لماذا لا نعطى روسيا قاعدة بحرية؟

19/10/2016 - 12:12:03

د. حسن أبوطالب

فى ربيع العام ١٩٩٠ قدر لى أن أشارك فى أحد البرامج التدريبية عن التخطيط الاستراتيجى وتنفيذ العمليات فى إحدى الجامعات الأمريكية وكان يجمع بين باحثين من عدة دول فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغرب آسيا، وكان من بين الأنشطة لقاء مع مسئولين من وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» للتعريف بالرؤية الأمريكية للتخطيط الاستراتيجى وتنفيذ العمليات وعلاقتها بما يُعرف بالتكتيك، أو الإجراءات الجزئية التى تنفذ فى ساحة المعارك وفقا لجداول زمنية مرفقة بخطط الحرب.


وفى محاولة لشرح الأمر عمليا سُمح للمتدربين بزيارة غرفة تدريب تحاكى عملية إدارة الحرب فى أى مكان فى العالم، وقد قام اللواء المحاضر بوضع خريطة للعالم كله، ووصفها بأنها ساحة العمليات الاستراتيجية للولايات المتحدة التى هى أكبر قوة عسكرية فى التاريخ، فأمريكا تنظر للعالم كوحدة واحدة وليست جزءا منه فقط، وزيادة فى الشرح عرض الرجل علينا خريطة توزيع القواعد العسكرية المنتشرة فى العالم كله، ومؤكدا لنا أن انتشار هذه القواعد يؤكد الوحدة الكلية للعالم كساحة عمليات مترابطة وفق المنظور الأمريكى. لكن الرجل قال إن هناك بعض ثغرات يسعون إلى إغلاقها، فهناك بعض نطاقات جغرافية محدودة لا توجد فيها قواعد أمريكية رغم أنهم فى البنتاجون سعوا إلى ذلك، وضرب مثالا بأن مصر من الدول القليلة رغم العلاقات القوية العسكرية معها التى ترفض منح أمريكا أية قاعدة رغم المساعدات العسكرية والاقتصادية التى تُمنح لها، وفى خطوة مفاجئة وباعتبار مصريتى طلب منى أن أفسر هذا التناقض المصرى من وجهة نظره أمام المشاركين فى الدورة.


السؤال المفاجئ


وبالرغم من أن السؤال كان مفاجئا لى، فلم يكن هناك مفر من التفسير وشرح الموقف المصرى تجاه مبدأ رفض القواعد العسكرية لأى دولة كانت ومهما كانت درجة العلاقات معها، ومما قلته إن مصر منذ أن أنهت الوجود العسكرى البريطانى فى العام ١٩٥٦ كقوة احتلال، وكان لها قاعدة شهيرة فى منطقة القناة منذ الثلاثينيّات من القرن الماضى لاعتبارات خاصة بالحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد تشكلت لديها قناعة راسخة بعدم السماح بإنشاء أية قواعد عسكرية لأى طرف كان، باعتبار أن هذه القواعد ترتبط فى الإدراك المصرى الرسمى والشعبى أنها دليل احتلال تنقص من إرادة الدولة وسيادتها، وهنا باغتنى الرجل قائلا إن مصر أعطت للاتحاد السوفيتى قاعدة فى الإسكندرية العام ١٩٧١، أى أن المبدأ تم كسره فى الماضى ويمكن كسره فى الحاضر.


ومرة ثانية كان علىّ الشرح والتفسير بأن هذا الأمر لم يكن قاعدة بالمعنى المفهوم والدائم للقاعدة العسكرية التى تتحكم فيها الدولة الحاصلة على القاعدة ومنشأتها جملة وتفصيلا، وتكون خصما من سيادة الدولة، وأن ما حصل هو أقرب إلى تقديم تسهيلات من منشآت مصرية لسفن سوفيتية فى ظل التعاون المصرى السوفيتى آنذاك لمواجهة آثار الاحتلال الإسرائيلى لسيناء، وهو الأمر الذى لم يستمر طويلا، إذ قرر الرئيس السادات فى صيف ١٩٧٢ إنهاء كافة مظاهر الوجود العسكرى الروسى فى مصر بما فى ذلك الوجود البحرى فى ميناء الإسكندرية، الأمر الذى أثبت أن هذا الوجود لم يكن قاعدة ثابتة ودائمة وخارجة عن السيادة المصرية، بل نوع من التعاون المشترك لا أكثر ولا أقل وبشروط محددة.


قواعد لا .. تدريبات مشتركة نعم


وعند ذلك الحد من النقاش لم يعلق المحاضر وانتهى الحوار بعد أن أوضحت وجهة النظر المصرية حسب معلوماتى المتواضعة آنذاك فى مسألة رفض منح أية قواعد عسكرية، وذلك انطلاقا من رؤية مصرية أن تلك القواعد هى انتقاص مرفوض من السيادة المصرية غير مسموح به، فضلا عن الحساسية التاريخية للمصريين بارتباط القواعد العسكرية بوجود احتلال أجنبى، وهو الأمر الذى تحول إلى عقيدة راسخة للجيش المصرى خلاصته لا للقواعد الأجنبية على الأرض المصرية.


والمهم هنا أن مفهوم القاعدة العسكرية التى تُمنح لطرف خارجى لمدة زمنية لا تقل عن عقد أو عقدين وأحيانا تكون بلا سقف زمنى كما هو مثلا فى القواعد الأمريكية الكبرى فى اليابان أو فى كوريا الجنوبية وغيرهما، وبما تعنيه من منشآت ثابتة غالبا ما يتم إنشاؤها أو تحديثها وإدارتها من قبل الطرف الحاصل عليها، وهى غالبا الولايات المتحدة، وبحيث يُسمح بتواجد عناصر عسكرية أجنبية على جزء من أرض الوطن، يؤتمرون بأوامر قيادتهم وبلدهم دون أية قيود أو اعتبارات تتعلق بالطرف المحلى صاحب الأرض، وهى تختلف تماما عن عمليات تقديم تسهيلات فى صورة توفير وقود أو أغذية لوحدات عسكرية صديقة غالبا ما تكون بحرية فى مدى زمنى محدد، قد لا يتجاوز يوما أو يومين، كما تختلف أيضا عن القيام بتدريبات عسكرية مشتركة لرفع الكفاءة وتبادل الخبرات بين طرف محلى مع طرف آخر، وهى التدريبات التى تستمر ما بين يومين إلى أسبوعين على الأكثر وبعدها تعود كافة القوات إلى بلدها الأصلى، وغالبا ما توضع بعض المنشآت لمهمة التدريب المشترك وتُوفر تسهيلات يُتفق عليها للقطع والمعدات التى تشترك فى تلك التدريبات، والتى تعود أيضا إلى بلدها الأم بعد انتهاء هذه التدريبات.


مثل هذه التفرقة مهمة للغاية لأن هناك من يخلط عمدا بين هذه المستويات ويصورها كأنها أمر واحد، كما هو حاصل بالفعل فى مصادر إخوانية متعددة وأخرى أجنبية تتعمد تشويه الحقائق الخاصة بمصر، تصور التدريبات المشتركة بين مصر وأطراف أخرى سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرهما، باعتبارها دليلا على سماح مصر بوجود قواعد عسكرية أجنبية تنتقص من السيادة المصرية، والأكثر من ذلك هناك من يصور الأمر على أن مصر واقعة بالفعل تحت الاحتلال الأمريكى وأن الولايات المتحدة لديها أكثر من قاعدة عسكرية فى مصر، وتُذكر أسماء مطارات مصرية صميمة كالقاعدة الجوية فى قنا أو بنى سويف وغيرهما باعتبارهما أمثلة لتلك المزاعم، فضلا عن القول بأن هناك قاعدة بحرية مفترضة فى رأس ياس منذ العام ١٩٨١ – هكذا مرة واحدة - وأنها تكلفت أكثر من ١.٤ مليار دولار حسب المزاعم المضللة، باعتبارها خارجة عن السيادة المصرية وأن الأمريكيين يرتعون ويمرحون فيها بلا حاسب أو ضابط، بل إن مزاعم تلك المواقع المشبوهة وصل بها التضليل إلى حد القول أن ميناءى سفاجا والغردقة المدنيين هما قاعدتان عسكريتان أمريكيتان، رغم عدم وجود أى أمريكى هناك بأى صفة كانت.


روسيا تطلب ومصر ترفض


وعلى الرغم من أن الحوار المُشار إليه مر عليه الآن ما يقرب من ٢٦ عاما، إلا أنه يلخص تقريبا الوضع الراهن مع اختلاف بسيط فى التفاصيل، فمن يطلب قاعدة الآن هى روسيا فى ظل تصور أنه يمكن إعادة تجربة الفترة المحدودة ما بين أبريل ١٩٧١ إلى أغسطس ١٩٧٢، لكن بصورة أكثر ديمومة وبما يراعى الخطط الاستراتيجية الروسية الجديدة بشأن الانتشار على أوسع مساحة ممكنة من العالم لمواجهة الضغوط الأمريكية. وهنا يجب ملاحظة أمرين:


- الأول أن الخبر الذى نشرته صحيفة ازفستيا الروسية فى العاشر من أكتوبر جاء فى صورة تسريبات من داخل وزارة الخارجية الروسية ومصدر مقرب من وزارة الدفاع الروسية، وكلاهما مصدران مجهولان، وجاءت صياغة الخبر على نحو يوحى بتأكيد وجود مفاوضات بين روسيا ومصر بشأن إنشاء قاعدة بحرية فى سيدى برانى فى أقصى شمال غرب مصر كما كان الوضع فى العام ١٩٧١، وفى نفس الخبر وفى فقرة أولى إشارة إلى أن روسيا زمن الاتحاد السوفيتى كانت تحصل على قاعدة فى ميناء الإسكندرية العام ١٩٧٢، وفى فقرة تالية أن روسيا كانت تمتلك قاعدة بحرية فى سيدى برانى العام ١٩٧٢، تم استخدامها فى مراقبة السفن الأمريكية فى البحر المتوسط، مما يعكس تضاربا فى المعلومات واختلافها على نحو مقصود.


وتضمن الخبر أيضا وعلى لسان مصدر مجهول أن الاتفاق المحتمل يتضمن أن قاعدة سيدى برانى بعد تطويرها وقبول المصريين ستكون جاهزة للعمل مطلع العام ٢٠١٩، وأن روسيا ستزود القاعدة عن طريق النقل البحري، وأن عدد القوات الروسية هناك سيكون محدودا. وحسب المصدر العسكرى المجهول تم تفسير هذا التحرك بأن روسيا فى هذه المرحلة في حاجة إلى قاعدة عسكرية في منطقة شمال إفريقيا، تمكنها من حل المشاكل الجيوسياسية في حال ظهور تهديد جدي لاستقرار المنطقة.


والشيء المثير هنا أن الخبر نفسه تضمن معلومات مغلوطة فى الأساس، لأنه لا توجد قاعدة بحرية فى سيدى برانى بل قاعدة جوية، ولأن التسهيلات التى كانت تقدم لقطع بحرية روسية فى الفترة ١٩٧١ و١٩٧٢ كانت فى ميناء الإسكندرية فقط. وفى اعتقادى أن الهدف من نشر خبر بهذا المعنى هو نوع من لفت انتباه مصر بأن روسيا تفكر جديا فى التقدم بطلب للحصول على قاعدة بحرية فى أحد الموانئ المصرية، كما حدث فى تحويل قاعدة طرطوس السورية إلى قاعدة روسية دائمة، وذلك تعزيزا لاستراتيجيتها الجديدة فى الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم والتى تقوم على الانتشار العسكرى فى دول كانت ومازالت صديقة لروسيا كفيتنام وكوبا ومصر، وهىّ الاستراتيجية التى تعكس تحولا فى الأداء الروسى لمواجهة الضغوط الأمريكية والأوربية المتزايدة عليها، والتى تسعى بدورها إلى توريط روسيا فى حرب استنزاف جديدة وإجهاض مساعيها لحماية نفسها فى ضوء تقدم حلف الناتو أكثر وأكثر نحو الحدود الروسية.


موقف مصرى حاسم


أما الأمر الثانى فهو سرعة تحديد الموقف المصرى من مثل هذه الأخبار التى تعد نوعا من بالونات الاختبار، وهو ما حدده المتحدث الرسمى للرئاسة المصرية حيث نفى أمر المفاوضات المزعومة جملة وتفصيلا، وأكد أن موقف مصر الثابت هو رفض أية قواعد عسكرية على أراضيها، كما أن الرئيس السيسى فى حواره من الصحف القومية الثلاث المنشورة يوما ١٥ و١٦ أكتوبر الجارى أكد بدوره أنه لا توجد قاعدة بحرية فى سيدى برانى، وأن مبدأ رفض القواعد العسكرية كان موجودا من قبل، وليس جديدا ولا يوجد ما يدعو إلى تغييره الآن، وأنه سيظل مبدأَ حاكما للسياسة المصرية.


الأمران معا يعكسان التطورات التى تجرى فى البيئة المحيطة حولنا، وهىّ تطورات سريعة وتنبئ بتغيرات حادة فى الإقليم وفى العالم أيضا، ومن بينها استراتيجية روسية جديدة ذات طابع دفاعى بوسائل هجومية، وتجسد توترا متصاعدا بين روسيا والولايات المتحدة سوف سيكون له تأثيراته الكبرى على الشرق الأوسط ككل، وإننا سنشهد نوعا من الاستقطاب بين هاتين القوتين والذى يقترب من أوضاع الحرب الباردة التى سادت بينهما لمدة أربعة عقود تقريبا، وانتهت شكلا فى العام ١٩٩٠ بعد سقوط الاتحاد السوفيتى ولكنها ظلت مستمرة موضوعا.


وفى ظل حال دولى وإقليمى متوتر كالذى نشهد مؤشراته ونذره، ليس هناك سوى استمرار التمسك بمبدأ رفض القواعد العسكرية لأى طرف كان، حرصا على سيادتنا واستقلال قرارنا وحماية أنفسنا.