احتواء مصر فى عصر التحولات الكبرى

19/10/2016 - 12:14:28

السفير حسين هريدى مساعد وزير الخارجية الأسبق

تحدث الدكتور جمال حمدان عن عبقرية المكان، وعبقرية المكان ماهى إلا الأهمية الأستراتيجية الكبرى لمصر، الموقع والدور والتأثير. وهى حقيقة أدركتها كافة القوى الدولية والإقليمية على مر التاريخ. فكل قوة دولية أو إقليمية رغبت فى التوسع والسيطرة على مقدرات ومصائر الشرق الأوسط كان عليها السيطرة على مصر أو احتلالها، أو العمل على أن تصبح مصر جزءا لا يتجزأ فى مخطط السيطرة والهيمنة. واستتبع ذلك الحيلولة دون قيام دولة قوية فى مصر يكون لديها عناصر القوة الكافية للوقوف أمام الضغوط الخارجية أو اتخاذ سياسات لتقويض مثل هذه المخططات. والمثال الحديث والمعاصر لهذا التوجه الأستراتيجى الثابت فى هذا الصدد هو الصراع الفرنسى - البريطانى على مصر فى القرن التاسع عشر، والذى حسم باحتلال بريطانيا لمصر لمدة ٧٢ عاما من ١٨٨٢ وحتى ١٩٥٦. والمثال المعاصر هو التنافس الأمريكى- السوفيتى على مصر خلال الحرب الباردة.


وهذا التنافس مر بمرحلتين تاريخيتين متناقضتين فى تأثيرهما على قوة مصر وقدرتها على التأثير على مجريات الأمور فى الشرق الأوسط والعالم العربى ككل. المرحلة الأولى تزامنت مع صعود ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وامتداد إشعاعها الثورى إلى كافة دول العالم الثالث، وأيضا مع شدة الاستقطاب الدولى فى إطار الحرب الباردة بين المعسكرين الغربى والشرقى. واتخذت مصر حينذاك لنفسها سياسة الحياد الايجابى فى سياق حركة عدم الانحياز.. ومما لاشك فيه أن هذه السياسة بعيدة النظر مكنت مصر من بناء كافة عناصر القوة الوطنية عسكريا واقتصاديا وسياسيا بفضل التأييد السوفيتى للقاهرة، وهو التأييد والمساندة التى مكنت مصر من مقاومة كافة الضغوط الأمريكية والغربية عليها، واتاح لها فرصة كبرى لتأمين مصالحها الحيوية وفى ذات الوقت المحافظة على الجبهة الداخلية ضد كافة محاولات اختراقها. فمصر فى فترة الخمسينيات والستينيات وحتى رحيل الرئيس جمال عبد الناصر فى ٢٨ سبتمبر١٩٧٠ نجحت فى إقامة تحالفات دولية وعربية وفى العالم الثالث أضافت إضافة ملموسة لقدراتها على مقاومة ضغوط ومؤامرات الخارج، فى ذات الوقت كانت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج تقف وراء القيادة المصرية, بغض النظر عن موقف الحكومات، هنا وهناك، من الثورة المصرية ومن زعامة الرئيس عبد الناصر. وفى منتصف الستينيات بلغ نجاح هذه السياسة الوطنية والقومية والثورية فى آن واحد، بلغ ذروته متمثلا فى انفتاح إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق جون كيندى على مصر، والإعراب عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لفتح صفحة جديدة مع مصر، فى الوقت الذى كان فيه الرئيس كيندى يمارس أكبر قدر من الضغوط على إسرائيل للحيلولة دون حصولها على الأسلحة الذرية، وهو التقارب الذى دفع بعض العرب لتهديد إدارة كيندى بالقول أن عليها الاختيار بين جمال عبدالناصر والنفط.


غنى عن القول، أن العامل الإسرائيلى منذ نشأة الدولة العبرية عقد المشهد الإقليمى والتفاعلات الأستراتيجية وانماط التحالفات فيه إلى أبعد الحدود، ولا يجب اغفال تأثيره على كل المخططات الرامية إلى احتواء مصر وبغض النظر عن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل من عدمها. فى هذا الاطار، استهدفت هذه المعاهدة فى واقع الأمر تحييد مصر كلية عن محيطها العربى، وحتى تتمكن الدولة العبرية من التحرك والمناورة على كافة جبهات الصراع العربى-الإسرائيلى دون التحوط أو الخوف من رد الفعل المصرى. بمعنى آخر أخرجت هذه المعاهدة مصر من معادلات توازن القوى بين العرب وإسرائيل. وهو ما مثل اللبنة الأولى فى تحييد مصر فى زمننا المعاصر. وتجدر الإشارة إلى أن الأسلوب الذى اتبع فى التوصل لمعاهدة سلام بين القاهرة وتل أبيب عكس أستراتيجية أمريكية-إسرائيلية مشتركة للتوصل إلى سلام منفرد بين مصر وإسرائيل لعزل مصر عن عالمها العربى تستغله واشنطن وتل أبيب لتمرير مخططاتهم فى الشرق الأوسط، والتى تنطلق جميعها من فرض الهيمنة الإسرائيلية كرأس حربة للغرب بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة فى المنطقة والعالم العربى.


إن صعود الهيمنة الإسرائيلية وضمان استمرار السيطرة الأمريكية فى الشرق الأوسط هو مفتاح أساسى لفهم ما يحدث فى العالم العربى منذ الغزو الأمريكى للعراق فى ٢٠٠٣ وماترتب على هذا الغزو من كسر ما كان يعرف بالجبهة الشرقية فى الصراع العربى-الإسرائيلى بعد انزواء الجبهة الجنوبية بتوقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية فى ٢٦ مارس ١٩٧٩.وهى المعاهدة التى صاحبها خروج موسكو من الشرق الأوسط. وبدون التقليل من اهمية المسببات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراك الذى يشهده العالم العربى منذ النصف الثانى من العقد الأخير من القرن العشرين بما فى ذلك مصر بطبيعة الأمر، فتقديرى أن ما سمى تجاوزا «الربيع العربى» هو الترجمة العملية على الأرض لنظرية «الفوضى الخلاقة» التى تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندليزا رايس فع عام ٢٠٠٥، بعد عامين من دخول القوات الأمريكية والبريطانية العراق. ما أقصده هو أن «الفوضى الخلاقة» هى الوجه السياسى للغزو الأمريكى للعراق, أو يمكننى تصوير الأمر على أن هذا التوجه الأمريكى المتمثل فى العمل على إحداث فوضى «خلاقة» فى الشرق الأوسط ما هو إلا مخطط لتغيير الأنظمة العربية التى كانت فى حالة حرب مع إسرائيل فى يوم ما أو تلك التى لازالت فى حرب معها.هذا التغيير هو مقدمة لقيام دولة «إسرائيل الكبرى»، بمعنى إسرائيل التى سيتحدد لها حدودها الجغرافية، ولأول مرة، منذ قيامها على حساب الأراضى العربية المحتلة عقب عدوان ١٩٦٧.


هذا التغيير كان فى حاجة إلى قوى سياسية تحل محل القوى الثورية والوطنية والقومية التى حكمت فى العالم العربى منذ انحسار الاستعمار، على أن تكون مستعدة للقبول والتعايش مع «دولة إسرائيل الكبرى» كما عرفتها بعاليه وكذلك القبول «بيهودية» إسرائيل كوطن قومى لليهود فقط، بكل مايعنيه ذلك من تصفية القضية الفلسطينية ونزع المشروعية الدولية عنها كما جسدتها قرارات الأمم المتحدة. هذه القوى تمثلت فى جماعات الإسلام السياسى.


الاعتراف بيهودية إسرائيل كان يعنى قبول جماعات الإسلام السياسى بتسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقا للشروط الإسرائيلية، أى قبول عدد رمزى من كبار السن منهم الذين كانوا قد فروا من الأراضى الفلسطينية أمام الغزو الصهيونى لفلسطين فى عام ١٩٤٨، على أن يتم استيعاب الأعداد الأخرى فى الدول العربية وبعض الدول الغربية ككندا وأستراليا ونيوزلندا. لكن السؤال الخطير كان مستقبل قطاع غزة الذى يشهد أعلى معدلات الكثافة البشرية فى العالم. وليس حقيقيا أن الغرب أو إسرائيل يشعرون بالقلق البالغ لاستمرار سيطرة «حماس» على القطاع, بل إن هذه السيطرة تخدم هدفا خطيرا فى الأستراتيجية الغربية والإسرائيلية حيال القضية الفلسطينية، ألا وهو استمرار الانقسام الفلسطينى وقدر لا بأس به من الاستقطاب العربى يتمركز حول الموقف من السلطة الفلسطينية وحركة «حماس»، على سبيل المثال وليس الحصر موقف مصر وقطر فى هذا الصدد.


من العناصر الأساسية فى قيام دولة «إسرائيل الكبرى» هو توسيع قطاع غزة غربا لاستيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، والتوسع غربا لا يعنى إلا أمرا واحدا وهو اقتطاع ما يقرب من المساحة الفعلية الحالية للقطاع من شبه جزيرة سيناء، أى أن يتوسع القطاع على حساب ليس فقط السيادة المصرية وإنما الوحدة الإقليمية لمصر. كانت جماعة «الإخوان» عندما وصلت للحكم فى القاهرة نتيجة للضغوط الأمريكية المتواصلة تتصرف فى اتجاه توسيع حدود قطاع غزة على حساب الاراضى المصرية تحت ذريعة أنه لا حدود جغرافية بين «الأمصار» الإسلامية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى القيام بتسهيل حصول أهل القطاع على الجنسية المصرية. بل ذهبوا فى مخطط الخيانة الوطنية إلى ما هو أبعد من ذلك عندما مرروا قانونا يسمح للفلسطينيين بتملك أراض فى سيناء، وبذلك اكتمل المخطط. لكن تدخل القوات المسلحة السريع من أجل الدفاع عن الأمن القومى المصرى والدفاع عن التراب الوطنى أجهض القانون.


كانت الأمور فى العالم العربى فى النصف الأول من عام ٢٠١٣ تسير فى الطريق المرسوم فقوى الإسلام السياسى تمكنت من مصر وتونس، وكانت العدة تعد لتسلمهم الحكم فى طرابلس الغرب وفى دمشق. لكن تاريخ الأمم والشعوب ليس من السهل تغييره وهندسته خصوصا إذا كان هو تاريخ مصر والشعب المصرى، ففى لحظة تاريخية استثنائية انتفض الشعب المصرى ضد حكم الإسلام السياسى، وانحاز الجيش إلى الإرادة الشعبية، واعتقد «الإخوان» أن واشنطن، مثلما مهدت المناخ لقدومهم للحكم، ستهرع لاستمرارهم فى الحكم.


ثورة ٣٠ يونيو فى مصر عرقلت تنفيذ المخطط الأمريكى والغربى والإسرائيلى لمستقبل المنطقة ولحدود دولها كما رسمتها القوى الغربية بما فى ذلك حدود إسرائيل «الكبرى» وعادت مصر، مرة أخرى، لتمارس دورا تاريخيا فرضته عليها عبقرية المكان، لكن هذا الدور جاء على غير هوى تلك القوى التى غزت العالم العربى بقوة السلاح تارة وبخلق الفوضى الهدامة تارة أخرى.


وبدأ احتواء الدور المصرى من تلك اللحظة، وبشراسة. وكان موقف إدارة اوباما هو الأكثر شراسة فى الهجوم على مصر ٣٠ يونيو بفرض عقوبات عسكرية والتلميح بوقف المساعدات الأمريكية كلية ثم تصاعد الحملة الاعلامية الأمريكية ضد مصر والتنسيق مع قوى إقليمية وعربية للوقوف ضد مصر ٣٠ يونيو. وكان الاتحاد الأوربى على وشك توقيع عقوبات اقتصادية على مصر خلال اجتماع له فى اغسطس ٢٠١٣ لولا تدخل سعودى عاجل وحاسم فى نفس الوقت عندما توجه الراحل الأمير سعود الفيصل إلى باريس والتقى بالرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند، محذرا من مغبة فرض عقوبات اقتصادية على القاهرة، وانتهجت دولة الإمارات العربية والكويت والأردن والبحرين والمغرب والجزائر ذات النهج.


بالرغم من أن هذا الدعم والتأييد كان إشارة واضحة أن مصر لا تقف بمفردها إلا أن احتواء مصر استمر بهدف معاودة دمج «الإخوان» فى الحكم مرة أخرى، وتوازى مع ذلك تعرض مصر لإرهاب ممنهج بدأ فى سيناء ثم امتد للوادى، واشتد بعد انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيسا للبلاد فى يونيو ٢٠١٤.


لاشك أن موقف إدارة أوباما من التطورات السياسية فى مصر بعد ٣٠ يونيو كان له عظيم الأثر فى بلورة الخطط الضرورية لاحتواء مصر، سواء عن طريق تشجيع البعض ولو بطريقة غير مباشرة على تقديم الدعم للجماعات الإرهابية فى سيناء وفى ليبيا، وفرض حصار اقتصادى غير معلن عليها يستند فى الأساس إلى حرمانها من العملات الصعبة الحيوية لاستقرار الاقتصاد المصرى ونموه، ووصل هذا الحصار إلى حد تجويع مصر مستقبلا إذا لم ننجح فى رفع الحظر المفروض على السياحة، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التى انخفضت إلى النصف عما كانت عليه فى عام ٢٠١١ عندما بلغت ١١ مليار دولار أمريكى.


وتضمنت محاولات الاحتواء المحمومة فرض نوع من العزلة الدبلوماسية على مصر عن طريق بث معلومات غير صحيحة عن السياسة المصرية بالنسبة لملفات فى غاية الحساسية للأمن القومى المصرى كالملف الليبى والملف السورى وعلاقتنا مع إثيوبيا، وكذلك ملفات داخلية لها صداها الكبير فى الخارج على سمعة مصر الدولية مثل حقوق الإنسان والحريات العامة والتحول الديمقراطى والأوضاع الاقتصادية. ويلاحظ فى هذا الصدد أن القاسم المشترك فى الهجوم على مصر فيما يتعلق بالملفات الداخلية هو التشكيك المستمر والممنهج ضد شخص الرئيس السيسى، ويعتمدون فى ذلك على جماعات وحركات ومنظمات للمجتمع المدنى فى الداخل، ووسائل الإعلام فى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية، وبصيغة خاصة الصحف البريطانية. والعدد المشهور لمجلة «الايكونوميست» البريطانية عن مصر منذ عدة أسابيع لخير دليل على ذلك، أضف إلى ذلك الاستعانة بمراكز أبحاث، أمريكية خصوصا، لشن الهجوم المستمر، تحت غطاء علمى مصطنع، على السياسات والتوجهات المصرية فى المجال الاقتصادى وفى مجال السياسة الخارجية، فمنذ أيام نشر معهد «بروكينجز» فى واشنطن بحثا سلبيا عن الاقتصاد المصرى اتضح أنه تم إعداده لقناة «الجزيرة» التى تبث باللغة الإنجليزية.


مصيرنا وقدرنا أن نواجه خطط الاحتواء، لكن هذه المرة الهدف ليس تحجيم نظام سياسى بعينه وإنما الانقضاض على إرادة شعب. كما أن اختراق المجتمع المصرى من جانب وتحالف بعض رجال الأعمال مع دوائر أجنبية من جانب آخر يعقد المشهد إلى أبعد الحدود، الأمر الذى يتطلب العمل الجاد والمتواصل لتعبئة الجبهة الداخلية وراء أهداف ثورة ٣٠ يونيو. ومما يزيد الأمور صعوبة هو عدم وجود حياة حزبية نشطة تستطيع الدولة التنسيق والتعاون مع الأحزاب من أجل هذه التعبئة الشعبية والسياسية التى لا بديل عنها لوأد محاولات تحجيم مصر واحتوائها. وتقديرى أنه لا مناص من إيجاد تنظيم سياسى قوى يكون الظهير السياسى للدولة فى الشارع المصرى، فلا يمكن ترك الساحة لمن يتعاون مع الخارج، بغض النظر عن شكل ومضمون هذا التعاون، ضد إرادة المصريين.


يجب الدفاع عن كل مكتسبات ثورة ٣٠ يونيو بكل ما أوتينا من قوة، وبكل الأساليب المتاحة. مرة أخرى من الأهمية بمكان إيجاد الظهير السياسى للدولة فى هذه المرحلة الخطيرة فى تاريخ مصر المعاصر.