتزلف من أجل تحقيق أغراض ومصالح شخصية.
ـ تقدير المجتمع للمظاهر الخارجية الزائفة ولمن يملك الجاه والمال والسلطة، وتحقيره لمن يملك العلم والمعرفة ويتشبث بالقيم الأصيلة.
ـ سلوكات بعض المعلمين السلبية المشينة، في تلك المرحلة، المسيئة إلى مهنة التعليم الشريفة.
ـ ظاهرة ممارسة الدعارة من لدن بعض النساء وسيلة لإعالة أسرهن وأبنائهن تحت ضغط الحاجة والفقر في مجتمع تتسع فيه الفروق بين الطبقات، ويفتقر إلى العدالة الاجتماعية.
ـ النظرة الدونية التي ينظر بها الآخر الغربي إلى بلادنا وإلى البلدان الإفريقية عامة لانغلاقه وسوء اطلاع فئات واسعة منه، وبينهم رجال التعليم، على تراثنا وحضارتنا وثقافتنا.
ـ استغلال الغرب الإمبريالي للبلاد العربية والإفريقية، ومن مظاهر الاستغلال البشعة، رمي نفاياتهم الخطيرة في أراضيها. ويذكر الكاتب مثالا من محيط التعليم، يتمثل في إهداء مؤسسة تعليمية فرنسية ما فضل وبلي وانتهت صلاحيته من أجهزة تعليمية إلى مدرسة الكاتب في إطار شراكة وتوأمة بين المؤسستين التعليميتين. (فصل: لنحذر هداياهم).
بالإضافة إلى هذه القضايا المهمة التي يسوقها المؤلف خلال سرده سيرتَه التعليمية التربوية، يسجل الكثير من التجارب الحياتية والأحداث الطريفة والمواقف الحرجة التي عاشها، سواء في حياته العملية أو في حياته في مجتمع ضيق في مدينة صغيرة مهمشة هي مولاي إدريس زرهون. ومن هذه التجارب المريرة تجربة الاعتقال الذي تعرض له سنة 1973 هو ومجموعة من رفاقه، بسبب نشاطه الحقوقي والحزبي والثقافي المشروع، في تلك المرحلة العصيبة التي أمست تسمى بسنوات الرصاص. كان لتلك التجربة أثر بالغ على نفسه اضطرته ـ وهو الأبي، الغيور على وطنه، العاشق لمهنته، المحب لتلاميذه ـ إلى مغادرة الوطن إلى الجزائر ثم إلى فرنسا، تفاديا لما يمكن أن يتعرض له من بطش وظلم، ولم يعد من منفاه الاختياري أو الاضطراري إلا بعد أن أخبر من لدن عائلته بقرار عودته إلى وظيفته أو عشيقة عمره (مهنة التعليم) وإلى فلذات كبده تلاميذه وتلميذاته. وقد خصص لهذه التجربة الفصل الذي اختار له عنوانا ساخرا هو "الاعتقال الناعم"، وذلك على طريقته في مواجهة المواقف الصعبة بالسخرية والاستهانة والتحدي.
والجدير بالملاحظة أن الكاتب يعرض في غير موضع من سيرته التعليمية آراءه في التربية والتعليم، والطرق التربوية الحديثة، وما كان يقوم به من إنجازات تربوية مبتكرة بمبادرة شخصية، يمكن أن يفيد منها معلمو اليوم أو من هم مقبلون على ولوج عالم التربية والتعليم من الطلبة ـ المعلمين أو الأساتذة. لقد كان معلم الأمس يضطلع بدور المربي والطبيب النفسي والمصلح الاجتماعي والمدافع عن القيم الأصيلة، وهذا ما حاول القيام به صاحب السيرة، فقد كان يعالج بعض حالات تلميذاته النفسية كالعي والخجل (فصل: الإرث الحقيقي)، بل كان يتجاوز محيطه المدرسي إلى محيط أسر تلميذاته، فيتدخل لمساعدتهن على حل بعض مشاكلهن، لإيمانه بأن المشاكل الأسرية تنعكس سلبا على التحصيل الدراسي للمتعلمين. يقول: "لم أكن معلما ومربيا للصغار فقط، إنما للكبار كذلك؛ فهم أيضا، كانوا في حاجة ماسة إلى التربية والتعليم، ومحاربة الأمية الفكرية، وأي خطأ يبدر منهم، سينعكس سلبا على نفسية أطفالهم وسلوكهم". (فصل: وعاد إلى الحياة)، وكثيرا ما كان يقدم النصائح الصادقة إلى من اضطرتهن ظروف حياتهن إلى امتهان مهن غير شريفة، أو يبيع لهن الأقراط حسب تعبيره، كما أنه كان يقف مواقف صلبة إزاء بعض السلوكات السلبية التي عاينها في محيطه التعليمي.
كتاب "كنت معلما" للعربي بنجلون، تأريخ لمرحلة من مراحل تطور التعليم العمومي في المغرب، كان المدرس فيها يتفانى في أداء مهمته التربوية التعليمية، ويضحي براحته ووقته وحتى بماله ـ رغم ضآلته ـ لقناعته الراسخة بأهمية التعليم وجدواه في تربية الأجيال وبناء الإنسان وتقدم المجتمع. إنه كتاب ممتع مؤنس مفيد، يعالج الكثير من القضايا والظواهر الاجتماعية بلغة سهلة ممتنعة وبأسلوب يتسربل بالسخرية اللاذعة والنقد الهادف البناء.