العلاقات السعودية ـ المصرية عثرات على الطريق

19/10/2016 - 12:05:16

بقلم - د. أنور عشقى رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية

(لمصر فى نفسى مكانة خاصة، ونحن فى المملكة، وبعلاقاتنا الاستراتيجية المهمة للعالمين العربى والإسلامى حفظ الله مصر وحفظ شعبها) بهذه الكلمات غرد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، فى موقعه بتويتر.


فالذين يسعون إلى الوقيعة بين مصر والمملكة، إما أن يكونوا جهلاء وإما أنهم عملاء . فالملك عبد الله بن عبد العزيز رحمة الله فى اجتماع الأمن القومى السعودى قال: إن هدفنا الإستراتيجى الأعلى هو الدفاع عن الأمن القومى العربى، ونفذ وعده عندما وجد مصر فى ثورة ٣٠/٦/٢٠١٣ قد أصبحت على شفا جرف الحرب الأهلية، وقد أخذ الجيش المصرى زمام الأمور لإنقاذ مصر وتشكلت حكومة وطنية استجابة لطلب الملايين التى خرجت ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسى الذى اعتقل.


وجد الملك عبد الله هناك من يقول: إما أن يعود مرسى أو نحرق مصر، كما وجد الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية تتخذ موقفاً مخالفاً للثورة، فأعلن دعمه لأمن مصر واستقرارها وحكومتها الجديدة، وحدد علاقته مع الأصدقاء والأعداء وانجاز إلى مصر واستقرارها وبعث بالأمير سعود الفيصل رحمهما الله إلى أوربا ليقول لهم نحن من أمن مصر ولن نتردد فى ذلك، هذه الأعمال غيرت مفاهيم العرب واستقرت الأحوال فى مصر.


كان رحمه الله يعلم بأن مصر تعانى من ضائقة اقتصادية، كهرباء تنقطع، وغاز لا يكفى، وطعام لا يغطى احتياجات المواطن، ففتح خزائن المملكة لدعم الاستقرار الاقتصادى والمعاشى، لأنه كان يدرك أن أمن مصر من أمن الأمة العربية.


لا أريد أن أعود إلى ما مضى من تاريخ العلاقة بين مصر والسعودية لكنى أؤكد أن هناك ثمانمائة ألف أسرة متراحمة تجمع بين الدولتين، فهذه الروابط الوجدانية لا يمكن لها أن تنفصم عن كلمات غير مسؤولة صدرت من الطرفين، فمصر ليست سلعة بين الدول، بل مصر لها استراتيجيتها وسياستها ونحن نحترمها، أما إذا كان هناك عتب من مصر للسعودية أو من السعودية لمصر فلا يعنى ذلك أن خلافاً يحدث بينهما كما يتمنى أعداء الأمة بل هى دعوة إلى التفاهم فى مسائل الاختلاف.


وجاء دور الملك سلمان فخص مصر بالزيارة لتبديد الشكوك التى يبثها المرجفون، فجاءت الزيارة لترسم مستقبلاً جديداً للمنطقة العربية، وعكست التلاحم العربى فى مواجهة التحديات التى تواجه الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، فلم تكن الزيارة رسمية فحسب بل كانت تنفيذية وبرلمانية وشعبية كما قيل يومها.


لقد عبرت الرئاسة فى مصر على لسان السفير علاء يوسف حول نتائج الزيارة، وقال: إن البلدين الشقيقين تجمعهما علاقات المودة والإخوة على المستوى الرسمى والشعبى، وأن الرئيس السيسى والشعب المصرى يكنان تقديراً وإعزازا لخادم الحرمين الشريفين والمملكة الشقيقة لمواقفها النبيلة تجاه مصر وشعبها.


لقد حققت هذه الزيارة نقلة نوعية فى العلاقات بين البلدين، وأن الرئيس السيسى أكد على أهمية ومتابعة نتائج الزيارة وتنفيذها والبناء عليها من أجل الارتقاء بالعلاقات بين البلدين معاً من أجل تحقيق المصلحة المشتركة للشعبين المصرى والسعودى، وتنسيق الجهود حيال أزمات المنطقة، وأيضاً الصورة الحقيقة للإسلام الحنيف بوسطيته واعتداله ومجافاته للعنف والإرهاب والتطرف، هذا ما أضافه السفير علاء يوسف.


خلال هذه الزيارة تم التوقيع على اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين البلدين فى عدد من المجالات، لتنفيذ عدة مشروعات أهمها الجامعة التى أطلق عليها الرئيس السيسى جامعة سلمان فى طور سيناء، والتجمعات السكنية ضمن برنامج الملك لتنمية شبه جزيرة سيناء، فضلاً عن المشروع العملاق بإنشاء جسر يربط بين البلدين عبر سيناء كخطوة تاريخية ونقلة نوعية لدعم التواصل بين الشعبين، ولا تزال الدراسة التحضيرية تسير بخطى حثيثة، وقد نالت سيناء النصيب الأكبر من المشاريع، وهو ما عبرت عنه سهام جبريل عضو البرلمان السابق عن سيناء.


لقد تم التوقيع على (١٧) اتفاقية، ومنها توقيع اتفاقية جامعة الملك سلمان، وبناء المجمعات السكنية ضمن مشروع الملك سلمان لتنمية سيناء، واتفاقية لتطوير مستشفى قصر العينى فى القاهرة، واتفاقية لتجنب الازدواج الضريبى بين الدولتين، والاستخدام السلمى للطاقة الذرية واتفاقية فى مجال النقل البحرى، ومذكرة التفاهم فى مجال الإسكان والطاقة والكهرباء.


كان الاختلاف بين مصر والسعودية حول سوريا، بعد تصويت القاهرة لصالح مشروع القرار الروسى فى مجلس الأمن، وعلى مشروع القرار الفرنسى، ففى القرارين كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسى فقرة تدعو إلى وقف إطلاق النار، وهذا يؤدى إلى الهدنة والسماح بإدخال المساعدات للمواطنين الذين يعانون، وكانت وجهة النظر المصرية متجهة لذلك.


كانت المملكة العربية السعودية تتمنى أن تكون مصر مع باقى الدول العربية فى التصويت، لكنها صوتت مع أربع دول فقط، ولم يستحق القرار الروسى الذى لم يكتمل نصابه حتى الفيتو من باقى الدول، وحتى حلفاء روسيا امتنعوا عن التصويت.


من حق مصر أن ترسم سياستها وليس لأحد وصاية عليها، لكن للأخ حقا على أخيه أن يتم التشاور بينهما لاتخاذ موقف موحد يخدم قضايا الأمة، ومندوب المملكة ماكان عليه أن يعتب علنا.


لقد تزامن هذا الموقف مع إعلان شركة أرامكو بوقف إمدادات النفط الذى كان مقررا فى الاتفاق، ليعود بعد أيام معدودات، وكانت القيادة فى مصر تدرك بنود الاتفاق.


لهذا كانت مصر قد استعدت لذلك كى تغطى هذه الفترة التى كانت مبرمجة بحسب سياسة الشركة، لكن الذين جهلوا ذلك، ربطوها بما جرى فى مجلس الأمن واشتعل الإعلام التقليدى والحديث بآراء تحكى عنتريات القرن العشرين، بعيدة عن الحكمة وخالية من الرشد، تؤكد أن البعض لايستشعرون الظروف التى تمر بها الأمة العربية.


وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هناك حكماء يديرون دفة القيادة فى الدولتين، ولا يتأثرون بما يقوله الأبناء، لأن من يكون له هدف قومى لابد أن يحافظ عليه، وهذا من مبادئ التفكير الإستراتيجى.