تمثلات العجيب في السيرة الشعبية العربية

23/10/2016 - 2:17:42

محمد رضوان

تعد السيرة الشعبية محوراً مهماً من محاور السرد العربي القديم، ويرى مؤرخو وكتاب السير الشعبية أنها تمثل أهمية كبرى من خلال عدة محاور:
1- أن السيرة الشعبية العربية لم تكتب إلا في عصور متأخرة، فقد بقيت لزمن طويل نصاً شفاهياً يحكى في المجالس والمقاهي.
2- أن السيرة بوجهها الشعبي تعد نصاً ثقافياً معبراً، لأن تأليفه مر أسوة - بروايته وبالتزامن معها، بمراحل متعددة، فكل راو يضفي عليه بعضاً من ثقافته واتجاهه الفكري والسياسي، وطموحاته ومخاوفه فأصبحت هناك عدة رؤى للسير الشعبية العربية التي تداولت بين جموع الشعب منها سيرة عنترة بن شداد والأميرة ذات الهمة وسيف بن ذي يزن.
وقد صدر مؤخراً كتاب للباحث العراقي صفاء ذياب تناول فيه ألوان السيرة الشعبية العربية والفرق بينها وبين الحكاية الشعبية وقد اختار سيرة الملك سيف بن ذي يزن من بين السير الشعبية العربية ليتناولها بالدراسة والبحث والتحليل باعتبارها نصاً متفرداً بين السير الشعبية العربية، من خلال سعي الراوي لجعلها نصاً جامعاً مستفيداً من مرويات التراث العربي بما عرف عنها من تعدد وثراء فضلاً عن حضور النص الديني والثقافة الشعبية، ليسعى من خلال ذلك لإنتاج نص سيري متكامل تميزه قدرته على جمع ما يرتبط بالعجيب من شخصيات وأماكن وأزمنة في مجرى سردي منتظم، فضلاً عن طموحه لبناء حكايات واسعة لم تكن غير تفريعات عناصر عجيبة وردت عرضاً في مدونات السرد العربية، فقدم أماكن متعددة لم يسمع عنها أحد من قبل، ورسم بحوراً وأودية وجبالاً وقلاعاً، مستفيداً من إمكانات الخيال العربي على الخلق والابتكار.
ويرى الباحث أن هذه العجائبيات جعلت من سيرة الملك سيف بن ذي يزن «ذخيرة العجائب العربية» بحسب وصف الباحث العربي سعيد يقطين في كتابه «ذخيرة العجائب العربية» «سيف بن ذي يزن» وهو ما دعى الباحث لإعادة قراءتها مستنداً إلى عدة معطيات أهمها أن هذه السيرة لم تقرأ قراءة وافية ولم يفرد لها عمل نقدي مستقل، وإنما تناولتها بعض المؤلفات العربية ضمن مجموعة من السير الشعبية ولذلك يؤكد الباحث أن دراسة العجيب في سيرة سيف بن ذي يزن ورصد تمثلاته مناسبة لمعالجة وجه زاخر، فاعل وحيوي، من وجوه السرد العربي القديم من خلال تمهيد وثلاثة فصول يبحر بنا الباحث في بحر السيرة الشعبية العربية مع سيرة الملك سيف بن ذي يزن حيث يتناول في الفصل الأول: أنماط العجب ويتفرع عنها العجيب المبالغ - العجيب الغريب - العجيب الأدائي وذلك بعد تعريف مصطلح العجيب حيث يستعرض المؤلف تعريف الأدب العجائبي ومنها وصف الباحث د. شعيب حليفي بأن الأدب العجائبي قريب من أدب الخيال العلمي الذي يتجه نحو المستقبل، ومن الأسطورة وهي تضرب بجذورها في قضايا متعالية فترفد من غنى التنوع والتعدد، أي مما هو عجائبي وغرائبي، ومحدداتهما التفسيرية ويشير عدد من الباحثين أن العجائبي مفهوم لفظي لا يخرج عن كونه مرتبطاً باللفظ وليس بالصورة وفي الفصل الثاني يتناول الباحث الشخصيات حيث يتحدث عن فهم الشخصية وهي تتفرع إلي الشخصية والحكاية، والشخصية وزمن القراءة، والشخصية والفعل، والشخصية في السيرة الشعبية ثم يفرد الباحث حديثه عن أنماط الشخصيات وأنواعها فيتناول الشخصيات المرجعية وهي الملك سيف بن ذي يزن والخضر وسيف أرعد والشخصيات شبه المرجعية والشخصيات التخيلية والشخصيات العجيبة ثم يتناول الباحث دور العجيب في بناء الشخصية ويتناول فيه وصف الشخصيات ومنها الشخصيات المركبة مثل الجان والأولياء الصالحون والحيوانات، وفي الفصل الثالث يتناول الباحث تحت عنوان الفضاء - الزمن - المكان دور هذه العناوين في السيرة الشعبية.
وفي ختام البحث يجمل الباحث ما توصل إليه في هذه الدراسة التاريخية البحثية المهمة حيث أكد أنه من خلال دراسة الشخصيات العجيبة وقف أمام شخصيتين رئيسيتين في السيرة وهما: شخصية الملك سيف بن ذي يزن، وشخصية الخضر واكتشف أن شخصية الملك سيف لم تكن شخصية عجيبة في حد ذاتها لكن رسمت من أجلها منذ ولادتها حتى وفاتها ومن ثم سخرت لها جميع الطاقات والشخصيات ذوات السمة العجيبة وأبحاث من أجل إكمال مهمتها التي ولدت من أجلها، ولهذا فإن مصادر العجيب في هذه الشخصية ينطلق في الأساس من وجودها وسط أحداث فوق طبيعية وخضوعها للاصطدام بكائنات عجيبة واقتحام عوالم غير مألوفة، تثير الحيرة والتردد ومن ثم اندماجها مع هذه المؤثرات كلها، دون أن يخل وجودها بوصفها تحمل بعداً واقعياً.
أما شخصية الخضر فكانت شخصية عجيبة، لأن العالم بالنسبة لها حلقة يدور حولها وهي في مكانها، ولهذا كانت الشخصية تجمع أنواعاً من الشخصيات، فهي مرجعية وتخيلية وعجيبة في الوقت نفسه، ومن ثم كان التخيل الذي بنى الراوي من خلاله عدداً من الشخصيات المقوم الذي يشحن سرد السيرة بطاقة معرفية قوامها كشف طبيعة الشخصيات المتخيلة التي غالباً ما تكون شخصيات مركبة تسعى لتحقيق أهداف معينة لها سلفاً وبعد، فهذه دراسة جديدة ومهمة للباحث صفاء ذياب عن تمثلات العجيب في السيرة الشعبية العربية قدم فيها من الاجتهادات والرؤى والتحليلات.