قبعة وبدائل أخرى

23/10/2016 - 1:27:16

عزة رشاد - كاتبة مصرية

قالت لكِ نفسك: بيدك أفضل من أن يكون بيد "عمرو"، تفكرين في الأمر، وفي "عمرو"، وعلى الفور تحضرين المقص المناسب وتأخذين شهيقا عميقا عدة مرات كي تستجمعي شجاعتك وتقومي بهذه الخطوة، ثم شهيقا آخر مرات أخرى كي تركزي ذكاءك وتنجحي في استخلاص شيء طريف من هذا الموقف، شيء يهون المفاجأة على أهلك، مثلا كمديح النجمة "ناتالي بورتمان" على أدائها المذهل في فيلم V for Vendetta أو كإعداد خطبة عصماء لمهاجمة الفكر الرجعي الذي ربط الأنوثة بأشياء تافهة مثل: نعومة الصوت، ونحولة الخصر، والشعر الطويل الذي أغرقنا عبد الحليم حافظ بمديحه:
في موجة عبير بالشعر الحرير
ع الخدود يهفهف ويرجع يطير
قد يحلو لكِ التمحك في النسوية كفلسفة مساواة حقيقية تطيح بالفروق الثانوية، أو حتى بالهيبية..إلخ، لكنك ستتجنبين استعراض ما يتداعى بذهنك من ذكريات، لأنها ليست مشوقة، أو للصدق، ليست مشرِّفة، مثل أبلة نادية التي كانت تقوم أثناء فقرات الإذاعة المدرسية في طابور الصباح بالتفتيش على نظافة الثياب وقص الأظفار ثم تتلهى بتفلية رؤوس البنات عسى أن تفوز بقملة سارحة هنا أو هناك، وتفشل كل محاولات التهرب من تفليتها بالوقوف في آخر الطابور أو ادعاء الإصابة بمغص مفاجئ،، ومثل ذكرى المقلب الذي سببه الكوافير يوم زفافك عندما شد شعرك على بوكلات من أسلاك شرسة، فلم تفلح محاولاتك لفرد الشعر بعدها، وظل مبروما ومنكمشا نحو فروة الرأس وكرس في الصور التذكارية عروسا مهملة أو غبية، ثم ذكرى المخبر الذي جذب بكل قوته خصلة شعرك حتى رقعتِ بالصوت، فاعتُمِد منذئذ شد الشعر كأسلوب ناجع لفض مظاهرات البنات.
يكفي إذن استعراض فضائل الارتياح من غسيل الشعر وتسريحه والاعتناء به، أو استعراض الخصلات بفخر وأخذ صور تذكارية معها "قبل التخلص منها"، وطرح المهام الجديدة: الاعتناء بالجلد: كريم من أجل فروة الرأس وغطاء لتجنب البرد، خفيفُ في البيت ـ ربما ستكون "طاقية مكة" الخاصة بأبيكِ كافية، خفيفة وحنونة وبها فجوة عقب كل غرزة تسمح بتنفس الجلد ـ وآخر ثقيل لأجل الخروج: قبعة من الموهير أو الصوف مثلا، سيكون ضروريا أن تشتري عدة قبعات تناسب ألوان الثياب: أسود، بُني، كُحلي، وستعتادينها، ربما البُنية تتآلف مع لون بشرتك أكثر من الأخريات، ربما وردتها الجانبية تمنحك بعض الوقت "بالتحجج بضبط تفتح الوردات" لتفكري أو لترتبي أفكارك في أي لقاء أو عمل، ربما تتظاهرين بأنك مشغولة بضبطها ريثما يعبر من لا ترغبين في مصافحتهم، ستمنحك الفرصة لزحلقة من لا تحبينهم، وستُعبرين لها عن امتنانك بضغطة ذات مغزى، هي أيضا ستتأثر بهذا التقدير ـ هذه طبائع النبلاء ـ وستفاجئك بمبادرات لا تتوقعينها، كأن تتمايل مع اتجاه الكاميرا لتمنح وجهك في الصور استدارة تفوق الواقع بكثير، تفوق ما بإمكان شعرك في أفضل حالاته وتسريحاته أن يفعل، وأن تسند رأسك عندما لا تجدين جدارا تستندين إليه، وربما تعتادينها وتحبين عشرتها لدرجة عدم الاستغناء عنها حتى لو.. لو عاد الشعر مجددا بعد الانتهاء من العلاج. سيعود الشعر، أكَّدوا لكِ، وحتى لو.. لم يعد "حدثتِ نفسكِ" فيكفي الارتباك الذي سيصيب المخبر لدى رؤيته للقبعة، ويده التي ستتجمد، لأن كشف رأس امرأة يعتبر من الكبائر في بلادنا، ما سيعطيكِ الفرصة للمبادرة بتسديد لكمة قوية له ثم تولين هاربة،، أما في حال حدوث ما يمنعك من المشاركة فإن شيئا لن يستطيع أن يمنع قبعتك من أن تُنبهكِ لكي تفتحي عينيك وتشاهدا المظاهرة معا من شاشة العرض الكبيرة بالمستشفى.. الشاشة التي تشبه الحياة تماما.