القرار السياسى بين استقلالية الخيار والتكلفة العالية

19/10/2016 - 12:10:48

بقلم: السفير د. رضا شحاتة

صناعة القرار، من أدق وأخطر المهام وأبعدها تأثيراً لا يتحمل تبعاته القائد العسكرى أو الزعيم السياسى أو ربما حتى من يحتكر القوة الاقتصادية والمالية لدولته أو لمؤسساته فحسب، صناعة القرار سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً تتجاوز تبعاته وعواقبه المسئول الأول عن اتخاذ القرار رئيساً كان أم وزيراً أم سفيراً ويمتد الى أمة بأكلملها وشعب بأكمله، ربما تؤثر فى حاضره ومستقبله وأجياله القادمة.


ـ الحديث عن المؤثرات فى صناعة القرار خاصة فى مجال السياسة الخارجية يثير على الفور مدى استقلالية القرار بعيداً عن الضغوط السلبية على مستوى الصعيدين الداخلى والخارجى، وليس معنى الحديث عن استقلالية القرار لاسيما إذا كان تنطوى على آثار استراتيجية عميقة قد تنعكس على الأمن القومى للبلاد، لا يعنى مطلقاً ولا يجب أن يعنى أن القرار المستقل يصُنع أو يتخذ بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية أو بمعزلٍ عن البيئة الدولية والعوامل الخارجية وخاصة الإقليمية .


ـ وإذا كانت كلمات الرئيس السيسى منذ أيام قليلة قد أعرب بكل الأمانة والصدق أن القرار المستقل، أو الاحتفاظ باستقلالية القرار ينطوى على (تكلفة) وهو فى ذلك يترجم بكل دقة أصول وفن الإدارة العليا أو القيادة العليا، التى تنهج منهجاً علمياً يجب إتباعه فى اتخاذ القرار المستقل، بدءً من بديهيات أو مسلمات متفق عليها، وأن اتخاذ القرار تسبقه دراسة متعمقة للتكاليف المترتبة تسمى فى علم الإدارة العليا (بالفاعلية مقابل التكلفة) أى نوعية الآثار المترتبة والنتائج، الأرباح أو الخسائر المترتبة على اتخاذ القرار المستقل، وهو ما ينطبق تماماً على دراسة أو على الأقل قراءة طبيعة القرارات المستقلة التى اتخذها قادة مصر، من الزعيم عبد الناصر إلى السادات، إلى الرئيس السيسى، بل وإذا عدنا قليلاً إلى تاريخ مصر الحديثة فى مطلع القرن التاسع عشر فى عهد محمد على، كما أشار الرئيس السيسى ضمناً فى حديث له منذ أيام، عندما اتخذ (محمد على) مؤسس مصر الحديثة قراراً (لتحديث) الدولة المصرية الموروثة عن العصر المملوكى والعثمانى اتخذ قراراً تاريخياً بنقل التجربة الأوربية، فى الصناعة والطب والتعليم والهندسة والجيش حولت مصر من العصور الوسطى إلى حضارة العصر الحديث فى القرن التاسع عشر، لم يكن قراراً بلا ثمن أو بلا تكلفة بعد أن تكاملت لمصر عناصر القوة، العلم والتعليم والقيمة البشرية لقواتها المسلحة البرية والبحرية، وأثبتت وجودها على الصعيد الإقليمى فى حروب الشام، وحروب الحجاز، والتحرك جنوباً باتجاه منابع النيل بل والاصطدام بالدولة العثمانية لتأكيد استقلالية مصر (محمد على) عن هيمنة (الباب العالى) فى أسطمبول.


كان الثمن أن تكاتفت الدول الأوربية لتحطم الأسطول المصرى وفرض الحدود القصوى على تعداد الجيش المصرى الذى فرض مقومات القوة على الصعيد الإقليمى، ونجح الغرب فى إجهاض تجربة استغلال عناصر القوة الإقليمية لمصر.


ـ لم يكن قرار (محمد على) خاطئاً، لكنه، وحتى لو قلنا بحكمة استرجاعية أو بحكمة ولو بأثر رجعى، لم يكن القرار مستوعباً لمؤثرات البيئة الدولية (الأوربية)، وهذا ربما هو ما أدى إلى الانتكاسة لأول تجربة تحديث فى التاريخ المصرى المعاصر.


ـ ويمكن القول قبل المضى فى المقارنات عن استقلال القرار وتكلفته أن (اتخاذ القرار) هو فى جوهره يوازى ما وصفه المؤرح والفيلسوف البريطانى (أرلوند تويبنى) فى دراسته الكلاسيكية (دراسة التاريخ) والذى لخصه فى تعبيره الأشهر، « التحدى والاستجابة»، وباختصار شديد فكل زعماء مصر التاريخيين، محمد على، وعبد الناصر والسادات والسيسى اليوم، لا تخرج قراراتهم (المستقلة) عن إطار (الاستجابة) (للتحدى) سواء كان هذا التحدى داخلياً أم خارجياً أى على صعيد السياستين الداخلية والخارجية.


ـ وبشكل أكثر تدقيقاً، فإن قرارات عبد الناصر التاريخية فى بداية الثورة كانت (استجابة) مدروسة ومخططة (كما تحددت فى المبادئ الستة المعروفة لثورة يوليو) فكان قرار تأميم قناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦ على سبيل المثال استجابة فريدة وفذة لتحديات خارجية من دول كبرى غربية، يتحدى فيها عبد الناصر إرادة دول كبرى (فرنسا وبريطانيا ومن ورائهما الولايات المتحدة صاحبة القول الفصل فى أهم المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولى وصندوق النقد الدولى) عندما سحبت عرض تمويل السد العالى.


ـ ودفع عبد الناصر ثمناً وتكلفة عالية هى المواجهة العسكرية والتصدى للمؤامرة الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا واسرائيل، لكن البيئة الدولية ـ كما قرأها عبد الناصر كانت مواتية ومؤيدة وتأكدت صوابية حساباته الاستراتيجية، فحقق انتصاراً سياسياً دولياً أكد زعامته الوطنية والدولية.


ـ من القرارات الخطيرة المستقلة لعبد الناصر بعد أن واجه تحديات الخلل الخطير فى ميزان القوى العسكرية بين مصر واسرائيل حين تعرضت الحدود المصرية مع فلسطين (بعد حرب ١٩٤٨ وثورة ١٩٥٢) لسلسلة من العدوان والاختراقات الإسرائيلية خاصة فى منطقة غزة عام ١٩٥٤، فكانت استجابة عبد الناصر أو قراره التاريخى تدبير السلاح بالصفقة المشهورة فى التاريخ المصرى المعاصر «بالصفقة التشيكية « وفتح علاقة استراتيجية لأول مرة فى الشرق الأوسط مع الاتحاد السوفيتى واستطاع أن يعيد (التوازن) ولو لسنوات بإعادة تسليح وتأهيل الجيش المصرى، وان كانت القوى الكبرى والإقليمية (واشنطن وتل أبيب) قد خططت لتدفع مصر ثمناً باهظاً لإخلالها (بالتوازن) الاستراتيجى الإقليمى حتى انزلقت مصر بتخطيط غير محسوب للآثار الدولية إلى خوض حرب لم تكن تسعى إليها أو تستعد لها فى يونيه ١٩٦٧.


ـ هذه القراءة لقرارات تاريخية لزعيم وطنى فى مكانة عبد الناصر إنما تؤكد أن صناعة القرار فى السياسة الخارجية وخاصة فى مصر تتم فى ضوء تحديد الأولويات، وتحديد مصادر التهديد للأمن القومى بل وتحديد المصالح الحيوية للدولة، وما إذا كان القرار يعظمها أم يلحق بها تأثيرات سلبية، وبعد ذلك، بل وقبل ذلك يكون صانع القرار قد حدد المشكلة التى يتعامل معها، بجمع المعلومات ووضع التقديرات على خلفية مجموعة من البدائل، وليس القرار الأخير إلا (اختيار) لأحد البدائل، الأقل تكلفة والأعظم تأثيراً بما يخدم وبشكل مباشر الأمن القومى.


ـ ودون الانسياق وراء حديث النظريات، فالأمن القومى لأى دولة يستند إلى مجموعة من عوامل القوة، السكان والأرض والشعب والموارد، وما يسمى بالقدرات الشاملة للدولة ثم حدود القوة العسكرية، وأجهزة الدفاع القومى مجمعة للحفاظ على الأمن والسيادة والاستقلال والبشر والحدود فى ظل أنظمة مركبة من علاقات التحالف الإقليمى، والتحالف العربى، والأمن الجماعى وأحياناً تسمى الدفاع الجماعى وهكذا.


ـ لاشك أن خيارات صانع (القرار) فى مصر سوف تتأثر بأولويات الدولة وبمدركاته لمصادر الخطر وإمكانيات القوى الشاملة وفى مقدمتها وعلى رأسها الحفاظ على وجود الدولة وكيانها وأمنها قبل أى اعتبار ثم تحديد ثلاثة أنواع من المصالح الحيوية، والمصالح المهمة والمصالح الملحة أو العاجلة بعد تحليل متعمق ودقيق لكافة القوى المؤثرة أو كما نسميها (فواعل) السياسة الخارجية (القوى الدولية فى الشرق أو الغرب) .


ـ من التحديات الكبرى التى يواجهها صانع القرار اليوم ورئيس الدولة بصفة خاصة الرئيس (السيسى) تحديات تمثلها قوى إقليمية ربما عربية وربما غير عربية لا تزاحم مصر فحسب فى دورها الإقليمى، بل وتسعى لإزاحة مصر عن دورها الإقليمى أو كما يوصف ببساطة (تحجيم) دور مصر الإقليمى، ورغم الهزل الشديد فى مواقف مثل هذه الدول. لكن قرار الرئيس (السيسى) على صعيد السياسة الخارجية، تمثل فى أوسع حركة يمكن أن يمارسها رئيس دولة فى مثل «ظروف مصر الإقليمية»، فقد اتسعت حركة مصر الخارجية ما بين الشرق الأقصى، وما بين دول كبرى (يوروآسيوية) لها توجهاتها وأولوياتها الواضحة فى الشرق الأوسط، هى روسيا التى تسعى لتأكيد مكانتها الدولية واستعادة تأثيرها الحاسم فى القضايا الدولية الشائكة مثل القضية (أو الأزمة السورية) ثم حركتها الإقليمية المكثفة مع دول الخليج العربى (لاسيما السعودية والإمارات والكويت والبحرين) وبنفس القدر الحركة المكثفة على الصعيد الإفريقى، مما اتسعت معه حركة صاحب القرار وأتيحت له مساحة واسعة من البدائل والخيارات استخدمها القائد بذكاء وحرفية عاليه ساعدته إلى حد كبير، على أن يحتفظ بقرار مهم مثل قرار التصويت على مشروعى القرارين المتصلين بالأزمة السورية فى مجلس الأمن منذ أيام، أن يحتفظ باستقلالية القرار طبقاً لأولويات مصرية.


ـ ورغم أن ميكانيكية أو آليات إعداد القرارات أو صناعة القرارات فى مجلس الأمن ذات طبيعة خاصة تتصل بتوازنات إقليمية وتوازنات دولية، فلم يكن القرار المصرى بالتصويت لصالح القرارين، الذين لم يصدق عليهما مجلس الأمن للفيتو الروسى مرة، وللفيتو الأميريكى مرة ثانية، لم يكن القرار المصرى بالتصويت الإيجابى ينطوى على تكلفة عالية إلى الحد الذى أثار ضجة لا مبرر لها ولا موجب لها لأن عملية التصويت ككل لا تخرج عن مجال التوازنات الإقليمية أو الدولية ولا تعنى انحيازاً مع جانب ضد جانب أو تحالفاً مع طرف ضد طرف، بل جاء ترجمة مباشرة وصحيحة للموقف المصرى تجاه « الأزمة السورية» القائم على أسس راسخة هى الحفاظ على كيان «الدولة السورية»، وعلى حقن دماء الشعب السورى وعدم المساس بوحدة الأرض واستقلال الدولة أو سيادتها وهو ما تمثل فى القرار المصرى الذى احتفظ فى تقديرى الشخصى، بدرجة كافية من جوهر الموقف المصرى الإقليمى ويراعى تماماً توازنات مصر العربية، وعلاقات مصر الوثيقة بالأشقاء فى الخليج العربى ثم علاقات مصر القوية بالقيادة الروسية، وهى علاقات لم ثؤثر فى أولويات مصر الإقليمية العربية، أو فى خياراتها أو بدائلها، لكنها كانت واحدة من عدة مؤثرات متكاملة تؤثر فى صناعة القرار المستقل فى السياسة الخارجية تجاه واحدة من أهم الأزمات الإقليمية الطاحنة، ومثلها فى العراق، ومثلها فى اليمن، ومثلها فى ليبيا، وهى كلها لابد أن تسترشد بكل وضوح بأولويات مصر الإقليمية وتحديد البدائل المتاحة واختيار أفضلها بما يخدم المصلحة القومية اليوم وغداً كما تخدم المصالح الحيوية لمصر.


ـ ولعل أخطر قرار قد يواجه صانع القرار السياسى فى المستقبل المنظور وقد لا يخرج كثيراً عن السياسة الخارجية، سوف يتصل بشكل مباشر بالسياسات الداخلية وخلفياتها ومؤثراتها وأسبابها، حين يقرر صانع القرار، مواجهة حاسمة وبشكل استراتيجى، تحديات الإرهاب وآثاره الداخلية فى مصر وعلى مستوى الإقليم، وإن كانت قرارات قيادة مصر الوطنية سوف تكون ذات صلات مباشرة بسياسة مصر الخارجية وتحالفاتها الإقليمية والدولية فى إطار التخطيط والتنفيذ لاستراتيجية مكافحة الإرهاب داخلياً وإقليمياً ودولياً، وهذا هو قدر مصر، وقدر قيادتها وقدر شعبها ليحافظ على الإرادة الحرة وعلى استقلالية القرار وفعاليته مهما كانت التكلفة ومهما ارتفع الثمن.