نصف عمر

23/10/2016 - 1:24:50

د. عزة بدر - كاتبة مصرية

كانا على سور النافذة يتناجيان.
بغامهما يلذ لى. ذكر الحمام الهزاز يقبَّل رأس وليفته وريشها وذيلها الهزاز يتأرجح كمروحة طاووس ناصعة البياض. كان الريش ينتفض فى سكون، وهى توليه ظهرها، وتستكين إلى قبلاته العديدة المتواصلة،ريشها يبرق فى ضوء الشمس الذى استحال فى منطقة الظل إلى مراوح من ريش، أستروح نسماتها فى جلستى، وأستمتع بوصلة غرام بين بغام وعناق منقارين ومساس ريش.
لم يزل بها يُقبِّلها حتى استدارت إليه فى لحظة خاطفة فاجأته بقبلة فى منقاره ثم انثنت إلى رقبته المطوقة بدائرة من ريش أزرق يغالبه خضار بلون السندس فقبَّلتها فانثنى إليها يغرقها بقبلات سريعة متلاحقة ملأت منقارها وفمها بالكامل بالنشوة حتى أنها كانت تفرج بين منقاريها، وتفتح فمها عن آخره تلقم ما لا أراه.. امتنت عيناها فاستدار قرصهما لامعا مبتهجا. تواصلا عناقا وبغاما فناديته: تعال.. تعال بخفة حتى لا يفزعا. تعال قبل أن يفيقا.. قبل أن يفطنا إلينا فيهربا منا.
أتحسس صوتى. أكثره من الهمس الملتاث، وقليله من الوشوشة، وكله على نحو خاص من بغام أصطنعه على عينى فى الليل وأنا أغنى "يمامة بيضا ومنين أجيبها؟ طارت يا نينة عند صاحبها.. تطير وتجينى.. قاصدة تسلينى.. لأحلف بدينى لأطير وياها".
تعال قبل أن يطيرا.. إنهما على حافة النافذة.
ألوِّن فى طبقات صوتى مخافتة، أقلد مس الحرير لهمس الحرير كى لا يسمعا فيفرا. تباطأ.. مر سريعا من أمامهما دون أن يعيرهما التفاتة، سمعت خبطات خفه على بلاطات السيراميك فى الصالة المؤدية إلى المطبخ.
ـ تعال. سيطيرا. كادا أن يفعلا!
صوت الملعقة وهى تقلِّب البن، فوران القهوة على عين البوتجاز، يده الملتاثة وهى تشعل من جديد عود ثقاب ثم وهى تعيد تصويب حركة الكنكة على العين، الملعقة وهى تذوَّب السكر من جديد، عودة الكنكة إلى النار ثم ارتطامها بعد قليل بوجه مائدة المطبخ، صوت الملعقة المعدنية وهى تمضى فى طريقها إلى الحوض، صوت تيار الماء يتباطأ بعد اندفاع.. كركرة الماء فى كنكة القهوة، صوتها وهى تقر فى مكانها المعتاد على أحد جوانب مغسلة الحوض.
ـ تعال! ستفقد نصف عمرك إن لم ترهما يتعانقان. تعال!
فمه يترشف القهوة، يده تبحث ملتاثة عن علبة الكعكات المحشوة بأقراص الزبيب، خشخشة أوراقها الخفيفة، صوتها وهى تنفرج عن الكعكات الدسمة، أصوات قضمه وخضمه. الصمت الكامل الذى يهيمن على مرحلة البلع!
دفق الماء، زجاجة الصابون السائل وهى ترتطم بسطح الحوض، كركرة الماء فى الفنجان الخالي.
.. طار.
جسدى يتململ من جلسته الطويلة وحيدا. أمدد ساقيّ أمامى ثم أتهيأ فأكورهما، وأثنيهما من تحتى كما لو كنت طائرة على وشك الإقلاع. ألم أحسه تحت ذراعيّ اللتين يحركهما زغب خفيف يرتعش تحت ضلوعى، مخالب صغيرة تنمو على أطراف أظفاري، ريش ينبت تحت خوافى ويحيط ذراعيّ اللتين تقلصتا.. وانتفضتا كجناحين.
حاولت التحليق مكانى وتحت سماء الغرفة إلا أن ريحا عاصفة فتحت النافذة أمامى على مصراعيها فتهيأت على سور النافذة.. بخفة حاولت أن أطير باحثة عن ذكر الحمام الهزاز، عن رقبته المطوقة بريش أزرق يخصهما بفردوسه خضار ذو لون خاص يشبه السندس. تعالى بغامى إلى السماء السابعة.. لم يسمعنى أحد رغم أن صوتى كان عاليا، لم يرنى أحد رغم أن جناحى غطى وجه الشمس، كان جسدى هائلا لم تعتده الطيور فباعدتنى عنها، وكان صوتى مجروحا لم تعهده مسامع الطيور فتركونى وحدى، كان فمى ممتلئا بزجاج الفنجان المكسور.. كنت أستنيم لهذا الركن من السماء الذى امتلكته وأنا أحلِّق، أتكور على نفسى بين السحب أنادى: تعال... تعال.. تعال!
لم يسمعنى ذكر الحمام. كان مع وليفته يسبحان فى وصلة غرام جديدة على سور نافذة أخرى أبعد قليلا من نافذتى.