« الرواية العربية في المهجر » عنوان ملتقى الشارقة للسرد

23/10/2016 - 2:16:53

د. سعيد يقطين متحدثاً فى الملتقى د. سعيد يقطين متحدثاً فى الملتقى

الشارقة ـ خاص « الهلال »

نظمت إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة الدورة الثالثة عشرة لملتقى الشارقة السنوي للسرد (18 ـ 20 سبتمبر 2016) تحت عنوان "الرواية العربية في المهجر"، حيث توزعت ندوات الملتقى على أربعة محاور رئيسية، إلى جانب تحدّث عدد من الروائيين العرب عن تجاربهم الإبداعية في محور خاص بعنوان "شهادات ورؤى".
ركز المدخل الذي اختاره الملتقى لدورة هذا العام على استكشاف أبعاد رواية المهجر بين المركزية والتهميش. أما الدراسات المتعلقة بمحاور الملتقى، فقدمها مبدعون ونقاد من مختلف البلاد العربية، إلى جانب نقاد من إيطاليا وفرنسا وبولندا وأمريكا، لهم إسهامهم المشهود في دراسة الأدب العربي.
قدم الناقد المغربي سعيد يقطين في دراسته التأسيسية، التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية للملتقى، تنظيرا عاما حول مفهموم الكتابة الروائية في المهجر، اعتمادا على رؤية بلورها في مصطلح جديد هو "الفضاء الثالث" الذي ينشأ بين فضائين، فضاء الوطن، وفضاء المهجر حيث يخلق التداخل بين فضائين متناقضين نوعا من الصراع الداخلي الذي ينعكس فيما يكتبه الروائي من نصوص. ومن هذا المنطلق طرح يقطين إشكالية رواية المهجر، متبنيا المنظور التفاعلي المتغير بين الفضاءات الثلاثة، بما اتسعت قراءته لتعدد الرؤى الروائية، وتحولات السرد وتقنياته عبر مساحة زمنية ممتدة، تعاقبت عبرها أجيال المبدعين الذين وصل بعض منهم إلى العالمية عن جدارة، وكذلك التأثر والتأثير المتبادل في المشهد الروائي العربي المعاصر.
كذلك ركز يقطين على الرواية التي يكتبها الجيل الثاني الذي ولد في المهجر من أصول عربية، وذلك على أساس أن خصائص رواية المهجر تتجلى في "الفضاء الثالث" الذي يعيشه أبناء هذا الجيل بكيفية تختلف عن آبائهم، لأنهم يواجهون مشكلة "ثنائية الجنسية، وما يلزمها من ثنائية الاندماج أو الحفاظ على الذات".
وفي تعقيبها على دراسة المتحدث الرئيسي في الملتقى، أشارت الكاتبة المصرية اعتدال عثمان إلى "أننا أحوج ما نكون الآن إلى إعادة التفكير في سياقنا الراهن من أجل التوصل إلى صيغة مركبة جديدة، تفتح مجال التفاعل في الفضاء الثالث، الذي رسم حدوده الدكتور سعيد يقطين باقتدار، وذلك على نحو يتيح الانتماء إلى العصر وتحولات نماذجه المعرفية من ناحية، والانتماء إلى الذات الحضارية الأصلية بمخزونها الثقافي المتراكم من ناحية ثانية، والتطلع في الوقت نفسه إلى تطوير البنى الذهنية الحاكمة عندنا عن طريق التثاقف الإيجابي البناء".
وقد تناولت دراسات المحور الأول "التحولات الفنية والآخر في رواية المهجر"، وبرز من بين الموضوعات المثارة "غواية الغرب المستدامة"، و"رؤية الآخر للرواية العربية المهاجرة". أماالمحور الثاني "تبدلات الخطاب وحدود الفن" فناقش المشاركون أثر المكان وتبدلاته في الرواية المهاجرة، ومدى حضور القضايا العربية في رواية المهجر، والمنصات الفنية التي ترتكز عليها.
وفي المحور الثالث ناقش النقاد "التناص والذاكرة الجماعية في رواية المهجر" حيث أعطوا عناية خاصة لطرح السؤال: هل هناك خصوصية للرواية العربية المهاجرة؟ كما اهتموا بفاعلية التناص كأداة ارتباط بالذاكرة والجذور.
من ناحية أخرى برز في عدد من دراسات المحور الرابع الاهتمام بدور الترجمة في تعريف دوائر القراء، خارج إطار العالم العربي، بالقيمة الأدبية للأعمال المترجمة، والدور الذي يمكن أن تلعبه الرواية في تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة المشوهة حول طبيعة الثقافة العربية، وهموم الإنسان العربي، وتطلعه من خلال الفن الروائي إلى القيم الإنسانية الجامعة للبشر في كل مكان وزمان.
تضمن الملتقى عقد مائدة مستديرة شارك فيها روائيون من مصر وسوريا والإمارات والعراق، إلى جانب المدعوين من الخارج، حيث تبادلوا الحوار حول أهم القضايا التي يطرحها موضوع الملتقى من زوايا مختلفة، غنية بالرؤى ووجهات النظر المستمدة من تعدد مواقعهم وممارساتهم الإبداعية والنقدية. كذلك تطرق النقاش إلى استشراف مستقبل الرواية العربية في المهجر، بعد أن حققت مكانة ملحوظة في دوائر ثقافية وأدبية كانت غائبة عنها، خصوصا عقب فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988، وبعد أن نشطت حركة ترجمة الروايات الفائزة في مسابقات عربية إلى لغات العالم، مما أسهم في لفت الأنظار إلى رواية المهجر، ودفع بها من هوامش الطريف والعجائبي إلى متون أكثر مركزية. ولقد أفضت هذه التحولات إلى حصول عدد من الروائيين العرب في المهجر على جوائز أدبية عالمية مرموقة، مما يعد دليلا إضافيا على اتساع دوائر القراءة لأعمال كتبها مبدعوها العرب باللغة المكتسبة بالتبني أو الأعمال المترجمة من لغتهم الأم.
شارك في الملتقى من مصر الروائي يوسف القعيد الذي استعرض في كلمته المشهد الروائي الراهن، مؤكدا الازدهار الملحوظ في عدد النصوص المنشورة، دون أن يواكبها حركة نقدية نشطة، بخلاف ما كان يحدث سابقا، خصوصا في حقبة الستينيات في القرن العشرين. كذلك شاركت الدكتورة أماني الجندي ببحث حول تجليات الفن الشعبي في الرواية المعاصرة، وقدم الدكتور هيثم الحاج علي شهادته حول الواقع الثقافي وأهمية تنظيم حركة الترجمة إلى اللغات الأجنبية للتعريف بمستجدات الأدب العربي في الخارج.
كما شارك في نقاش المائدة المستديرة من سوريا الروائي نبيل سليمان، وتناول "الهجرة وأخواتها في الرواية"، بمعنى اتساع مفهوم الهجرة ليشتمل على مفاهيم أخرى نتيجة الأوضاع السائدة في عدد من بلادنا العربية، فأصبح هناك المنفى، والاغتراب، والنزوح من مسقط الرأس إلى مدن أخرى داخل حدود الوطن لأسباب أمنية أو اضطرارية.
وشارك من العراق الدكتور نجم عبد الله كاظم متناولا قضية الآخر في الرواية الحديثة، وكيف تحول موقف الروائي من الصدام أول الأمر إلى نوع من التقبل، وإن لم يصل بعد إلى مفهوم الحوار المتكافئ. وكذلك أكد الدكتور صالح هويدي تحول المشهد الروائي استجابة لتحولات السياق المعاصر في عصر التكنولوجيا، داعيا إلى ضرورة تقديم قراءة محيطة بهذه المتغيرات.
ومن الإمارات شارك الكاتب المخضرم علي أبو الريش الذي أكد على ضرورة تشجيع الإنتاج الروائي في الإمارات دون انتظار لحركة نقدية مواكبة، كذلك أشارت الباحثة الإماراتية الدكتورة فاطمة البريكي إلى أهمية دراسة الأثر الإيجابي المنعكس على تطوير لغة السرد العربية لدى الكتاب الذين عاشوا في المهجر وتعرضوا لمؤثراته الثقافية.
كما تضمنت أسماء المشاركين من الخارج المستعربة الإيطالية إيزابيلا كاميرا، وركزت في ورقتها على مشاكل الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى. أما الباحثة البولندية الدكتورة باربارا بيكولسكا، فتناولت دوائر القراء للأدب العربي المترجم، وتفضيلهم للرواية التاريخية والاجتماعية التي تتيح لهم معرفة الآخر العربي، والتعرف على طبيعة الحياة في المجتمعات العربية. أما الباحث المستعرب الأمريكي بنجامين سميث فركز على أعمال عدد من الروائيين الذين كتبوا بالعربية عن أمريكا مثل صنع الله إبراهيم في روايته "أمريكانلي" ورضوى عاشور في " الرحلة" حيث قدما رؤية للواقع الأمريكي من خلال المعايشة الفعلية.