قوم يا مصرى مصر دايمًا بتناديك

19/10/2016 - 12:13:10

بقلم: د. محمد فتحى

فى عام ١٩١١ جرى تنظيم أول معرض لأعمال طلبة مدرسة الفنون الجميلة، فلقيت أعمال الطالب محمود مختار الإعجاب، ويمضى أستاذه الفرنسى لابلانى يشير إلى إيماءات النبوغ فى هذه الأعمال مزهوا بتلميذه.. ويوافق الأمير يوسف كمال، صاحب المدرسة وراعيها، على إرسال مختار فى بعثة إلى فرنسا لإكمال دراسته، وهكذا يشد مختار رحاله أواخر ١٩١١ قاصدا باريس، وفى طريقه إلى ميناء بورسعيد يتذكر القول، الذى ما فتئ أستاذه لابلانى يكرره: “إن لك دورا هاما ستقوم به نحو بلادك”، فيترنم “العمدة” بأبيات من تأليفه جاء فيها:


أعلل نفسى بالمعالى تخيلا فياليت آمـال الخيــال تكون سأرفع يوما للفنون لواءها ويبقى لذكـراها بمصـر رنين


كان مختار مفتونا ومشوقا إلى لقاء باريس من كثرة ما سمعه فى مدرسة درب الجماميز عنها وعن مونمارتر ومونبارناس و...


فى امتحان القبول بمدرسة الفنون الجميلة الفرنسية “البوزار” يفوز مختار بالمركز الأول على أكثر من مائة طالب تقدموا للالتحاق بالمدرسة.. وتصل أنباء نجاح مختار مصر فيكتب له الأمير يوسف كمال: “أنت مصرى فيجب أن تعود مصريا وأن تشتغل بكل إمكانك لأننا جميعا معتمدون عليك ومنتظرون نتيجة اجتهادك، لأجل أن لا يقال بأن المصرى عديم الإرادة، وإنه لا يفلح فى الأعمال الفنية، التى هى مظهر من مظاهر المدنية”.


وفى عام ١٩١٣ بعد ثلاث سنوات من الدراسة فى باريس، وبعد أن شبع من لذة الدرس والممارسة والتفوق سعى إلى عرض عمل من أعماله فى المعرض السنوى للفنانين الفرنسيين.. وهكذا كانت “عايدة” المصرية الحزينة، التى ترسف فى ذل الاستعباد ورق القيود.. ذلك التمثال الذى استلهمه من أوبرا فردى، أول عمل فنى مصرى حديث يعرض فى فرنسا، وأثنى النقاد والصحفيون الفرنسيون ثناء بالغا على الطارق المصرى الجديد لأبواب معارضهم.


تأثروا فى مصر بما حققه مختار من نجاح فطلبوا تعيينه ناظرا لمدرسة الفنون خلفا لأستاذه لابلاني، لكن العمدة فاجأهم (كان فى الثانية والعشرين من عمره) برفض العرض! فقد كان يحس بأن الطريق أمامه لا يزال طويلا، ويدرك بعد ما رآه فى فرنسا أن المهمة الفنية التى ذهب إلى باريس من أجلها لم تتم.. بالذات بعد أن رأى ما يحيط به من منزلة.. كان مشدودا إلى المستقبل الذى تصوره واللواء، الذى سيحمله، فقد ترسب فى وجدانه مع كلمات أستاذه لابلانى وأميرة يوسف كمال أنه صاحب رسالة فنية غير عادية.


لم يقنع مختار بالنجاحات الصغيرة ولا بالبقاء تلميذا لأساتذته، وهكذا انبثقت الأسرار الخفية التى أودعها فيه النيل منذ طفولته، وقاده الموروث إلى رحلة البحث عن أسلوبه الشخصي.. يقف مختار “العمدة” أمام مسلة الكونكورد المصرية (الشاهد والرمز) مستعيدا كلمات لابلاني: “إن لك دورا هاما ستقوم به نحو بلادك” ليجد نفسه يحور الكلمات ويحددها، اتساقا مع الواقع الذى يعيشه، هامسا لنفسه: “إن علينا أن نعيد لهذه الفنون دورها ومكانتها”.


وكانت “علينا” هذه تشمل مختار مع غيره من المصريين، الذين جدوا فى ربط تراثهم بالعصر، فقد صاحب محمود مختار فى فرنسا طه حسين، وهو يكتب رسالته عن “ابن خلدون” محللا وكاشفا أبعاد فلسفته الاجتماعية المتقدمة، ومصطفى عبدالرازق وهو يحاضر فى جامعة ليون عن الفلسفة الإسلامية ويعد رسالته عن الإمام الشافعى، ومحمد حسين هيكل وهو يدرس القانون ويكتب “زينب”، ذلك بينما كان مختار يواصل نحت تماثيل “خالد بن الوليد” و”طارق بن زياد”، و.. . كان هناك جيل كامل من المصريين الذين تعلموا المناهج الأوربية وتفتحت عيونهم على آفاق جديدة، بينما ظلوا مرتبطين بجذورهم.


ومع كل ما سبق لم يقف الأمر عند كون مختار استطاع أن يعصم نفسه من الانسياق وراء البدع، ذلك أن ملامح اللواء، الذى سيرفعه كانت قد بدأت تتشكل فى وجدانه.


كان مختار يرى التقدم الحضارى، الذى يحيط به فى باريس من كل جانب، فيحلم باليوم الذى يرى فيه بلاده تفيق من غفوتها، وتنهض لتقوم بدورها التاريخى فى ركب الحضارة.


فرضت بريطانيا الحماية على مصر مع الحرب، وانتهت الحرب فعم الغليان، ارتفع صوت سيد درويش بألحانه، التى يفخر فيها ببلاده وبكرم عنصره وعز جدوده: “قوم يا مصرى مصر دايما بتناديك.. خد بناصرى ناصرى دين واجب عليك.. صون آثارك ياللى ضيعت الآثار.. دول فاتولك مجد خوفو لك شعار”، وعكف محمد حسين هيكل يتحدث عن أمجاد مصر القديمة، بينما كان توفيق الحكيم يحلم بـ”عودة الروح”.


وراحت مشاعر الرواد تحاول تجميع الشتات حول رمز يصور اليقظة.. كما علت أصوات الشعراء إشادة بالمجد القديم، وكثر توجههم إلى “أبى الهول” لاستنهاضه.. فهاهو أحمد شوقى يناجيه: “تحرك أبا الهول هذا الزمن تحرك ما فيه حتى الحجر”، وهاهو النشيد القومى الذى وضعه مصطفى صادق الرافعى عام ١٩٢٠ يدوى:


“رسا أبو الهول ركينا ربض


ربضة جبارة على الأرض قبض


فالفزع الأكبر يوما لو نبض” (اقرأها نهض)


وهكذا ألهمت أشواق نهضة مصر- والأجواء التى أحاطت بها- مختار فكرة رائعته، الذى يتحرك فيها “أبو الهول” لأول مرة، ويرفع قوائمه الأمامية بعد أن ظل قابعا فى وضع ثابت لا يتغير.. وإلى جواره رمز مصر المعاصرة مجسدا فى أنقى نموذج احتك به مختار منذ طفولته الباكرة.. الفلاحة الأبية القادرة، تكشف وجهها لتستقبل الشمس مرفوعة الرأس منتصبة القامة، تستند إلى ماضيها الذى بدأ يستيقظ فى أعماقها، ليسرى فى أعطافها نسغ العزة والحضارة، وتتطلع إلى المستقبل فى اعتداد، وكل ذلك فى إطار لا يخاصم الحداثة.


هكذا وقع العمدة على اللواء، الذى يمثل حلقة اتصال بين الماضى والحاضر.. لقد تمسك مختار بتقاليد بلاده فى عصورها المختلفة مع تمثل متأمل لتجارب الفن الحديث، والعمل بإدراك ووعى على ربطها بالتراث الفرعوني، تاركًا لحساسيته حرية التعبير بلغته الخاصة، حتى يتمثل الإعجاز فى تجسيم مختار لرمز كان يحلق فى جو المرحلة ويهيم فى وجدان الناس.


وبعد انتهاء الحرب العالمية عام ١٩١٨ راحت تتجمع نذر الثورة على الاستعمار الإنجليزى فى مصر، وقام حزب الوفد بزعامة سعد زغلول، وكأن القدر راح يبارك خطى الفنان، فحين اقترب من إنهاء النموذج المصغر لتمثال نهضة مصر حل الوفد المصرى بباريس، داعيًا للقضية المصرية، وهناك يشاهد النموذج المصغر، فيدرك أفراده بحسهم القومى أهمية التمثال وفن مختار بوجه عام.


ويعرض مختار النموذج الرخامى المصغر لـ”نهضة مصر” فى “صالون باريس” عام ١٩٢٠، ويقرر كثير من النقاد الفرنسيين وغير الفرنسيين إنه ليس مجرد تمثال رائع، لأنه رمز لنهضة حقيقية فى الفن والمجتمع، على حد سواء.


ويشعل تقدير نقاد العالم حماس المثقفين فى مصر.. لقد كانت مشاعر اليقظة مشتتة تحاول التجمع حول رمز، وهاهو ابن من أبناء مصر يجسد هذا الرمز.. ويكتتب الشعب لإقامة تمثال “نهضة مصر”، ويتوارى مع الحماسة صوت معارضة تقليدية خافتة، ويظهر بين رجال الأزهر دعاة لإقامة التمثال، كان منهم من راح يجمع التبرعات عقب صلاة الجمعة؟!