استقلال القرار المصرى من جمال عبد الناصر إلى عبد الفتاح السيسى

19/10/2016 - 12:16:03

بقلم: يوسف القعيد

ربما كانت كلمتى استقلال القرار، ومرة أخرى كلمات استقلال القرار المصرى، من أكثر المفردات التى ترددت كثيرًا جدًا فى الخطاب المرتجل الذى ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى مسرح الجلاء ضمن الاحتفالية التى أقامتها القوات المسلحة احتفالًا بمرور ٤٣ عامًا على حرب السادس من أكتوبر سنة ١٩٧٣. ولا أجانب الحقيقة. ولا أبتعد عنها عندما أقول أنه ربما كان من أفضل الخطابات التى ألقاها الرئيس عبد الفتاح السيسى على مدى خطاباته التى ألقاها على مدى عامى حكمه اللذين مضيا. ورأت مصر كثيرًا من الإنجازات غير المسبوقة.


اختلفت السياقات، وتباينت الجمل، وتعددت الحوارات. لكن كان الرئيس يؤكد على معنى استقلال القرار المصرى. وأن مصر كيان مستقل ودولة كبرى، بل ودولة إقليمية عظمى. إقليمية مستقلة فى كل قرار يمكن أن تتخذه. وأى إجراء يمكن أن تلجأ إليه. وأى موقف مصرى صميم وأصيل تعلنه لنفسها ولأمتها العربية ولعالمها الإسلامى وللدنيا كلها.


الملابسات التى دفعت الرئيس السيسى كثيرة. وكلنا نعلمها. ربما كانت متداخلة ومركبة. ولأن الرئيس السيسى نسيج وحده فى العمل السياسى. فقد اكتفى بذكر عبارة الأشقاء فى الخليج ولم يحدد من هم؟ فالخليج يبدأ من جنوب العراق ويصل إلى المحيط الجنوبى. هذا فى الامتداد بين الشمال والجنوب. أما فى المساحة بين الشرق والغرب، فهو يبدأ من الخليج العربى ويمتد حتى البحر الأحمر. ويشمل من الدول العربية الشقيقة: الكويت، البحرين، الإمارات العربية المتحدة، سلطنة عمان، اليمن، المملكة العربية السعودية، التى تحتل من المساحة الجغرافية ربما ضعف ما تحتله كل هذه الدول العربية الشقيقة.


للرئيس السيسى طريقته فى التعبير السياسى, والمسكوت عنه فى خطبه أكثر بكثير مما يصرح به ويحوله لشعارات سياسية يخلب بها ود الجماهير دون التصريح. ألم يقل عبد الجبار النفرى أحد أهم من عبَّروا عن التعبير بالصمت عبارته التى صارت مثلًا عندما قال:


- كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.


إنها زعامة الرئيس السيسى التى قامت على التعبير بالصمت. والابتعاد عن التعبير بالشعار السياسى أو الجمل الرنانة. لأن الرجل يدرك أن مصالح دولة يعيش فيها أكثر من ٩٠ مليون مصرى تفرض عليه قيودا وأعباء كثيرة، لا بد أن يراعيها ولا بد أن يفكر فى الكلمة قبل أن ينطق بها مئات المرات إن لم يكن آلاف المرات.


على أن استقلال القرار المصرى كان القضية الأولى والثانية والثالثة. إن لم تكن حتى الأخيرة التى حركت الكثير من مواقف ثوار يوليو الذين قاموا بثورتهم فى منتصف القرن الماضى. وظلت الهاجس الجوهرى الذى حرك مؤسس مصر الحديثة جمال عبد الناصر فى الكثير من مواقفه.


وحتى قبل ذهابى لاحتفال القوات المسلحة بيوم، كنت فى قناة النهار مع الزميل خالد صلاح. فى برنامجه: على هوى مصر. الذى ذكرنى اسمه بقصيدة صلاح جاهين الكبرى. التى كتبها فى زمن الأزمة الكبرى. وكان عنوانها: على اسم مصر. فى هذا اللقاء فوجئت بأن خالد صلاح مع فريق إعداده. الذى يتقدمه الإعلامى المصرى النابه والنابغ محمد السيسى، رغم صغر سنه وحداثة عهده.


فوجئت أنهم استحضروا حديثا للزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر، يتحدث فيه عن حصار مصر، وما يجب على المصريين أن يقوموا به فى مواجهة هذا الحصار. قال جمال عبد الناصر بكلمات مرتجلة ضمن خطبة قديمة له: إننا بدلًا من أن نحلى الشاى بالسكر، نشربه بدون سكر. وبدلًا من أن نشرب القهوة بعده نكتفى بالشاى. وبديلًا لتناول أكثر من وجبة، نكتفى بوجبة واحدة». أى أننا كما قال عبد الناصر فى جزء من خطبته المرتجلة: نشد الحزام على البطون، ونصوم لكى نصون كرامتنا الوطنية.


كان هذا قبل خطاب الرئيس السيسى بيوم وليلة.


لأن المعنى الذى يكمن فى بطن الشاعر يقول أن ما يمكن أن يمس استقلال القرار المصرى يجب أن يكون خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه. لأن الأوطان باقية. ونحن ذاهبون مهما طالت أعمارنا. ومهما امتدت أزمنتنا. فالوطن هو الأزل الباقى. كان موجودًا منذ اليوم الأول. وسيظل باقيًا حتى اليوم الأخير. واستقلاله الوطنى كان المعركة الكبرى التى بدأت بالثورة العربية فى أواخر القرن التاسع عشر. واستمرت حتى منتصف القرن العشرين. عندما حمل الاستعمار عصاه ورحل.


الاستقلال الوطنى لم يكن فى مواجهة الاحتلال المادى والمعنوى. لكنه استمر كقضية وطنية كبرى فى مواجهة محاولات التأثير فى القرار السياسى المصرى. ألم يقل أجدادنا فى مصر الفرعونية مثلًا تتناقله الأجيال سمعته فى قريتى قبل أن آت إلى القاهرة. كانوا يقولون: إذا كنت تريد أن يأتى قرارك من رأسك، لا بد أن تأكل من نتاج فأسك. ذكرت المثل بتعديلات أو بتصرف منى. لكن هذا هو معناه الجوهرى. أن الإنسان إذا كان يريد أن يخرج كلامه من رأسه وأن يكون قراره من رأسه، لا بد أن يأكل من نتاج فأسه.


وفى كتابات مصر القديمة، المعروفة التى وصلت إلينا تقول بوضوح كامل ما معناه أن استقلال الوطن يفرض علينا جميعًا أن نزرع قمحنا وأن نصنع سلاحنا. وعندما نترجم الكلمات القديمة إلى جمل معاصرة ندرك أن المقصود من القمح لم يكن القمح فقط. لكنه كان كل ما يأكله الإنسان. وأن المقصود من وراء السلاح ليس السلاح فقط. لكنه لا يمكن أن يكون السلاح فقط. لكنه كل ما نستخدمه فى الدفاع عن استقلالنا الوطنى. الذى هو استقلال الوطن ابتداءً من مفرداتنا اليومية. وصولًا إلى العمل السياسى.


ومن يبحث عن استقلاله الوطنى ويحافظ عليه ويعتبره شرفه الوطنى الأساسى. لا يمكن أن يستشير أحدا قبل أن يصنع قراره. وقبل أن يتخذ مواقفه. ويعبر عنها تعبيرًا واضحًا لا لبس ولا غموض فيه.


لا أريد الدخول فى تفاصيل يعد الاقتراب منها محاولة لصب الزيت على النار. تعالوا نحاول أن نمارس الصمت ودبلوماسية الصمت والعمل الوطنى الذى يعتمد على الصمت. فالصمت فى بعض الأحيان قد يكون أكثر تأثيرًا من كل الكلمات التى عرفناها. وأكثر حضورًا من الصخب والضجيج الذى ربما يملأ الدنيا أحيانًا.


وما جدوى الكلام إذا كان ما نريد قوله معروف. ألم يقل أهلنا:


- الكلام لك يا جارة.


ما أتجنب قوله معروف. وما أحاول الابتعاد عنه لا يحتاج إلى قول. وأجدادنا قالوا. وعذرا لكثرة الاستشهادات من الأمثال الشعبية. والحكمة الشعبية القديمة المتجددة أيضًا:


- أنا وأخويا على ابن عمى. وأنا وابن عمى على الغريب.


والغريب يعنى الكثير من التهديدات التى تهددنا كل يوم وكل لحظة وكل ساعة. ونحن والحمد لله لدينا عداوات فرضت علينا لم نسع إليها تملأ المسافة من الأرض للسماء. فلم نبحث عن عداوات والأشقاء والإخوة رفاق الدرب والطريق. رفاق المسيرة، ورفاق المصير أيضًا.


لذلك أكتفى بالقول أن استقلال قرارنا هو استقلال أوطاننا، هو استقلال حياتنا. هو استقلال وجودنا. والحياة بدون استقلال لا يصح أن توصف أنها حياة. والأوطان عندما تتنازل عن استقلالها تفقد صفتها كأوطان. لأن الوطن المستقل هو الذى يستحق أن يوصف بأنه وطن.


والمصرى إن قبل مناقشة استقلاله يكون قد فقد نصف الطريق للحياة التى يستحقها. فثمة أمور لا تناقش. لأنها من ثوابت الوطنية المصرية التى ضمنت لنا استقرار واستمرار هذا الوطن ليصبح أقدم وطن فى التاريخ. وأقدم وطن على ظهر الكرة الأرضية.


والمطلوب من الأشقاء مساعدتنا على أن نحتفظ باستقلالنا حتى نحتفظ باحترامنا لأنفسنا وإخلاصنا لتاريخنا وتمثلنا لمكر التاريخ وحقائق الجغرافيا التى من المؤكد أنه ليس من حقنا أبدًا أن نقترب من هذه الثوابت بمنطق التفكير والأخذ والعطاء. وعندما نتكلم عن الاستقلال الوطنى لا يمكن أن يتخلل كلامنا ما يمكن أن يقال عن المصالح اليومية المتغيرة. فالثوابت لا تقبل النقاش ولا يمكن أن تكون متغيرة، فى حين أن المصالح تختلف من لحظة لأخرى.


الشعب الذى يضع ثوابته فى مواجهة متغيرات لا يستحق أن يكون شعبًا. فما بالك عندما نقول عنه: الشعب المصرى. الذى هو جزء لا يتجزأ من الشعب العربى والأمة الإسلامية والعالم الثالث. هكذا كانت مصر قبل فجر التاريخ. قبل سبعة آلاف عام، وظلت واستمرت. ولا بد أن تستمر وتبقى هكذا حتى قيام الساعة.