مستقبل العلاقات المصرية ـ السعودية فى عصر التحولات الكبرى

19/10/2016 - 12:03:54

بقلم: السفير حسين هريدى

فى ٢٠ أبريل من عام ١٩٥٦ قرر الرئيس جمال عبد الناصر السفر فجأة إلى جدة للالتقاء بالملك سعود. اتخذ الرئيس عبد الناصر هذا القرار بعد تلقى القاهرة معلومات من السفارة المصرية فى واشنطن تفيد أن اتجاه الولايات المتحدة هو الوقيعة بين مصر والسعودية، ومما أكد مثل هذا التوجه تركيز جريدة «النيويورك تايمز» فى ثلاث مقالات على مدى أسبوع على أن البعثة العسكرية المصرية فى السعودية تعمل على ما وصفته ببث أفكار «جمال عبد الناصر» بين القوات السعودية.


قال الرئيس عبد الناصر للعاهل السعودى مايلى:


«إننى أرجوك أن تعتبر نفسك قائدا أعلى لكل عسكرى مصرى يعمل فى السعودية، وإذا بلغك عن أحدهم شىء -ولو مجرد الظن- فلك أن تصدر أمرا بعودته إلى مصر، وثق أن ذلك لن يؤثر على علاقتنا».


ثم أضاف قائلا «إن كل التقارير التى تصلنى تؤكد لى أن خطة الغرب الآن هى التفريق بيننا وعلينا ألا نعطيهم فرصة مهما كان الثمن».


فما أشبه الليلة بالبارحة.


تابعنا خلال الأيام القليلة الماضية، وبقدر من التوجس والخوف، محاولات البعض فى الداخل والخارج، بث الوقيعة بين القاهرة والرياض على خلفية التصويت المصرى على مشروعى القرارين الروسى والفرنسى عن الأزمة السورية فى مجلس الأمن منذ عشرة أيام. وتابعنا مشدوهين، للرد الفعل من جانب المندوب الدائم السعودى على التصويت المصرى لصالح القرارين، ومبعث الدهشة يرجع إلى أن الدبلوماسى السعودى خرج فى انتقاده لتصويت مصر لصالح القرار الذى تقدمت به روسيا – خرج ليس فقط عن التقاليد الدبلوماسية العربية فى الأمم المتحدة، وإنما خرج أيضا على ما درج العمل به فى مجلس الأمن بعد عملية التصويت على مشاريع القرارات، سواء بتبنيها أو رفضها أو الامتناع أو عدم حضور جلسة المجلس من الأساس. العرف هو أن كل وفد يلقى كلمة بعد انتهاء عملية التصويتExplanation of Vote.


فى هذه الكلمة، يقوم رئيس الوفد بطرح الأسباب التى حدت بدولته بالتصويت على القرارات بالطريقة التى تمت بها، وعادة يكون التركيز على الأسباب الموضوعية وراء التصويت دون انتقاد أو شن هجوم غير مبرر على الوفود التى تكون قد صوتت على خلاف تصويت الوفود الأخرى.


أدى سلوك رئيس الوفد السعودى إلى إثارة تساؤلات عن الأسباب الكامنة وراء هذا الهجوم غير المسبوق على مصر فى أزمة، وأعنى الأزمة السورية، التى تمس الأمن القومى المصرى بصورة مباشرة.


قليلة كانت التحليلات الرصينة، وما أكثر الآراء التى جنحت إلى التطرف لمس جوهر العلاقات المصرية-السعودية، سواء على المستوى الرسمى، أو، وهذا هو الأخطر، على مستوى العلاقات الأخوية بين الشعبين المصرى والسعودى.


ومما لاشك فيه أن هناك من تربص بمسار ومستقبل هذه العلاقات المحورية للأمن القومى العربى, أمس واليوم وغدا. تربص بها على استحياء خلال حقبة الملك عبد الله، رحمه الله، الذى ساند بكل ثقل المملكة العربية السعودية، ثورة ٣٠ يونيو فى عام ٢٠١٣، وأوفد الراحل الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، إلى باريس فى أغسطس ٢٠١٣ ليحذر الرئيس الفرنسى «فرانسوا هولاند» من مغبة قيام الاتحاد الأوروبى بتوقيع عقوبات اقتصادية على مصر أو أى مجموعة أخرى من العقوبات بسبب الثورة المصرية على حكم «الجماعة».


كانت تركيا أردوغان تمارس فى ذلك الوقت ضغوطا كبيرة ومتواصلة على الاتحاد الأوروبى، وبصفة خاصة ألمانيا، لعزل مصر دوليا. وكان الاتجاه الغالب داخل «الاتحاد» هو التجاوب مع هذه الضغوط، خصوصا أن واشنطن كانت لاتمانع.


وازداد التربص بالعلاقات بين القاهرة والرياض بعد رحيل كل من الملك عبد الله والأمير سعود الفيصل، وهو الرحيل الذى تزامن مع صعود جيل جديد من المسئولين السعوديين خبرتهم فى مجال السياسات العربية وفى تاريخ العلاقات المصرية -السعودية ليس بالعمق المطلوب أو المرجو.


فمثلما تتواجد فى مصر جماعات مصالح لها مصلحة فى عزل مصر عن السعودية، فبالمثل توجد فى السعودية جماعات ضغط داخل دوائر الحكم وفى وسائل الإعلام السعودى تعمل من أجل نسف العلاقات التى ربطت بين البلدين منذ تأسيس المملكة فى عام ١٩٣٢.


أول هذه الجماعات فى البلدين هى جماعة «الإخوان» حاضنة وراعية الإرهاب فى العالمين العربى والإسلامى بامتياز. ففصل مصر عن السعودية من شأنه، فى تقديرها، إضعاف كل من النظامين مما يسهل، على المدى الطويل، النيل منهما، ومن ثم تمهيد الطريق للوصول للحكم فى العاصمتين، القاهرة والرياض. وهذا المخطط بعيد المدى يحظى بتأييد تركيا أردوغان التى استخدمت ولاتزال جماعة «الإخوان» كحصان طروادة تخترق بها العواصم الرئيسية فى العالم العربى، على طريق وهم إحياء الخلافة العثمانية البائدة.


ومن المتربصين بالعلاقات المصرية -السعودية نفر ليس بقليل فى البلدين، أولئك الذين ينظرون إلى الأمور والتطورات التى يشهدها العالم العربى من منظور دينى وطائفى، وهو المنظور الذى يمثل الاطار الرئيسى لمواقفهم تجاه كافة الأزمات التى ضربت المشرق العربى خلال السنوات الماضية، سواء فى سوريا أو اليمن أو العراق أو لبنان. وأدى ذلك إلى اشتعال الحرائق فى المنطقة على خلفية أعتقادهم أن المواجهة هى طائفية فى جوهرها بين السنة والشيعة. بالقطع هم لايصرحون بذلك، بل يتحمسون لنفيه بشدة، ويتحدثون عن النزعة التوسيعية الإيرانية بدلا عن ذلك.


ولعل القارئ الكريم يتذكر التصريح الذى كان قد أدلى به الرئيس الإخوانى الأسبق عند عودته من زيارته للرياض فى صيف ٢٠١٢، عندما قال إن مصر والسعودية سيدافعان عما وصفه «الإسلام السنى»، كان تصريحا صادما لأبعد الحدود، فلأول مرة تحدثت مصر عن الدفاع عن طائفة، بدلا من تمسكها على مر تاريخها بالدفاع عن الإسلام كحضارة ودين وليس من منظور طائفى بغيض، ترفضه مصر على المستويين الرسمى والشعبى.


وهذا تحديدا ما يرفض البعض فى المملكة العربية السعودية فهمه. وموقفنا على هذا الصعيد ليس موجها ضد السعودية الشقيقة ولا للشعب السعودى الذى تربطنا به وشائج القربى والنسب، وتجمعنا به قيم العروبة والإسلام كحضارة قبل كونه دينا.


وعندما أعلنت المملكة عن قيام تحالف سنى لمواجهة الإرهاب، امتنعت مصر عن التعليق على التسمية احتراما للقيادة السعودية، فى الوقت الذى راود البعض فى مصر سؤال عن العلاقة بين «السنة» وبين مواجهة الإرهاب، وهل التسمية لها علاقة، مباشرة أو غير مباشرة، بالأوضاع المتأزمة والمشتعلة فى سوريا وفى اليمن وفى العراق وفى لبنان؟ وهل هذا التحالف يعنى، على المدى المتوسط والبعيد، تعبئة الدول التى بها أغلبية سنية ضد الدول الغالبية فيها لأخوتنا فى الإسلام، الشيعة؟


ما سبق يقودنى إلى النظرة المختلفة بين مصر والسعودية أولا على صعيد توصيف الصراع فى سوريا، وثانيا على مستوى افضل السبل لوضع حد للمأساة السورية. وقبل الخوض فى ذلك، لعل الأخوة فى السعوية يتذكرون أن الشعبين المصرى والسورى كانا فى يوما ما تحت علم دولة واحدة، الجمهورية العربية المتحدة. ولعلهم لاحظوا أننا مازلنا نحتفظ بتسمية الجيش الثانى والجيش الثالث فى مصر، أما الجيش الأول فهو الجيش العربى السورى، الجيش الأول فى الجمهورية العربية المتحدة، والأمر كذلك لا يتصور أن مصر ستقدم على تقديم المساعدة أو ستمول أى جماعة أو قوة تسعى لهدم وتحطيم الجيش الأول فى سوريا، وهو الجيش الذى نعتبره ملكا للشعب السورى وليس جيشا تابعا لرئيس بعينه أو لطائفة محددة. الجيش الأول فى سوريا هو أحد مؤسسات الدولة السورية الذى يجب علينا كدول وشعوب عربية الحفاظ عليه ضمانا للأمن القومى العربى وضمانا لأمننا الوطنى.


الخلاف على توصيف الصراع فى سوريا من النقاط الخلافية بين مصر والسعودية. بالنسبة لنا الصراع فى سوريا تحول من التطلع إلى تأسيس الحكم الديمقراطى التعددى وفقا لإرادة الشعب السورى بدون أى تدخل أجنبى، إلى صراع طائفى مستهجن ومرفوض شكلا وموضوعا، وصراع إقليمى ودولى ليس على الديمقراطية والحريات فى سوريا، بل صراع على مستقبل المنطقة لعقود طويلة ليرسم حدودها الجغرافية والسياسية من جديد خدمة لقيام دولة «إسرائيل الكبرى» فى هذا السياق، لا بأس من التأكيد مجددا على ثابت من ثوابت الأمن القومى المصرى، وهو أن حدود مصر الاستراتيجية تبدأ من عند الحدود السورية -التركية، وعليه لمصر مصلحة أسترتيجية عليا فى عودة الأمن والاستقرار فى سوريا فى ظل نظام حكم يرتضيه الشعب السورى الشقيق، وبدون أدنى شكل من أشكال التأثير على ممارسة إرادته الحرة فى اختيار هذا النظام أو اختيار رئيسه، بعيدا عن تقديم السلاح والأموال والدعم المعنوى لفصيل إرهابى أو لفصيل بعينه من فصائل المعارضة السورية التى اختزلها البعض فى جماعة من الخارج على حساب كافة قوى المعارضة السورية.


وبالنسبة لأفضل السبل لتسوية الصراع الدائر فى سوريا الشقيقة، فمصر تتمسك بقرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ فى ديسمبر ٢٠١٥، الذى حدد خريطة طريق واضحة المعالم لوضع حد للمأساة السورية، ولا يزال يمثل الإطار الأمثل فى هذا الشأن. والتصويت المصرى فى مجلس الأمن على مشروعى القرارين الروسى والفرنسى فى مجلس الأمن منذ أسبوعين استند إلى تمسكنا بهذا القرار.


والموقف المصرى بالنسبة للحل السياسى فى سوريا معروف للقاصى والدانى، سبق أن أكده السيد رئيس الجمهورية فى كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضى، وكذلك كلمته أمام القمة الخاصة التى عقدها مجلس الأمن لبحث الوضع فى سوريا يوم ٢١ سبتمبر الماضى. والموقف الذى أعرب عنه السيد الرئيس هو محل توافق فى مصر.


العلاقات المصرية-السعودية أكبر وأعمق من حصرها فى خلاف فى التقدير بين مصر والسعودية حول الصراع الدائر فى سوريا. وليس من المنتظر أن يشهد موقف البلدين فى هذا الشأن أى تبدل أو تغيير مستقبلا، ولذا من مسئولية الجانبين العمل سويا على تحصين العلاقات الثنائية بينهما ضد كافة محاولات الدس والوقيعة، ولاشك أن المراكز البحثية فى البلدين يمكن أن تتعاون فى تقريب وجهات النظر على هذا الصعيد عن طريق تنظيم حلقات نقاشية فى مصر والسعودية بالتبادل، ليس فقط للبحث فى الصراع الدائر فى سوريا، وإنما لبحث مستقبل المنطقة برمته فى العشر سنوات المقبلة، وكيف يتسنى لهما العمل سويا لصيانة الحقوق العربية فى مواجهة المطامع الإقليمية والدولية فى الشرق الأوسط. أن الثنائى المصرى-السعودى هو مفتاح الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط والعالم العربى، وعلى كل من يعمل ويهتم بمستقبل العرب والإسلام كحضارة أن يرفض كل محاولات الوقيعة بين القاهرة والرياض، والأهم من ذلك عدم تعريض العلاقات الأخوية بين الشعبين للاهتزاز مهما كانت الأسباب.


ولنتذكر جميعا فى مصر والسعودية كلمات الملك عبد الله فى يوليو ٢٠١٣ عندما تحدث عن مصر العروبة والتاريخ والإسلام، فمصر هذه هى الحصن الحصين لكافة الدول العربية بدون استثناء.