زيراوي الزواوي

23/10/2016 - 1:29:19

هدى يونس - قاصة مصرية

تسبقه عصاه تتحسس المرتفعات والمنخفضات، واختبار خلو الطريق. بنيان عملاق يرتدي ملابس الأزهريين، نظارة سوداء على وجه صارم. رأسه شامخ متجه دوما إلى الأمـام. لا يبدي اهتماما عند سماع الأصوات أو عويل الزائرين.
يترك لأذنيه التجوال أو التنصت ربما لسماع المزيد من الحكايا عند جلوسه وسطهم. لا يستطيع أحد أن يجبره على قراءة القرآن أمام أي مقبرة. هو من يختار المقبرة ويحدد الآية. بصوت يحمل شجنا وروحانية وإحساسا بكل حرف وتشكيل ووقفة.
***
يتجه ناحية المقبرة تتحسس يداه حتى يقف أمام الفوهة تم يعتدل في وقفته. يتلو ما يقرره. ويتركنُي تسبقه عصاه.. لا يملك المستمع العابر والجالس إلا الإنصات لبلاغة الكلمات وعمق المعنى. يترك بعدها المكان ويسير رافعا رأسه إلى السماء. وشفاهه تتمتم ولا تجهر.
أشير إلى أى حارس عابر يعطيه ما يخرج من حقيبتي.. يأخذ ما باليد ويضعه
في ملابسه. ويواصل السير. كنت أسمعهم يتندرون على اختياره لتلك المقبرة فى أيام غيابي.. يسألونه: ما السر يا شيخنا لتلك المقبرة؟ يواصل السير ويهز رأسه ربما موافقة أو اعتراضا أو استهزاء.. في كل الحالات لا يهتم. وأنا لا أنشغل بفضول استفسارهم.
***
جاء يوم استمدت الشمس حرارتها من الجحيم. جاءني كبير خدم المقابر يعرض استعداده لزراعة نبات متسلق يغطي الهيكل الخشبي أعلى المقبرة، لحمايتي من الشمس، في جلستي التي تستمر ساعات. وافقت. وعند مرور الشيخ الكفيف ابتسم وأشار إليه هامسا: الشيخ "زيراوي الزواوي".
لأول مرة أسمع الاسم. كان يخيفنا في بداية قدومه للمقابر. يجلس بالساعات لا يبرح مكانه. وفي أيام يتنقل من مقبرة لأخرى يختارها. لا يستجيب لدعوة زائر لتلاوة القرآن. هو صاحب القرار في القبول أو الرفض مهما طال الرجاء والكلام. لا يملك من يسمعه إلا الانتباه والإنصات لمتابعة ما ينطقه من كلمات المصحف التي تختلف عن كل ما نسمعه.. صوته يشجينا ويخيفنا.
أيام يظل جالسا يهامس نفسه بما لا نعلم وبلغة لا نعرفها. فطائر الصدقات لا يقبل منها إلا القليل الجيد دون علم فهو لا يرى. أحيانا يظل صائما لا طعام ولا ماء.. نسأله: لماذا الصوم يا شيخنا في أيام ليست سنة ولا فرضا!! يقول: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.. فأنا أسد مجاريه بالجوع والعطش".
إذا نطق دائما يذكر الله ويصلي على الرسول حتى تدمع عيناه ويصمت. ولا يتوقف الحارس عن الكلام. يضيف: عند بداية قدومه إلى المقابر حدث صراع كبير بينه وبين إدارة المقابر. كان لا يبرحها وإدارة الحي تغلقها بعد أذان المغرب. يظل جالسا ولا يفارقها إلا بعد العشاء. كنا نتعجب من أفعاله حتى تعودنا عليه. هذا ما كنا نراه نهارا.. أما الليل فسامحيني على ما أقوله.. وضعت المصحف جواري وأغلقته.. نحن جميع العاملين هنا من القرى المجاورة للمدينة.. يتصادف أحيانا رؤيتنا له في حديقة الميدان. يجلس وحيدا تحت عامود النور. شتاء وصيفا.. عرفنا من بائعة المناديل الورقية أنها تقربت في جلستها منه.. ظلت شهورا تكلمه ولا ينطق. بعد شهور علق على كلامها بهز رأسه أحيانا أو الإشارة بيده.. وبعد مدة لا نعلمها صحبته إلى حجرتها.. وأقسمت لصديقاتها بأنها لم تحصل في حياتها على متعة مثل ما أعطاها لها.. ظلت تحكي وتحكي حتى اشتهته البائعات وتقربن منه.. هو من يقرر أن يمنح أو يرفض.. ولا يعلمن شيئا عن سر اختياره.. ذاعت شهرته عن طريق خدم البيوت لسيداتهن اللاتي تنكرن يبحثن عنه.. ولأنه لا يستقر في مكان لم يتوقفن عن البحث عنه. يقلن إنه يطير بهن إلى الجنة ونعيمها.. ويكشف لهن متعا لم يحلمن أو سمعن عنها.. و يؤكدن أنه من عالم غير العالم الذي يعرفنه.. يقسمن أنه وليف لا يمكن هجره.. ولا يملكن ضمان مزاجه.. ولا يتوقعن أفعاله.. تنتهي لحظات اللقاء بهن عند أذان الفجر.. يظل يشكر الله ويغتسل لفترة تطول أكثر من ساعة.. وينسحب بكيانه خارج المكان.. تنشق الأرض فى لمحة ويختفي عن أنظار متابعيه.. ولا يعرفن مهما حاولن ملاحقته.. يجدونه صباحا عند بوابة المقابر ينتظر حراسها.. يقف كبير الحراس معتذرا عن إطالته وتعطيل قراءته للقرآن.. ولكن غرابة الشيخ تحيره. لأنه يتعايش مع الجان الأخيار نهارا والجان الأشرار ليلا.. لأنه يمتلك قدرة جبارة مكنته من الفصل بينهما.. والتعايش معهم بقوة إيمانه وفجور فسوقه.. هذه الأيام يتردد في المقابر أن شخصية مهمة في المدينة تطلب من الحي الموافقة على بناء ضريح للشيخ زيراوي يدفن فيه بعد وفاته.
وتركني.. أفكر فيما قاله عن "زيراوي الزواوي".. توجهت بتساؤلاتي لساكن المقبرة، أشهده على ما قيل من أسرار.. رأيته على حجر الفوهة يبتسم ويهز رأسه دون نطق كلام!