رحالة بريطانية مولعة بمصر القديمة .. النيل كان إلها للشعب

23/10/2016 - 2:05:10

عرفة عبده علي - كاتب مصري

أرض الفراعنة الجميلة حيث أطلال المجد والعز القديم وآلاف الحكايات والأساطير التي شكلت سحر مصر وخصوصيتها، ومارسته على زوارها وعشاقها، من الرحالة والأدباء والفنانين والشعراء والمغامرين وبخاصة الرحالات والأديبات الأوروبيات اللاتي رحلن إلى مصر، فقد كن مزودات بقراءاتهن عنها في المصادر الكلاسيكية والآداب المعاصرة والاستشراق الأكاديمي، إلا أن الناحية الجمالية البحتة هي التي طغت على رحلاتهم واستأثرت بأفكارهن واهتمامهن، بعد أن اجتذبهن سحر مصر، فعايشنها واندمجن معها جماليا وخياليا، فلم يحفلن بالنصوص المأثورة عن المستشرقين المعاصرين وبمحاولتهم المتعالية الإبانة عن سيطرة الغرب على الشرق، وقد أفاض سحر مصر عليهن فحفلت كتاباتهن بذخيرة أدبية رفيعة.
كان من بينهن الكاتبة والروائية البريطانية "هارييت مارتينو". عملت بالصحافة ونشرت كثيرا من الروايات، وهى في كتاباتها "تنكر التثليث وتقول بالتوحيد"، وقدمت ترجمة موجزة لكتاب أوجست كونت "الفلسفة الوضعية" عام 1853 فكان لها فضل نشر هذه الفلسفة في إنجلترا. قامت بزيارتها إلى مصر عام 1846، وفي عام 1848 صدر كتابها:
Eastern Life, Present And Past
وقد تضمن وقائع رحلتها وذكرياتها في مصر وفلسطين. وإلى جانب اهتمامها بوصف الحقائق الموضوعية، اتسم أسلوبها بالسلاسة والتألق لم يتوافر في أساليب كثير من الرحالة، كما لا نلمس أثرا للتعصب في كتاباتها، وتسرى انطباعاتها صافية – بعين دقيقة الملاحظة – فتغوص إلى الأعماق ويلونها خيال خصب مولع بالتأمل، ووصفها للمشاهد يثير ذكريات بعيدة وهدوء إيقاعها يتماوج مع انسياب نثرها الشفاف.
ونلمح أول انطباعاتها عن مصر في تلك الدهشة العميقة عندما كتبت: "كم أتضاءل عندما أبدأ حديثى عن مصر، فيتعذر علي نقل صورة دقيقة لها، فمصر تستقبلك بشمس ساطعة وضوء باهر يخالطان شعورك الذي أتيت به، فإذا بها جميعا تشكل انطباعك الأول الذي قل أن يتشابه فيه اثنان، وكل ما أستطيع أن أفعله أن أنقل ما وقع عليه بصرى بكلماتى القاصرة"!
ولم تكن كلماتها قاصرة. فقد عبرت عن مشاعرها وانطباعاتها أمام الصور والمشاهد بكل الصراحة والتلقائية والوضوح، وإحساس راق بكل ما هو مثير ومدهش، فكتبت عن القاهرة أنها "من أعجب مدن العالم وأكثرها إثارة للدهشة". وكانت بحيرة الأزبكية موضع إعجابها وقد أحاط بها عدد من القصور والدور الفخمة، وطرقات واسعة تمتد تحت ظلال أشجار السنط الجميلة، بينما تتناثر بعض المقاهى بأشكالها البسيطة وروادها من الأتراك والأرمن واليهود. وكتبت أيضا: "ولمشاهدة القاهرة الحقيقية، علينا أن نمتطى حمارا... في شوارع المدينة" ووصفت صخب الزحام وانتشار باعة البطيخ والبرتقال والموز وقصب السكر وباعة الحلوى وصفّا طويلا وكذلك الجمال تحمل قرب الماء، ونساء ملفوفات في عباءات طويلة وتركيات على حميرهن المسرجة بأناقة وخدمهن يفسحن لهن الطريق، وفرسانا مصريين في حللهم الرائعة على جيادهم المطهمة. "أجناس متنوعة وأزياء غريبة وحركات عجيبة لا مثيل لها في مدننا الغربية"!
وأبدت إعجابها بسوق الغورية، حيث تتكدس المنسوجات الحريرية الفاخرة المستوردة من دمشق والهند وبلاد فارس، أيضا سوق العطور وماء الورد، وسجلت أن الأسبلة العامة تكاد تزدان بها كل مفارق الطرق بالمدينة "وهى غاية في الجمال والرقة وتبرز أناقة عمارتها في ثراء وفخامة تفاصيلها وهي تتناغم مع روعة مساجد القاهرة وشموخها وازدهار زخارفها في مشهد عام يثير الخيال ويداعب العيون"!
ويمكننا القول من خلال متابعة مدونات الرحالة الاوروبيين إن سحر مصر قد تملك من العقل الإنجليزي! فتأثير الأهرام والمعابد والتماثيل وروعة النقوش على جدران المقابر والأعمدة الجبارة، دفع "هارييت" إلى التأمل الأخلاقى فكتبت: "إنها مدرسة يجب على المغرور أن يتعلم فيها التواضع، وعلى الملحد أن يتذكر ربه، وفيها سيجد المرء هداية أكبر بكثير عما سيجده في شطحات أو مواعظ رجال الدين"!
كانت تزدرى كل من جاء مصر من أجل النزهة فقط، وقد رأت أن تجربة هذه الزيارة تستحق الدراسة العميقة، بما فيها من مشاهد العجائب، وحرصت على التأكيد بأن حضارة روحية متقدمة كانت معروفة على ضفاف النيل منذ ثلاثة آلاف سنة على الأقل قبل ظهور المسيحية، وخلال رحلتها إلى مصر وبلاد الشام كانت مشغولة بدراسة الخلفية التاريخية والدينية للكتاب المقدس، ودرست الديانات المصرية القديمة، واليهودية والمسيحية والإسلام، وانحازت لنظرية التطور الدينى وإن كل عقيدة تصنيف رؤية جديدة لما قبلها، لكن اهتمامها الأساسى كان مصر القديمة، وبعض منه بمصر الحديثة، وكانت تشكو من ندرة المعلومات والإحصاءات التي يمكن اعتمادها. ولم يرق لها نظام الحريم الذي رأت فيه نوعا من العبودية وأن تعدد الزوجات مهين لكرامة المرأة!
وفي طيبة (الأقصر) وبين أطلال معبد الكرنك وأعمدة معبد الأقصر، لم تنظر إليها كمجرد شواهد على عجائب العمارة في مصر القديمة، بل كرموز لحضارة كاملة ولمجد طواه الزمان.. "عندما جلست لأستريح للحظات بين هذه الأطلال، بدا لى الأمر كما لو كان حلما واضح الملامح، ووجدت صعوبة في الاقتناع بأنني رأيت هذه الشواهد الجليلة التي انطبعت في ذاكرتى، وكان خيالي يرتع في صور تلك الأشكال الرائعة التي رأيتها"!
كانت تعبر عن انطباعاتها دون إسراف، مكتفية بالمنظر ذاته، تعده متعة مثلى للعين الأوروبية، وكانت تعتقد أن التأثير الذي يحدثه توجس هذا الشعب من الصحراء في عقول أبنائه وطباعه لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره: "كان من الطبيعى أن يقدس المصريون الأقدمون نهر النيل، فقد كان إلها للشعب، وله في عيون الكهنة مظهر الآلهة، فالنيل منبع ما بين أيديهم من خيرات، وما في قلوبهم من آمال، وهو موضع القوة الدائبة التي لا تكف عن الحركة الدافقة أمام أبصارهم تقهر معظم ما يصادفهم من صعوبات، وإذا كان النيل عندهم هو قوى الخير فالصحراء هى قوى الشر، لذا نشأت عقيدتهم التي ترمز إلى دفن أوزيريس في النهر المقدس حيث يبعث مرة كل عام لكى يهب مصر بركاته"!
حرصت هارييت مارتينو على زيارة معابد: الدير البحرى ودير المدينة والقرنة والرمسيوم. وكتبت: "لقد بدد شامبليون الغموض وأخرج من أعماق ظلمات امتدت آلاف السنين: وجوها جديدة وفراعنة يستقلون عرباتهم الحربية ومواكب متنوعة وأسرى يهودا وسوريين... مقيدين بالأصفاد، وكهنة يرتدون جلود الفهود ويحملون القارب المقدس، وكل طقوس مصر الفرعونية في السلم والحرب، وأضفى على النصوص نبض الحياة وجعلها تنطق من فوق جدران المعابد والسراديب، فتروى لنا ملاحم شعرية تسجل ذكرى انتصار المصريين على الحيثيين في معركة قادش، وأغانى درس الغلال والحصاد، ونقوش الشعائر ونصوص كتاب الموتى".
سردت مارتينو انطباعاتها بتلقائية وبإحساس مرهف، وهي مأخوذة بشواهد المجد القديم وعظمة الفنان المصري القديم واكتشفت على حد تعبيرها "موسوعة رائعة من الجمال". وتودع الرمسيوم ومعبد آمون وأطلال طيبة "التي تبدو بالليل وكأنها مسترخية في التأمل تسترجع ماضيها العريق"!