قوة الفراشة

23/10/2016 - 1:18:24

سمية عزام سمية عزام

سُمية عزام

أن نقرأ التاريخ في التخييل السردي، تأتي متعة قراءته مضاعفة، تماما كما تُعاش الحياة مضاعفة في القراءة.
فحين شرعتُ في كتابة مقالي هذا، قفزت إلى ذاكرتي أحداث قد قرأتها بخصوص تأسيس دار الهلال ومجلته، وحكاية خروج مؤسسهما جرجي زيدان من بيروت، ومن الكلية السورية (الجامعة الأمريكية اليوم) شبه مطرود، إثر تأييده نظرية داروين في النشوء والارتقاء. هي ومضة تاريخية لا تتعدى الصفحة الواحدة استحضرها اللبناني ربيع جابر في روايته "الفراشة الزرقاء". غير أنه لم يصرح باسمه الحقيقي على غلاف روايته، بل ذيلها باسمه البديل "نور خاطر" كما كان يحلو للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا أن ينشر قصائده بأحد أسمائه البديلة.
التاريخ، والتخييل، والتسمية. عناوين ثلاثة حضرت في مخيلتي، دعتني إلى إيجاد رابطٍ ما بينها.
فالتسمية "نداء ودعوة"؛ إذ إنها تستدعي حضور الأشياء وتنتشلها من غيابها، فتستضيفها داخل عالمها اللغوي الأرحب، على ما يذهب الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، بوصف اللغة مسكنا وجوديا، يتمثل فيها الغائبون تخييليا.
جرجي زيدان عدد أسبابا ثلاثة حدت به إلى تسمية الدار والمجلة باسم "الهلال"، والسبب اللافت يكمن في "التفاؤل بنموها مع الزمن حتى تكتمل بدرا". هو الارتقاء والاكتمال، كما الفراشة متعددة الدلالات في رمزيتها، والتي تخضع لناموس التحول والتغيير.
في التخييل إعادة بناء السؤال الذي غالبا ما تكون أفعال الأشخاص التاريخية إجابة عنه؛ بحيث إن التاريخ في السرد "ليس الوقائع الخام بل العوالم الماضية وطرائق الوجود في العالم بوصفها إمكانيات للمستقبل" كما يعلن الفيلسوف الفرنسي بول ريكور. وقوة الفراشة الزرقاء بخروجها، في رحلتها التشففية، فكرة نبيلة / حلما يتشكل مشروعا، يجعلنا نتفكر تقدمنا بوعي.
قرأت، فتذكرت. وقُبيل استراحة قلمي، انتفض فراشة تحلق صوب هلال أزرق.