العراق .. وقد صار فكرة وطن

23/10/2016 - 1:24:10

فاروق يوسف - شاعر وناقد عراقي

   ما من أم قبيحة. الأمومة هي جمال مطلق. لا يفكر المرء في أمه، بل يحلمها. الأم هي جوهر، ما من حكاية تسبق أنوثتها. هي اللحظة التي يبدأ فيها العالم كما لو أنه لم يكن من قبل. لذلك فإن تشبيه الوطن بالأم هو نوع من اللعب المجازي الذي يركن الخيال جانبا ليضعنا في قلب واقع، يسعى المرء إلى تفكيكه من أجل أن يفهمه. الوطن ليس أما. ذلك لأنه مفهوم وليس حياة. خبرتي في العذاب الوجودي تقول ذلك. أنا عراقي. نعم بغض النظر عن الجواز الذي أحمله في المطارات. ولكن أي عراق ذلك الذي أنتسب إليه؟ ذلك السؤال لا يمس الحاضر، بقدر ما يصنع قوارب، مادتها الحنين إلى ماض، لم يعشه أحد سواي. ولأن الماضي لا يمشي بقدمي فأنا كائن مستقبلي، فإن ذلك العراق لم يعد سوى مفردات أعثر عليها بالمصادفة في الأغاني وفي الأطعمة وفي نكهات اللغة اليومية المهاجرة. شيء من توابله من أجل أن لا يضيق صدري. ولكنها فكرة مخاتلة. لمَ لا أعترف؟ العراق في حقيقته الحالية بلد قبيح، بلصوصه وقتلته وقطاع طرقه وهادمي تاريخه الذين هم حكامه ونفاياته في الوقت نفسه. فهل يليق بي أن أكون عراقيا بالدرجة نفسها التي يكون فيها أولئك الفاسدون عراقيين؟ لن أجرؤ على حرمانهم من عراقيتهم. فهم أقرب إليها مني. ذلك لأنهم صنعوا وطنا قبيحا مثلهم. هم عراقيون بقبحهم أكثر مني. أما العراق الجميل فإنه مسافر مثلي. غريب مثلي. لاجئ مثلي. العراق الذي عرفته لم يعد له ماض ولا يمكن أن يُعثر عليه في الواقع. إنه فكرة خيالية لا وطن لها. أمشي بها وتمشي بي من غير أن نكون أما وابنها. لقد قررنا أن نكون صديقين، جمعهما الشغف بالجمال. كان هناك يوما ما وطن اسمه العراق، ما عاد اليوم سوى فكرة.