السكاكيني..الطبقة الوسطى من 1960 الى 2011

20/10/2016 - 10:08:12

كتب - خالد ناجح

تعيش أسرة عبد النور في حي شديد التميز معماريا وعمرانيا وجغرافيا وهو حي (السكاكيني) في وسط العاصمة المصرية، الذي يعود انشاؤه الى القرن التاسع عشر ويتوسطه قصر حبيب باشا السكاكيني أحد الأثرياء المقربين من الخديو اسماعيل، ويتميز بطرازه المعماري المختلط بين الفرعوني والروماني والصيني والاسلامي، ويطل على ثمانية شوارع في وقت واحد، ولعلها الصدفة التي ستفرق الأبناء السبعة الى اتجاهات مختلفة ثم تجمعهم مجددا في نقطة التقاء ليتفرقوا مرة أخرى ويالها من صدفة عجيبة، وتتكون الأسرة من الأب (عبد النور) الرجل الأربعيني الورع، وهو موظف بسيط في وزارة المالية، يحمل كل مقومات الرجولة وشئ من الوسامة الخشنة، يسيطر على الأسرة وبخاصة الزوجة (سميرة) والأبناء السبعة بقبضة من الانضباط والالتزام الديني الا أنه يخص ابنه البكر (ممتاز) بكثير من التدليل والافراط  في إمداده بالمال ولا يحاسبه أين أنفقه، كما شهد الإبن الأصغر (عمرو) شيئا قريبا من هذا رغم قلة الموارد عند قدوم آخر العنقود، فيما يشدد من قبضته على بقية أفراد الأسرة.


يتأثر عبد النور صحيا؛ فيهمل العمل حتى يطلب الخروج الى المعاش من وزارة المالية واحالته الى الأستيداع.


يختنق الأبناء من قلة الموارد والمعيشة الصعبة والمبالغة في تصنيف ما هو حلال وما هو حرام؛ يهرب إبنيه ممتاز وعزيز ويبحثون عن الاستقلالية والعمل الحر مع تحقيق جانب من النجاح والأهم منه هو تنسم بعض نسيم الحرية وجريان بعض المال بين أصابعهما.


ينخرط الأشقاء الثلاثة: (فريد) و (رءوف) و (عمرو) في تلقي أسس التعليم المتميز في ذلك الآوان، ووقوف المقاتلين من جانب الأم (سميرة) في اصرار على تميزهم العلمي.


وسط هذا الجو المفعم بالتباين يبحث كلا من الأشقاء الخمسة عن أحلامهم وهواياتهم ـ الى جانب الدراسة ـ في الرسم وكرة القدم والصحافة والثقافة والفن...و الصداقة.


يعود ممتاز وعزيز من برودة أجواء الوحدة إلى البحث عن ما تبقى من دفء الأسرة وإخلاص وروح الأشقاء، وتلمع في رأس ممتاز فكرة العمل التجاري الجماعي بين الأشقاء الذكور، بعد زواج الشقيقتين مبكرا جدا، ويتم تقسيم الأدوار فيما بينهم، وسرعان ما ينجح المشروع نجاحا باهرا، ويتم تكوين ثروة تظل في أيدي الشقيق الأكبر الذي يمثل الادارة، ولكن سرعان ما تعلن الادارة إفلاس الشركة؛ ليبحث كل عن عمل جديد منفرد؛ الا ممتاز الذي ظل متمسكا بحلمه، ليتمكن من النهوض خلال فترة وجيزة، لينفرد بالثروة والنجاح الاعلامي لذكاءه وتميزه، نفس النجاح بمفهوم آخر كان حليفا لـ (رءوف) الذي حقق نجاحه المهني في الميديا، ولكن من دون مردود مادي، خاصة مع ابتعاد الشركاء وتقوقعهم، الا ممتاز الذي فاجأهم بخبر عبر "الواتس" من قناة اليو تيوب على هواتفهم، خبر متلفز مصور بمعرفة التليفزيون الرسمي، يعلن انضمامه الى التشكيل الوزاري الجديد وزيرا للأستثمار والتجارة والصناعة ، في سابقة نادرة لاندماج الوزارات الثلاثة في وزارة واحدة، فيما ظهر الأشقاء الثلاثة وهم يدفعون سياراتهم المعطلة  في شارع قصر العيني حيث مقر مجلس الوزراء.


كما تؤكد "السكاكيني" على عمق التسامح الديني الضارب في اعماق هذا البلد، من خلال شخصية "كرم" المسيحي، حافظ أجزاء من القرآن الكريم، يفحم بها معارضيه في الرأي، ويستشهد بها في كثير من المواقف التي تتطلب حسما في الرأي.


"السكاكيني" رواية واقعية تجمع بين السرد الواقعي والرمزي،  تدور أحداثها في الفترة من 1960 الى 2011، مرورا بالاحداث الاجتماعية الكبرى في هذه الفترة من رحيل الزعيم عبد الناصر وحرب الاستنزاف وانتصار 73 المجيد، وانتفاضة الخبز 77 وأحداث المنصة، ثم حقبة الرئيس الأسبق مبارك، وهي صادرة عن دار العلوم للنشر، ويتصدر غلافها صورة رائعة لقصر السكاكيني لمصور الأهرام عماد عبد الهادي، وتصميم الغلاف للفنان الشاب ايمن ابو اليزيد، وأهداها المؤلف الى روح استاذته الكاتبة والأديبة الراحلة هدى جاد التي رحلت منذ أيام اثناء اعداد الرواية للنشر في لمسة وفاء وامتنان، وهو الكتاب الثاني والعشرين للمؤلف.