مات رغما عنه

23/10/2016 - 2:04:27

لمى طيارة - كاتبة سورية

(دمشق، شقة متواضعة، عبارة عن صالون صغير يحتوي على سرير ومكتبة ومرآة وبعض قطع الأثاث، عبد غافيا على السرير، نسمع صوت ساعة الحائط العتيقة، يصحو عبد على صوتها بقلق، يرفع رأسه ببطء ناظرا إلى الساعة)
: إنها السادسة صباحا
(ينهض مسرعا من السرير، يتناول الهاتف النقال، ينظر إليه لا يوجد عليه أي مكالمات فائتة)
: تأخرت كثيرا يا رجل. يقولون في كل تأخيرة خير. وربما العكس تماما.
(يقرر أن يتصل)
: لا لا.. لا أريد أن أسمع الخبر على الهاتف.
(يرمي الهاتف جانبا، يتجه إلى الحمام، نسمع صوت المرحاض وصنبور الماء.. قليل من الوقت يعود ومعه طبق من الغسيل، يباشر بنشره)
: كل ما حدث ويحدث منذ الأمس، نشر غسيل.. (ساخرا) يأتي نشر الغسيل في الحياة عندما نفقد الأمل وتنعدم الثقة، وهذا أهم عيوبي، تهزني هذه الكلمات، فأنا لا أعرف متى هناك ثقة ومتى هناك أمل.. كل ما أعرفه أنني لا أجيد الأمل وأطالب العالم أن يثق بي، رغم عدم ثقتي الجدية بنفسي.
(صمت)
: الثقة أيضا.. (بحدة) أن تكون أخلاقيا مع الآخرين.. وأن تكون واثقا من نفسك لا تخاف من شيء، وعندك الرغبة في المغامرة وتحقيق الهدف.
(صمت)
في بلادنا.. عليك أن تخاف. والمغامرة قد تكلفك حياتك يا سيدي. وكان البديل المرادف لي هو الموت.. الانتحار بشكل أدق. لم أكن أعرف أو أقدّر معنى الانتحار، وكأنني سأقوم بشرب كأس نبيذ أو تناول قطعة لحم بنصف استواء مع بهارات الفلفل (فيليه دو بوافر).. هكذا بكل بساطة.. شيء ممتع.
(صمت)
(يذهب للحمام ويعود معه باقي الملابس)
: لا أعرف ما ضرورة غسلها ونشرها اليوم وأنا أنتظر هذا الخبر الذي لربما سينهي حياتي.
(يتابع النشر)
: حتى الفتاة الرائعة الجمال التي قابلتها في لندن حينها، والتي كانت تلفت نظرها كتاباتي المسرحية ومن ثم شخصيتي المرحة كما كانت تدعي، كانت تطمح بإقامة علاقة معي، لم تكن تفكر بالزواج على المدى المنظور. كانت تريد فقط أن تعيش اللحظة معي، لحظة السعادة ونشوة الحب، وحتى ذلك اليوم الذي حاولت فيه منحي جسدها، اكتفيت فقط بلمسها، على أقصى تقدير تقبيلها، مدعيا الانتماء للصوفية، الحب الروحي البعيد عن الماديات، بينما في الحقيقة (يصمت).. كنت أخشى أن أخيب ظنها أن أفشل في إسعادها، أن أرسب في امتحان الرجولة، فقررت هجرها، مدعيا أنني رجل زاهد، يفكر ليس فقط بمغادرة إنجلترا بل الدنيا برمتها.. أبكيتها ودمرت نفسي في حرقة دموعها، أنا الذي يشتهيها صباح مساء.
(بأداء ارتجالي)
"من لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقا لا شيء فيه حي".
(ينتهي من نشر الغسيل، يدخل المطبخ، ثم يعود حاملا زجاجة جعة.. يرتشف قليلا منها)
: في لقائنا الأخير، سمعت بلهجة صوتها حزنا وأنينا. كنت أستحق الضرب.. الجلد. (صمت) الانتحار.. هذه المرة بشكل جدي وإصرار، شعرت أنني أكره نفسي أكثر من أي مرة سابقة، أنا شخص بشع إلى أبعد الحدود. (يخف انفعاله) لو لم أكن كذلك لكنت بكل بساطة خابرتها وصارحتها بخوفي من التجربة، وعقدتي التي تلاحقني من الفشل، فأنا بالنهاية رجل شرقي، يسوؤني أن أفشل في هذه التجربة (يضحك)، ربما لو صارحتها.. كانت ساعدتني. لكن نرجسيتي وشرقيتي أين ستذهب مني (يضحك) سوف تقتلني. ودروس الحياة كلها لم تعلمني. إنني رجل تافه ومغرور. وربما عاجز..عاجز حتى عن مبادلة الحب بالحب. أنا لا أساوي حتى القرشين في السوق السوداء.
(يرتشف قليلا من الجعة)
: لذيذة هذه الجعة.
(صمت)
(مخاطبا زجاجة الجعة)
: ستبكين على. وفائي الوحيد لك. أنت صديقة العمر ورفيقة الدرب، التي لم أبخل يوما في ضمها وتقبيلها وشربها، والحصول على نشوتها.
(باستمتاع شديد) من أين يأتي بهذا النوع من الجعه السيد عصام؟
(صمت)
: كل يوم يمر علي وكأنه سنة وخاصة وأنا بآخر أيامي. أعيد حساباتي وأجدها خاسرة. ولا صفحة فيها صحيحة أو حتى بيضاء.
(يدخل المطبخ ويعود بزجاجة جعة ثانية يتجشأ، يرتب قليلا المكان ويجلس على كنبة ويرفع قدميه على الطاولة)
: أخ..أخ.. كم تؤلمني هاتان القدمان. تؤلمني أكثر من رأسي المتحجر (يضحك)
: حتى حين غادرت لندن بغير رجعة، وقررت أن أبتعد عن المسرح والكتابة، التي دمرتني وعمقت النرجسية لدي.. لأنني في المسرح أنا صاحب الموقف ومالك الزمان والمكان وحتى المشاهدين، أنا الذي يتلاعب بمصائر الشخصيات ويختار لهم مستقبلهم، بداياتهم ونهاياتهم ويوقعهم في أخطائهم وشر أعمالهم هههه.. أنا..أنا.
: قتلني المسرح وقتلتني نصوصي المسرحية. أكثر ما كان يدمرني حين أمتطي المسرح مخرجا أننا في كل عرض مسرحي نعيد نفس أخطاء الشخصية. والدرس الأخير لا يصلنا رغم كل التكرار.
(يضع كرسيه أمام الجمهور وكأنه يخاطبهم)
: رجعت لبلدي حتى يتبناني تاجر (بصوت خافت) شعبي.. لا يساوي قرشين. من حيتان البلد. سلمني إدراة مطعمه والمسؤول الأول عن الندلاء. لم ير فيّ شيئا سوى شخص مهذب مرتب ويتكلم الإنجليزية بطلاقة، لم يطّلع حتى على شهاداتي ولا على أعمالي، ولم يقرأ عني في المواقع الإلكترونية. لم يعرف أي شئ عن معاناتي. كل ما همه كان المظاهر. فقط المظاهر. وبكل وقاحة عرض علي العمل عنده.
(يحاول أن يقلد صاحب المطعم)
: أنت يا أخ عبد رجعت من السفر وأراك بلا عمل، وليس لديك بيت تسكن فيه ولا مكان تعمل به. وأنت عزيز علينا جدا، من أيام الوالدة.
: لعنة الله على والديك. عليك أن تذكّرني دوما بالوالدة وأنها كانت (ترزية) وأنها أحنت ظهرها على الماكينة لكي تجلب المال، وأن الرجل الذي أمامك بعد كل تعبها معه، وبعد كل ما تعلمه ودرسه.. تدعوه ليصبح نادلا في مطعمك.. ليس إلا.
: لكني يا سيد عصام.. أنا رجل مسرح.
(رد باستهزاء)
: بلا مسرح بلا بلوط، هل ترى أيا من رجال المسرح يعملون اليوم؟ الكل توجه للتلفاز، وبعضهم الآخر يعمل في التجارة. وأنت لا مال لديك لتصبح تاجرا، هل تعتقد أن نصوصكم المسرحية المعقدة ستصلح؟ هذا يعني أن حالتك بالويل. اسمع كلامي وتعال للعمل معي في المطعم. صدقني ستأكل الشهد.
(يعود لوضعيته السابقة مخاطبا الجمهور)
: لا أعرف كيف صدقت كلامه، وعملت عنده، ربما لم أصدق كلامه، ولكنني صدقت ما قاله عن وضعي ووضع البلد. وتأكدت أنه إن لم يكن معك قرش فلن تساوي ثمنه. أنا أريد أن أعيش، على الأقل أحصل على الطعام والشراب، لم يورثني والدي سوى الفقر. ولا أهل عندي، حتى أخواتي تزوجن من رجال أفقر منهن.
(صمت)
: عددت للعشرة. لا ربما للمائة قبل أن أوافق. أقنعت نفسي بأنه لا أحد سيتحدث عني، أنا الوحيد الذي سيجوع ويعرى ولن أجد من يسترني.
: ومن سيتكلم عني أصلا، من هذا المتفرغ لي، نحن كما العالم الغربي، الكل يركض للقمة العيش وغالبا لا يطالها. الكل يريد أن يسطو على الأخضر واليابس، الكل يعتقد أنه سيعيش للأبد، ويريد أن يترك إرثا كبيرا. الكل يريد أن يعيش في منازل فخمة وأن يركب سيارات فارهة، أن يستقدم خادمة أجنبية، فلبينية سريلانكية، إثيوبية، والأسوأ من كل هذا خادمة محلية، لزوم "البرستيج" كل هذا على حسابي أنا ومن شابهني. ممن اعتقدوا أنه بالخبز فقط ممكن أن نحيا.
(صمت)
: هكذا أقنعت نفسي، وخاصة أنني كنت أعتقد أنني أعيش في الوقت الضائع، المستقطع. Over time، بهذه الحالة، يحق لي أن أجرب أشياء كثيرة لم تكن لتخطر على بالي.
(بأداء ارتجالي)
"كم هم سعداء هؤلاء الذين يتخلصون من الأغلال التي ترسخ في حياتهم".
(صمت)
: وعندي دائما صمام أمان، لو فشلت سأنتحر (يضحك)، أعود دائما لنفس الفكرة. لكن هذه المرة من سيهتم بالفكرة، لم يعد هناك من يهتم بي أو يسأل عني، لم يعد من يهتم بأخباري، الكتّاب المسرحيون يشتهرون آنيا، وهم أقل الفئات الثقافية شهرة في عالمنا العربي. حتى كتاباتي المسرحية التي كانت السبب في شهرتي يوما ما، لم يعد لها وجود على الإطلاق فأنا لم أطبع أيا منها. ولم يعد بإمكاني العمل على طباعتها بعد أن انشغلت بالعمل عند السيد عصام.. (بحدة) السيد عصام الأمي، الجاهل الذي لم يتحصل على الشهادة الإعدادية، والذي أصبح مليونيرا ولديه سلسلة مطاعم عالمية وفاخرة، أكبر رأس تتمنى العمل معه...
(من مونودراما بالعنوان نفسه تنشر قريبا)