أحمد فؤاد سليم .. العزف على أوتار الحرف واللون

23/10/2016 - 1:20:59

شذى يحيى - كاتبة مصرية

فنان حقيقي، سيرة حياته مرآة لحياة جيل من أبناء مصر المخلصين، بمنجزاتهم وأحلامهم وأوهامهم أحيانا، بهزائمهم وانكساراتهم وأحزانهم وانتصاراتهم وأفراحهم أيضا. وقد ضمت أعماله الفنية ملخصا وافيا لإبداعاتهم على مستوى الفكر والثقافة والأدب والموسيقى والتشكيل والتراث وتسجيل لكفاح هذا الجيل من أجل الحرية والتقدم والرفاه لأبناء وطنهم، وبهذا كانت أعماله الفنية صراعا بين الواقع المعيش والواقع كما ينبغي أن يعاش، بين الحلم النابع من تراكم الخبرات الثقافية وقسوة الحياة اليومية وقبحها، ولهذا كان أحمد فؤاد سليم (1936 ـ 2009) فنانا حقيقيا يمثل جيله وحلمه.
كتب في مقدمه سيرته الذاتية "رسام وناقد وباحث وشاعر اضطلع بالعديد من الوظائف الثقافية المهمة وأشرف وشارك في تنظيم العديد من الأنشطة التشكيلية وأنشأ العديد من الفاعليات والمؤسسات الفنية"، ولكنه كان في البدء والمنتهى مصورا عاشقا للصورة مؤمنا بقدرتها على الفعل والوصول للمتلقي أكثر من أية وسيلة أخرى لأنها على حد قوله "تنسخ السائد أو تؤكده أو تغيره أو تنفيه أو تعيد خلقه وهي حين تدخل إليك فإنها تتسرب إلى العقل الفاعل وذلك أن الصورة هي بذاتها علامة قادرة على اختراق الخيال بدون لغة الصوت واللسان"، فالصورة في رأي سليم كما كان يحب إمضاء لوحاته هي علامة تمثل برهانا على وجودنا وليست بمجرد غرض تزييني، ولهذا كرس كل طاقاته وقدراته ومواهبه لبلورة هذه العلامة في لوحاته موظفا كل معارفه التقنية والبحثية وخبراته الإنسانية في خلق صورة تجمع في جنباتها جزءا من رؤيته لمجتمعه وما يدور حوله، وتتواصل مع الوجود الكوني لتظهر الجدلية بين المتناهي واللا متناهي ولكنها تحافظ في الوقت نفسه على التفاعل مع المتلقي، ولا تتعالى عليه.
جعل سليم من سطح لوحته كائنا حيا في حالة اشتباك وحوار وجدل مع المتلقي ومعه هو كمبدع ومع مجتمعه وعالمه المحيط، بل مع الوجود الكلي أيضا حيث كان مؤمنا بأن الصورة هي الوسيط الأمثل للتفاعل مع هذا الجدل والدخول فيه، أو كما يقول: "نتحدث عن الصورة، قدرتها على تبديد معالم الحقيقة والواقع أو على مطابقة الواقع أو الالتباس معه أو تأكيده بل وعن خاصيتها في خلق طبيعة ثانية غير تلك التي نحسها فلا الشعر، ولا المسرح، ولا الرواية أو المسرح والسينما أو الموسيقى وغيرها بقادر أي منها على حفز مشاعر مجتمع بحاله بمثل تلك الحاكمية التي تملكها الصورة من تأثير على مشاهديها"، ربما كان سليم هنا يعني أن لذة الصدمة الأولى واالمباغته والدهشة البصرية وكذلك القدرة على تكثيف المعنى في مساحة محدودة وأيضا تحفيز الخيال ليرى أكثر مما يعكسه واقع ثنائية البعد يجعل للصورة تأثيرا أقوى على المتلقي، وهو الذي دفعه إلى محاولة تجريد كل الفنون الأخرى وتحويلها لرؤية بصرية، والتأكيد على الجدل كما سعى أيضا لتأكيد فكرة انقسام العالم ووحدته من خلال التأكيد على مفهوم الحركة الدائرية والخطوط المنحنية المستوحاة من تجريد الحرف العربي بجمالياته في الإبداع والوجود والتجرد والمثال، فالحرف العربي يجمع بين المادي والمجرد في استداراته وانحناءاته واستقامته أيضا، كما في حرف الألف، وتخلق التفافاته المميزة نوعا من تداعيات الجرس الصوتي سمعيا في الذاكرة عند رؤيتها فيتحول بهذا استيحاء الحرف لرمزية مطلقة يتحدد أثرها بقدرة المشاهد المتلقي على التأثر والاستيعاب، والحرف وحدة مستقلة بذاتها ولكن لا مدلول لها خارج سياق لغوي تماما كالنغمة لا معنى لها خارج اللحن.
ولذلك يمكن اعتبار لوحة سليم مقطوعة موسيقية أو قصيدة شعرية لا بد لفهمها وتذوقها أن تعامل كوحدة واحدة على تنوع مكوناتها وتضادها وصخب الصراع الواضح فيما بينها والذي يظهر جليا في خطوط لولبية تعكس طبيعة الخط العربي الأفقية متجانسة مع ما ينبثق منها من إيقاعات رأسية مستوحاة من النغمية الموسيقية، لتعمق إحساس المشاهد باللولبية أكثر، ليفقد بهذا الحرف صلته تماما باللغة ويتجرد متحولا إلى حركة ديالكتيكية تعكس استمرارية ووحدة تجمع العناصر المتنوعة للتكوين، وتصبح بهذه الالتفافات مجالا لحركة ذهنية جدلية تخلق زخما روحيا ذا طبيعة خاصة معبرا عن واقعنا وحضارتنا المعاصرة في ذاكرة المتلقي، ولتقوية الجدل والصراع في اللوحة لجأ سليم إلى طبقات الألوان التي رتبها في تنويعات بين البارد والساخن والمحايد، وكأنه يعزف لحنا تتنوع نغماته بين التونات العالية والمنخفضة ولحظات السكون، ليقوي إحساس الحركة للخطوط المرسومة فوقه في دراما بصرية قوية تحافظ على الوحدة من خلال بنية إيقاعية تعتمد على الشفافيات أحيانا، وعلى العجائن والملامس في أحيان أخرى، وعلى سمك الخط المحدد للمساحة اللونية، وكان الهدف الأساس من هذه البنية هو الحفاظ على "التنوع في الوحدة" لتحقيق الانسجام في اللوحة، باستخدام الألوان في سياق لحني تحكمه الخطوط؛ فلوحة سليم دائما ما تميزت ببنية أرابيسكية لحنية متجانسة تتخللها ومضات من الطاقة ناجمة عن الصراع الجدلي تدهش المتلقي وتحفزه على التفاعل معها، وكشف مكامن القيمة فيها، فهي كما قال عنها الناقد الإسباني جوليان جاييجو في رده على سؤال حول سبب إعطاء سليم (غير الأكاديمي) الجائزة الكبرى لبينالي القاهرة الدولي الثالث عام 1988 "زرنا موقع العرض ثلاثة أيام متوالية، وعلى فترات مختلفة في الضوء النهاري، والضوء الليلي، واتفقنا بالإجماع على أن الومضة تتزايد كل مرة، لقد صعقت من الوهلة الأولى للتجانس والتكامل في لوحات هذا الفنان الذي يحمل قيمة عالمية".
هذه أهم الملامح التي ميزت أسلوب أحمد فؤاد سليم منذ بداياته في نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات حتى نهاية رحلته، وإن كانت مراحله الأولى التي عكست نضجا مبكرا قد تميزت بالتجريب في الخامات والمسطحات كما أظهرت شغفا بتجريب اللعب بالمفردات الشعبية النوبية ومدارس التجريد والتشخيص على حد سواء، كما أنتج في تلك الفترة لوحات حروفية بعضها بخطوط رأسية والبعض الآخر بخطوط أفقية، وظهرت في تلك المرحلة شخوصه المحورة السابحة في فضاء اللوحة ووحداته الزخرفية المستوحاة من فن الأرابيسك، كذك ظهرت الكثير من التقسيمات الهندسية اللونية على سبيل المثال أن يكون نصف اللوحة بلون ثم يقسم النصف الآخر إلى لونين آخرين، أو ثلثها بلون تسبح شخوصه وكائناته فوقه والثلثان بلون آخر، وغالبا ما كانت تسيطر على هذه التقسيمات الألوان الباردة وإن كان أحيانا يكسر هذه القاعدة باستعمال اللون الأحمر أو البرتقالي، مع ملاحظة انشغاله في تلك الفترة برسومات المخطوطات في مقامات الحريري للواسطي التسعة والتسعين حيث أسره مفهوم الزمن فيها وحاول تطبيقه بأن ينتج لوحة زمانية ولكن لا زمانية صالحة الآن لجميع الآنات كما وصف في أحد مقالاته، فكانت دراسته عن الأساليب الفنية في رسوم المنمنمة ومحاولة تجريدها والتجريب والتنويع على هذه الفكرة أهم ما ميز أعماله في الستينيات والسبعينيات.
أما في الثمانينيات فقد كانت لوحات سليم أقرب إلى الهم العام حيث أذهلته وآلمته الحرب في لبنان، ورآها ملخصا لكل انكسارات واندحارات الأمة والوطن خاصة بعد مذبحة صبرا وشاتيلا، كانت عناصره وشخوصه تخوض صراعا من خلف كتل تشبه الكانتونات والتحصينات والمناطق الطائفية التي قسمت لبنان ومزقته إلى أشلاء، وحفلت لوحاته بتجمعات لما يشبه الجثث البشرية التي تفصلها عن بعضها بحار وبرك من الدماء، كان إنتاجه الطباعي والرسم بالأحبار غزيرا في تلك الفترة والصراع في أعماله يغلب على الجدل.
في الثمانينيات حصل سليم على الكثير من الجوائز والتكريمات من أهمها جائزة بينالي القاهرة الثالث عن عشرة أعمال شارك بها، وكانت المرة الثانية التي يحصل فيها على الجائزة فنان غير أكاديمي بعد سيف وانلي الذي سبق سليم إلى الفوز بجائزة بينالي الإسكندرية 1959، وقد أعقب فوزه بالجائزة جدل ولغط لكونه من خارج الوسط الأكاديمي مما دفع رئيس لجنه تحكيم البينالي في ذلك الوقت الفنان الكبير عز الدين حمودة إلى الصياح في وجه الجميع قائلا: "إن الذي حصل على الجائزة الكبرى هو فنان مصري موهوب ولو أتيحت له الفرصه لأصبح فنانا عالميا مثل الذين نراهم في كتب الفن"، وبالفنان الكبير حسين بيكار عضو لجنة التحكيم للتصريح قائلا: "أنا مش هاكتب روشتة للفنان عشان يعرف إزاي ينتج لوحة فنية إن خبرتنا وعلومنا هي التي تعرف مكامن القيمة".
كانت مرحلة التسعينيات هي مرحلة النضج والتمكن الأسلوبي في تجربة سليم الفنية، ففيها استطاع أن يبلور أسلوبه الموسيقي الخاص على سطح اللوحة، وأن ينتج لوحات ممتعة كعازفي الأوركسترا ومجموعات الموسيقين بالأبيض والأسود، كما أصبحت جملته الموسيقية اللونية أكثر اختصارا وتشويقا وأكثر روحانية وقربا من المتلقي، في الوقت نفسه أصبحت اللوحات أكثر نعومة وانسجاما وإن لم تتخل عن الجدلية والقدرة على إدهاش المتلقي، وامتزجت هذه الحالة الجديدة بلمسة بدائية مرحة في بدايات الألفية، وإن لم يتخل فيها عن استدارة الخطوط والحركة الدائرية كما علا الحس الموسيقي أكثر فأكثر في هذه الأعمال مثل الفيولينة 2004 والعود في السنة نفسها.
لم يتخل سليم عن تقنياته العالية أو توازن البناء القوي الذي يتميز به، بل أصبح أكثر حساسية للون وأكثر اقتصادا في استخدامه، كما أصبح الخط أقوى وأكثر لولبية وأميل للتجريد، فأصبحت أعماله أكثر اندماجا مع الطبيعة والكون، ليبدو كأنه وصل لصيغة أكثر تصالحا مع الكون، وإن ظل يشاكسه حتى في آخر لوحاته التي لم تكتمل "صيغة للزمن المركب" كما كان يطلق عليه في وصفه لزمن المنمنمة زمن مستعار من الماضي متفاعل مع الزمن الحاضر، أما الزمن الأخير فهو الذي يعكسه حضورنا نحن كمشاهدين، ويبدو وكأنه وجود متضاعف أي في كونه طاقة متفاعلة متحررة من المكان ومتبادلة في آناتها الزمنية مع القيمة حالة فنية لطالما سعى إلى تحقيقها ونجح في النهاية قبل أن يغادر عالمنا في الثالث من أكتوبر 2009، لتنتهي رحلة فنان قال يوما: "علمني الزمن أن الصورة والكلمة هما خلاصي من هذا العالم"، رحل تاركا لنا شهادة على منجز ثقافي موثقا بالكلمة والصورة على حد سواء.